من يعش في الغربة يمشِ في فضاءٍ خاوٍ فوق الأرض، مجردًا من شبكة العناية في بلاده، حيث توجد عائلته وزملاؤه وأصدقاؤه، و بالذات أمه نعم إنها أمي، كل شيء يمكننا صنعه في الحياة إلا الأم بإمكاننا أن نزور كل العالم و أن نتزوج أجمل النساء، وأن نجمع مالا كثيرا، وأن نلهو ونعشق ونكتب ونغني ونتعلم ونتجمل ونشتهي ونصور ونهدأ، بإمكاننا كل شيء إلا أن نصنع أما واحدة.
كانت أمنية أن أعود يوما من جامعتي أو عملي وأن أفتح باب البيت دون قرع الجرس و أقول لسيدة تشبهني وتنتظرني: يما شنوا طيبت.
لقد رحلت و تركت دموعها ورائي و أنا أمسك بدموعي التي تنفلت من جنباتي لم استطع منع نفسي او البقاء، حضنتها بكل ما في هلع الأم من قوة حتى أذبتها في دمي المتدفق في عروقي غادرت و لم أغادر فصوتها الى الآن أسمعها و هي تنادي و تكلمني كل يوم، لم أعد أريد أن أكلمها بالفيديو فلا أريد البكاء في العمل و في البيت، إنها أمي في نظري، شيء أكبر من الحب.. أكبر من حب رجل وامرأة.. إن كل ابن لا يستطيع أن يتصور أمه تحب رجلًا، انها ملكي و لن أستطيع تغييرها لا بفتاة و لا بأي شيء آخر، أول كلمة قلتها ماما و أول فضيلة عرفتها هيا أمي، لم أجد أحدا يحبني مثلها و لم استطع ان احب احدا مثلها، لماذا انها تبكيك و تحييك تموت لتحيا و تتعب لترتاح تشقى لتهنئ انها التي تعطي لتأخذ، حاولت أن أعطي فوجدت نفسي بعيدا لآلاف الكيلمترات، و يريدونني أن أحب بلادي التي رمتني بعيدا عن أمي، أمي التي لا أستطيع أن أتصل بها بالفيديو كي لا أبكي و أجعلها تبكي معي، إنها نقطة الحب...القطرة الأولى من الحب التي تنزل من ثدي الأم مع القطرة الأولى من لبنها في حلق وليدها..إحتواء ودفء.. ونظرات حانية وصوت حنون وصحبة دائمة..
كل شيء يبعث على الطمأنينة وخاصة أنه حب غير مشروط.. حب بدون مقابل.. حب مُطلقَ.. حب لهذا الوليد الضعيف..
فإذا الضعف يستحيل قوة..
وإذا الخوف يستحيل طمأنينة. وإذا الألم يعقبه لذّة.. وإذا البكاء يَعقبُه إبتسام.
هذه هي القطرات الأولى من الحب والتي تستمر كنهر متدفِّق لا يهدأ حتى آخر يوم في عمرها أو في عمرنا.. ذلك هو النموذّج الأول والأكمل للحب. لا يوجد حب آخر، البقية كلها نسخة مقلدة و نوع آخر من الانسجام الذي يريد أن يسمى حب لكنه لن يكون و يبقى مجرد نسخة مقلدة.
أعيش بعيد عنها فأصبحت الحياة بكماء رغم أنني لا أستطيع السكوت.
نمت لثواني واستيقضت ملهوف مفجوع اجري في اللامكان ابحث عنك يا أمّي في داخلي,فوجدت عرشك يتوسط كل خليةٍ في جسدي, صورتك تضيء الظلمة المنتشرة في داخلي، كم أتمنى لو استطيع أن اهديك كل عمري, أتمنى أن أعطيك ما تتمنين، حينها فقط تَهدى كل العواصف في داخلي, يرتاح هذا القلب المهتاج المكتظ بالآحاسيس، أمّي, أنا من دونك لست الا قلبا ينبضُ بلا روح,قلبا ضعيفا لا يريد الا أن ينبض بين يداك, أمّي كم اشتاق إليك. أمي صورتك معي و لن تزاحمها أي صورة أخرى.
هل هناك شيء أفضل من الأم؟ لا يوجد و لم يخلق، نحن في هذا الكون مستمرين في الحياة بسببهم، كنت سأنتحر منذ زمن لو لم توجد، أحارب في هذا الوجود لأجعلها تبتسم و تفرح بي، أعيش فقط لأنها مازالت تعيش معي، وطن كأنه حقل ألغام عشت فيه و أنا أحطم جدران الزمن و الوجود، وطن يريدك تحت الأقدام تحن لزمن الوفات تبحث عن الشيطان لتصل إلى الهدف، وطن يبحث عن دموع أمك، أمك محيط الحنان الذي يغسل ألامك و غبائك، يمسح ما يعجز عنه الزمن و المكان و الكون، لكن للأسف وطننا الحقير الذي يعيش عليه كلاب تريدك وراء القضبان أو تحت التراب، يريدونك أن تكون كلب من كلاب الطرقات، أمي أنا بعيد عنك الآن لكنك هنا معي في قلبي و عقلي، أفكر فيك أكثر من نفسي رغم أني لا أظهر ذلك، لكنكي تحيطين بي من كل صوب. أنا أحيا في باطنها، والأكيد أنني موجود بفضل منها. إنها الحب و الوجود و العطف ليس بمقدورك أن تراها، لكنك إذا صمتَّ وأرهفت السمع، تستطيع أن تسمع أغنيتها، تستطيع أن تشعر بمحبتها... إذا صمتَّ وأرهفت السمع، لا بدَّ أن تدغدغ رحمتها قلبك.
فعلا أصاب شكسبير في وصف الأم فعلا لا يوجد وسادة فالعالم أنعم من حضن الأم.
لا يوجد من هوا أهل للحب إلا أمك، الحب! وما الحب إلا لهفةٌ تعصف بعروقك و تدفع الدم يموج فيه، وما خُلقت لهفة الحب أول ما خلقت إلا في قلب الأم على طفلها تَرأَمه وتحنو عليه، ولن يحفظها للعالم إلا هذا القلب نفسه. ولقد يكون عمر الطفل يومين ولكن لهفة أمه عليه وحفظها إياه حفظ عينيها، تجعل له من الحب عمراً متطاولاً ولا يقاومُ به الأقدار العادية عليه في مسارحها، ولولا ذلك لحطمتهُ هذه الأقدار كما تحطم كلَّ طفل أهمله ذوو عنايته، فلهفة الأم على طفلها كأنها قوّة سِنينَ عدداً في جسم هذا الطفل، ومن ثمَّ لم يكن الحب الصحيح في أسمى مظاهره إلا حبَّ المرأة لبني بطنها، وإنما يسمى غرامُ العاشقين حبّاً لأن في العاشق دائماً مع حبيبته أكبر معاني الطفولة، وفي العاشقة دائماً مع حبيبها، أصغر معاني الأمومة.
وما كان هذا الغرام ليُسمى حبّاً لولا ذلك ولولا أن في اللغات لصوصا من الألفاظ تسرق معاني غيرها..
حب الأم في التسمية كالشجرة: تُغرَس من عود ضعيف ثم لا تزال بها الفصول وآثارها، ولا تزال تتمكن بجذورها وتمتد بفروعها، حتى تكتمل شجرةً بعد أن تُفني عِدادَ أوراقها لياليَ وأياماً. تصبح أمك شجرة وارفة تحيطك و تحوطك من كل شيء، لذا يا صديقي و صديقتي من يقرأ هذه الأسطر، حبيبتك الوحيدة على هذه الأرض هيا أمك أما البقية فهم جزء ثاني من القصة لم يكن ذا جودة كالجزء الأول. امك هي الينبوع الذي تتفجر منه جميع عواطف الخير والأحسان في الأرض. حبي لك مثل ذلك الينبوع المتفجر منك إلى ما لا نهاية، أطال الله عمرك و رحم الله كل من فقد ينبوعه عسى اللقاء في الجنة في يوم آخر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق