فما خرافة سائدة عند الجمهور التونسي و قادة الرأي و تقول هذه الخرافة أن بنتلاريا هي جزيرة تونسية إستبدلها الباي بجارية فإلـــى أي مــدى ها الخرافة صحيحة ؟
بنتلاريا، بنت الرياح، قوصرة، كوسييرا ... تعددت الأسماء لنفس الجزيرة البعيدة 100 كم عن صقليّة و76 كلم عن قليبية و الجزيرة هي رصيف بركاني مساحته 83 كم²، ويبلغ متوسط الارتفاع فيها 836 متر.
تاريخ الجزيرة الرسمي يبدأ حين وطن الكرطاجيون أول مستوطنيهم بها: مستوطنون في غالبهم ليغوريون و إيبيريون & قد قاتل القوصريون إلى جانب كرطاج في الحرب البونية الأولى & لكن الجزيرة سرعان ما ترومنت بعد هذه الحرب و الحقت بصقلية & قد حول الرومان الجزيرة لمنفى إمبراطوري و تمتعت مدينة كوسيرا بحقوق البلدية الرومانية بداية من 255 ق.م و من ثم احتلها جنسريك (الوندال) فالبيزنطيون وشهد عهدهم حركة تحصين و عسكرة كما شهد توطينا لجالية من الروم الارثوذكس "يونانيين".
اثر حملة عبد الله بن سعد بن ابي سرح على إفريقية، لجأ سكان جزيرة شريك (الوطن القبلي و ولاية نابل حاليا) للجزيرة و إستقر جزأ منهم هناك و في 700 ميلادي هاجمها عبد الملك بن قطن منطلقا من مصر هذه المرة & لكن الجزيرة الحقت رسميا بافريقية في عهد عبدالرحمن بن حبيب الفهري.
أدرك الأغالبة ما تحمله هذه الجزيرة من أهمية استراتيجية لحماية إفريقية من الغارات البحرية البيزنطية، فقاموا بإيفاد حملات عسكرية لضمها و حمايتها و قد نجحوا في ذلك حيث أصبحت الجزيرة قاعدة للأسطول الذي قام بغزو صقلية بقيادة أسد بن الفرات.
زار الأمير الأغلبي محمد الثاني (أبو الغرانيق) الجزيرة لعدة أيام متفقدا التجهيزات العسكرية واستعدادات الجيش هناك. كما تمت إعادة تهيئة مرفأ الجزيرة ليكون همزة وصل مع الممتلكات الإسلامية في جنوب إيطاليا وتشييد محطة لنقل الرسائل العاجلة عن طريق الحمام الزاجل بين صقلية ومدينة الحمامات.
و وطن الأغالبة في الجزيرة جاليات صقلية و كذلك إفريقية من الوطن القبلي و الساحل و أدخلوا فيها عددا من الزراعات و الصناعات الجديدة عليها أهمها زراعة القطن و احتفظ تراث الجزيرة ببعض الكلمات التونسية الدارجة المتعلة بصناعة القطن: الردانة (المغزل الصغير) و المحلوج ( القطن المنتوف و غير المغزول).
أما في العهد الفاطمي فقد تراجعت مكانة الجزيرة و أصبحت قبلة لبعض الأقليات الفارة من اضطهاد أتباع المذهب الإسماعيلي الحاكم على غرار فئة “الوهبية” من إباضية جزيرة جربة، التي استوطنت الجزيرة بداية من القرن العاشر، أو بعض الجماعات من اليهود.
وبالطبع لم تفلت من الصراعات التي تواجه فيها نرمان صقلية والزيريّون. ففي نواحيها، غرق الأسطول المكوّن من 400 سفينة الذي جهزه المعز بن باديس لنجدة مسلمي صقليّة في جانفي 1026 ميلادي. وهناك أيضا، تجمّعت أساطيل بيزا وجنوة سنة 1087/1088ميلادي، وكانت تعتزم مهاجمة إفريقيّة. وقد أنذر مسلمو الجزيرة تميم ابن المعز بوساطة الحمام الزاجل بالخطر الذي يهدّده. وفي سنة 1123ميلادي، نهب الأسطول النورماني قوصرة، في طريقه إلى المهديّة، واجتاحها، وقتل سكّانها. وأخيرا، في سنة 1149/1148ميلادي، استولى الأسطول الصقليّ الذي كان يقوده جورج الأنطاكي على الجزيرة، قبل أن يذهب لانتزاع عاصمة الزيريّين.
وقد استرجع الموحّدون قوصرة دون شكّ إثر ذلك و لم يكن ذلك لوقت طويل. ففي معاهدة عقدت بتاريخ 6 أوت 1221ميلادي، مع الإمبراطور فريديرك الثاني، تخلّى حاكم تونس الموحّدي عن قوصرة لصقليّة، بشرط أن يتمكّن مسلمو الجزيرة من التمتّع بالاستقلال الاداري والقانوني، وأن يدفع نصف الضرائب المأخوذة منهم لافريقيّة ومن هنا، اتّبعت قوصرة مصير صقليّة، وارتبطت بعض الوقت بمملكة أراغون، غير أنّ حكام تونس لم يتخلّوا تماما عن فكرة استعادتها.
حيث ابرم ابو زكرياء الحفصي و فريديريك الثاني (من اسرة هوهنشتاوفن الالمانية) في 20 أفريل 1231ميلادي معاهدة تنص على تقاسم الحكم بين المملكتين على الجزيرة، وكان هدف توقيعها من الجانب الحفصي الحفاظ على الطابع التونسي للجزيرة وحماية سكانها من القمع. تواصل العمل بهذه المعاهدة لمدة 10 سنوات ونصّت على اعتراف الحفصيين بسيادة فردريك السياسية على الجزيرة مقابل أن تعود نصف محاصيلها السنوية إلى تونس وأن تُحترم عقائد المسلمين ويستقلوا بأحكامهم الشرعية والعرفية، حيث كان أبو زكرياء متفطنا لأهمية الجزيرة وحريصا على بقاء المجتمع الإسلامي بها، لذا كان يقدم عديد الإعانات المادية للسكان المحليين كما كان يرسل إليهم مرارا المرشدين والوعاظ الدينيين. غير أنه وبمجرد وفاته تم نقض هذه المعاهدة والفتك بعدد من المسلمين وإرسال فرقة منهم إلى مستوطنة “لوشيرة”، جنوب البر الإيطالي، رفقة مجموعة من مسلمي صقلية. رغم هذا الاضطهاد واصل المسلمون تواجدهم بالجزيرة وكان لهم قاضي شرعي ينتخبونه من بينهم، واستمرت صلاتهم التجارية بالبر التونسي وخاصة موانئ الحمامات وسوسة والمهدية وجربة، كما تبين ذلك فتوى للإمام ابن ناجي القيرواني تعود لسنة 1398ميلادي.
وتضبط معاهدة غريبة بتاريخ 1403ميلادي، الشروط التي يمكن لحاكم أراغون أن يستولي على جربة، وحاكم تونس على قوصرة. لكنّ هذه المعاهدة الغريبة لم تطبقّ على الاطلاق.
وقد بقي سكّان قوصرة طويلا مسلمين، حتّى إنّ ياقوت الحموي المتوفّى 1228ميلادي يحدّد أنّهم كانوا، في القرن الثالث عشر ميلادي، يتكوّنون من الوهبيّة (أصيلي جربة) الذين كان شظفهم ملائما تماما لوضع الجزيرة ومواردها الشحيحة. وعملت السلط المسيحية الجديدة كل ّ العمل على الاحتفاظ بهم. وهكذا نرى، سنة 1438ميلادي، ألفونس الأراغوني يشكو إلى سلطان تونس من تشجيع بعض الموظّفين الحفصيّين أهل قوصرة على الهجرة. وطالب سفيره بعودة المهاجرين، وربّما بإقرار أفارقة جدد في الجزيرة.
ولا ندري في أي تاريخ دخلت المسيحية قوصرة، لكنّ فازلوّ الذي يذكره أمّاري يخبرنا بأنّه منذ بداية السادس عشر ميلادي، كان المسيحيّون والمسلمون بها يرتدون نفس الملابس ويتكلّمون عين اللّسان ذاته. وهذه اللّغة حسب بوني التاجر البروفنسي الذي استرقّ بتونس، وتمكّن من الفرار منها كانت، في التّاريخ الذي لجأ إلى قوصرة، أي سنة 1670ميلادي، هي اللّغة نفسها التي يتكلّم بها في مالطة، وقد كانت إذن عربية، لا بد أنّها قد تغيّرت بعد على نحو عميق.
و لعل أول محاولات نصير المسلمين هناك قامت بها اسرة “أنجو” الفرنسية، التي قامت بتنصير عدد من المسلمين هناك، لتعقبها مملكة “أراغون” الإسبانية لمدة قرنين من الزمن قبل أن تنتقل إلى الحكم الإسباني الموحد الذي سلمها إلى مجموعة صليبية تسمى “فرسان القديس يوحنا”، والتي جعلت من مالطا مقرا لأنشطتها فقامت بعملية تنصير قسري شملت بقايا المسلمين ببانتلاريا. ثم عرفت الجزيرة احتلالا عثمانيا لفترة قصيرة جدا قام به القبطان العثماني “درغوث باشا” سنة 1553، قبل أن تسترجعها مجموعة فرسان مالطا مرة أخرى.
منذ القرن السادس عشر ميلاديا، فقدت كل علاقة بين الجزيرة و تونس/افريقية: سواء علاقة ثقافية او سياسية و بالتالي فإن اسطورة تخلي الباي عنها مقابل جارية لا تستقيم تاريخيا.
۩۞۩۩۞۩۩۞۩۩۞۩۩۞۩۩۞۩۩۞۩۩۞۩۩۞۩۩۞۩۩۞۩۩۞۩
تنويه: لتحرير هذه المقالة تم الاعتماد على :
1. مقال للكاتب الصحفي "خير الدين باشا" في موقع نواة: جزيرة بانتلاريا الإيطالية والموروث التونسي
2. موقعالموسوعة التونسية / بيت الحكمة التونسي
3. دائرة المعارف التونسية / بيت الحكمة التونسي
1. مقال للكاتب الصحفي "خير الدين باشا" في موقع نواة: جزيرة بانتلاريا الإيطالية والموروث التونسي
2. موقعالموسوعة التونسية / بيت الحكمة التونسي
3. دائرة المعارف التونسية / بيت الحكمة التونسي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق