Pages

إدمان الفايسبوك و الحسابات الوهمية في تونس السبب من وراء شهرتها



مثل الكهرباء  سالب و موجب مثل القطبين قطب جنوبي و شمالي مثل المغناطيس أيضا قطبين متنافرين و مثل كل شيء في الدنيا خلق من إثنين. و الناس أيضا في هذه الدنيا ككل شيء: إناث و ذكور لكن يبدو أنه حتى في الذكور و الإناث إنقسمت هذه الفئات إلا فريقين منهم السالب ينفعل بالحياة و يتأثر بها دون محاولة التأثير بها ... و فريق آخر موجب يحاول التأثير في الحياة بقدر ما أثرت فيه. فله شخصيته و له ذاته التي أثرت مثلما تأثرت. و ليس كالآخرين لقد تأثرت نحو الأفضل نحو مزيد التطور. لكننا الآن لسنا للمدح و التبجح نحن هنا لفهم سبب التأثر بسلبيات المحيط الخارجي مما يخلق لنا عالما إفتراضيا من المعوقات التي تتهاطل سهاما مسمومة تزعزع ثقة الإنسان الذي هو في الأساس صاحب شخصية مهزوزة. و قد درج الناس في الزمن الأخير على إطلاق كلمة مركب النقص أو عقدة النقص على من يغلب عليهم الطابع السلبي دون الإيجابي مستدلين بذلك في عرفهم على أن هذا الموقف السلبي نتيجة نقص في تكوين الشخص .. فالذي يتبادر إلى عرف عامة الناس أن مركب النقص عبارة عن شيء ناقص كان ينبغي أن يوجد "مثل الأعمى هو شخص ينقصه حاسة النظر" فهو نقص حاسة كان من شأنها أن توجد .. أو هو عبارة عن كمية أمامها علامة ناقص (-) بدلا من زائد (+) المعروفة في الحساب.. فمن أصابه مركب النقص يعتبره العامة في الغالب رجلا رصيده من قوة الشخصية و مقوماتها مسبوق بعلامة ناقص فحسابه في بنك الحياة مدين .. لا دائن.
و الواقع أنه قلما تطابق الفكرة العامة عن شيء حقيقة ذلك الشيء لكن فكرة عامة الناس في موضوع مركب النقص بالذات من الأفكار القليلة الصحيحة رغم شيوعها "إذ الأغلب دائما أن الخطأ أقرب إلى الشيوع بين الناس" و إذن فمعنى مركب النقص عمليا هو ما أدركه الناس في هذه الكلمة ببداهتهم الفطرية ... فكل عرض من الأعراض الدالة على تزعزع الثقة بالنفس و ثبوط الهمة معناه أن الشخص مصاب بعقدة النقص أو مركب الدونية و معنى الدونية هنا أن الشخص يشعر أنه دون المستوى الواجب لمجابهة موقف معين أو جمع مواقف الحياة بصفة عامة...
و مبتدع إصطلاح عقدة النقص أو مركب الدونية هو والد نظرية التحليل النفسي سيجموند فرويد. و قد وضع هذا الاصطلاح أصلا للدلالة على كل انفعال سلبي ناجم عن خوف القصور الجنسي أو عن احساس فعلي بهذا القصور و لا سيما حين يتجسم ذلك القصور في عيب ظاهر في أعضاء التناسل. و مرجع هذا الحصر لعقدة النقص في مجال الوظيفة التناسلية أن سيجموند فرويد يرد كل مظاهر الحياة الوجدانية أو النفسانية إلى التناسل فالغريزة الجنسية في اعتقاده هي أساس الحياة جميعا فكل ما يعوق تيار الشهوة عن التحقق و الاكتفاء التام يسبب تكديرا لتيار حياة الشخص و التواءات في وعيه الباطن و عيوبا و مسخا في طريقه. ذلك أن كبت الرغبات الجنسية -و قد يحصل هذا الكبت دون وعي من الإنسان فيقف تيار الرغبة قبل أن يخرج اللاوعي- يسبب خراريج في الوجدان أن العقل الباطن ينجم عنها هذا الاضطراب في التصرفات و يسمى هذا "الخراج" النفساني عقدة النقص.
لكن ليس كل شيء في العالم مرده أمور جنسية لكن ضلت هذه النظرية الفرويدية قائمة وحدها بعبء التحليل النفسي و التعليل لكل اضطراب سيكولوجي إلى أن قام آدلر -تلميذ فرويد ثم زميله و صنوه في إقامة صرح التحليل النفساني- بتعديل هذه النظرية على ضوء التجارب الكثيرة التي مارسها مع أستاذه أولا ثم منفردا بالعمل بعد ذلك. و أول ما نبه إليه أدلر أن عقدة النقص عامل فعال جدا في ظروف نشأة الإنسان و نموه ... و أن مرد هذه العقدة إلى أسباب كثيرة جدا و متباينة جدا بحيث قد لا تمت في أحيان كثيرة إلى الغريزة الجنسية بصلة..
فربما كانت وحمة في صدغ طفل سببا في تكوين عقدة النقص عنده من جراء المضايقات التي يلقاها من زملاء الطفولة و الصبا فيشب رجلا عزوفا عن الاختلاط قليل الثقة في الناس .. وليس لهذا بالغريزة الجنسية أي اتصال .. ومن هذا المثل يتبين لنا أن الشعور بالدونية أو النقص راجع في الواقع إلى مجرد أي تجربة مؤلمة تصد الطفل عن فتح قلبه للآخرين و تجعله ينطوي على نفسه .. فأي تجربة تجرح كبرياء الشخص أمام نفسه و تسلبه جانبا من تقديره لذاته و احترامه لشخصيته عرضة لأن يكبر في ظلها هذا الجرح و لا سيما بتكرار الاهانة أو الصدمة حتى يتقيح و يصير خراجا نفسيا أو عاهة نفسية يحرص الشخص على مداراتها -كما يداري صاحب العاهة الجسمية عاهته عن العيون- بالإنطواء و البعد عن المجتمعات و الانصراف عن المساهمة الكاملة في النشاط الاجتماعي..
و الفرد المصاب بهذا الشذوذ يقال أن لديه مركب النقص.. تختلف حدته أو درجة تعقده باختلاف عمق الإصابة بالجرح النفساني وباختلاف زمنها و درجة تقيحها فثمة عقد مزمنة و أخرى حديثة و هكذا..
فلباب عقدة النقص إذن هو "الخوف" من تجدد الجرح النفساني أو الاهانة إذا ترك الشخص نفسه على سجيتها فيضطر إزاء هذا الخوف إلى مداومة كبت رغباته المتعلقة بهذا الموضوع و يكون سلوكه فيما يتصل به سلوكا سلبيا و لا سيما بعد أن يكبر و يحس أنه فقد الحماية التي كان يتمتع بها زمن الطفولة من والديه..
و إلى هذا السبب يرجع ما نشاهده غالبا من طفولة في تصرفات المصابين بعقدة النقص فهم يحنون إلى العهد الذي كانوا فيه تحت حماية الأهل يدفعون عنهم الأذى و يشكون إليهم ما يلقونه من جرح أو إهانة فيجدون الترضية و التدليل ... الترضية و التدليل اللذين لا يجدون إليهم اليوم سبيلا وقد كبروا و صاروا رجالا و باتوا يواجهون اللطمات دون حماية و دون مواساة..
و يختلف رد الفعل الناشئ عن هذه اللطمات القديمة أو عن عقدة النقص من النقيض إلى النقيض: فهناك أشخاص يستولي عليهم الشعور بالفشل و العجز و تتلاشى ثقتهم بأنفسهم تماما فلا يجدون لهم ملاذا الا الهرب من الواقع المؤلم.. ولا يتسنى ذلك الهرب إلا عن طريق شاذ و مرضى مثل ادمان الخمر أو المخدرات ... ذلك أن الخمر تطلق العنان للمكبوتات تحت تأثير التخدير الوقتي فينفس السكران بعض ما تجمع في الخراج النفساني من القيح و الصديد الذي ثقل عليه. و كم من شخص يبدو ذليلا حتى إذا شرب وانتشى صار متفتح النفس للفكاهة جريئا بل أنه قد يصل الجرأة إلى حد السلاطة و العدوان.. لكن هذه أصبحت من أدوات الزمن الغابر ففي القرن 21 أدوات الإدمان تتطور و أصبحت مواكبة لعصر السرعة و حداثته. ففي عصر الأنترنت أصبح هناك إدمان الأنترنت و إدمان الألعاب و إدمان الشات .. فما كان يطلق عليه قديما عقدة النقص و شعور بالنقص و الفشل و العجز وجد له بديلا للشهرة و النجاح من خلال بعض الثواني على الفايسبوك فبدلا من الهرب و الإذعان وجد حل بديل يتمثل في عكس ذلك و هو الإقتحام و التبجح و فرض الذات من خلال إسم مزيف و شخصية مزيفة و صورة محسنة فتجد لنفسك شهرة لا تجدها في العالم الحقيقي.
و في الواقع أن كل شخص في الدنيا لابد أن يشعر بالنقص في ناحية من النواحي و هذا الشعور ناجم عن تفاوت الناس في الملكات و الظروف و الحظوظ. ولكن يجب التنبه إلى الفرق بين الشعور بالنقص و بين مركب النقص. فالشعور مجرد إحساس بسيط يحاول الإنسان علاج أسبابه ببساطة و لكن مركب النقص عاهة انتقلت من احساس بضربة إلى جرح عميق.
و هذا ماسقط فيه كل رواد الفايسبوك فما كان مجرد إحساس بالنقص من كل الملهات التي ينزلها يوميا مستخدمو الفايسبوك من جلسات خمرية و صور فتيات و سهريات في علب ليلية أصبح في ذهن السابح في دهاليزه جرح عميق أخذ في الإزدياد.
إحساس بالنقص تطور إلى مركب نقص عميق و هذا سببه الأساسي هو التأثر السهل و إهتزاز الشخصية و ضعفها فالإنسان السوي هو شخص يتأثر و يأثر فالشخصية الطبيعية لا تتأثر فقط في كيفية تصرفنا إزاء بيئتنا بل تتأثر بالسلوكيات حولن. أي أن سلوكيات الناس من حولنا تعمل على تعديل طرق تفكيرنا و تصرفنا وبالتالي التأثير على شخصيتنا و قد قيل "الإنسان ابن بيئته". لذلك إذا لم يكن في استطاعتنا منع أو صد هذه الضغوط التي ستسبب أزمة لنا فإن في استطاعتنا تقوية نفسية الشخص حتى نكون دوما في استعداد لمواجهة هذه الضغوط.
فمرض مثل التخفي وراء حساب وهمي كانت بدايته من أجل الحماية من المراقبة "بداية سياسية بحتة" لكن ما كان هدف سياسي قبل الثورة أصبح الآن مكان يعج بكل أنواع الفساد الأخلاقي و الأمراض النفسية و العقد المركبة التي أنتجت فئة من الشعب لا يمكنها أن تكون من الأناس الطبيعية. مجموعة وراء شاشة الحاسوب سليطة اللسان ثورية غنية و مثقفة و و و و لكن عند خروجها من الفايسبوك تشاهد العكس تماما أما بالنسبة لهذه الفئة أقول لهم أن العُقدالنفسية هي مجموعة حالات نفسية محددة ينتهي إليها الفرد بسبب الكبت المتواصل لمشاعر تألفها النفوس كالشعور بالأستعلاء والشعور بالذنب أو الغيرة أو الحقد أو الأنانية والشعور بالنقص والدونية ويجد الفردنفسه عاجزاً عن إظهار هذه المشاعر بسبب الخوف من العقاب أو الخجل من ردة فعل الآخرين تجاهها أو يلجأ لطرق ملتوية لأفراغ مشاعره المكبوتة ولكل فرد منا غرائز فطرية ومتطلبات نفسية وإن التطرف والانحراف في إرضاء هذه الغرائز يؤدي إلى نشوءالعقد كما في غريزة حب الذات وغريزة حب الاستطلاع وغريزة حب التملك والغريزة الجنسية. فمصيرهم هو فصام في الشخصية دون شك.

MIB

مدونة لبعض الخربشات التي إحتلت عقلي فأردت لها أن تكون في صفحات هذه المدونة انشر هنا آرائي الخاصة وروابط لمقالاتي، يمكنك مراسلتي للتواصل لأي سبب كان أهوى الرسم و كذلك كل ما يتعلق بالأدب و الفنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق