يقول عنها الدكتور منصور عيد في كتابه: (كلمات من الحضارة): (الوجودية من أحدث المذاهب الفلسفية وأكثرها سيادةً في الفكر المعاصر، والوجودية بمعناها العام: هي إبراز قيمة الوجود الفردي للإنسان، وقد ظهرت الوجودية نتيجة لحالة القلق التي سيطرت على أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، واتسعت مع الحرب العالمية الثانية، وسبب هذا القلق هو الفَناء الشامل الذي حصل نتيجة الحرب) ص 248.
الوجودية تيار فلسفي يعلي من قيمة الإنسان ويؤكد على تفرده ، وأنَّه صاحب تفكير وحرية إرادة واختيار، ولا يحتاج إلى موجه، وهو جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة، وليس بنظرية فلسفية واضحة المعالم ، ونظرًا لهذا الاضطراب والتذبذب لم تستطع إلى الآن أن تأخذ مكانها بين العقائد والأفكار.
وقد جاءت الوجودية ردة فعل على تسلط الكنيسة وتحكمها في الإنسان بشكل متعسف باسم الدين. . وتأثرت بالعلمانية وغيرها من الحركات التي صاحبت النهضة الأوربية ورفضت الدين والكنيسة .
وتأثرت أيضاً بسقراط الذي وضع قاعدة “اعرف نفسك بنفسك”، كما تأثرت بالرواقيين الذين فرضوا سيادة النفس، وفي الوقت ذاته تأثرت بمختلف الحركات الداعية إلى الإلحاد والإباحية و العبثية.
و تركز الوجودية على مفهوم أن الإنسان كفرد يقوم بتكوين جوهر ومعنى لحياته.
ولقد ظهرت كحركة أدبية وفلسفية في القرن العشرين، على الرغم من وجود من كتب عنها في حقب سابقة. فالوجودية توضح أن غياب التأثير المباشر لقوة خارجية (الإله) يعني بأن الفرد حر بالكامل ولهذا السبب هو مسؤول عن أفعالهِ الحرة. والإنسان هو من يختار ويقوم بتكوين معتقداته والمسؤولية الفردية خارجاً عن أي نظام مسبق. وهذه الطريقة الفردية للتعبير عن الوجود هي الطريقة الوحيدة للنهوض فوق الحالة المفتقرة للمعنى المقنع (المعاناة والموت وفناء الفرد).
يرى رجال الفكر الغربي أن سورين كيركغارد الفيلسوف الدنماركي هو الأب الرسمي للوجودية، ومؤسس المدرسة الوجودية من خلال كتابه "رهبة واضطراب" وكذلك من أشهر زعمائها المعاصرين هم:
جان بول سارتر الفيلسوف الفرنسي، وقد اقترن لفظ الوجودية باسمه، لأنه الوحيد من بين فلاسفة الوجود الذي ارتضى أن يطلق على مذهبه هذا الاسم، ولاشك أن النجاح الأدبي والفلسفي الذي أحرزه سارتر هو الذي جعل منه الممثل الأول للوجودية في فرنسا.
القس جبرييل مارسيل وهو يعتقد أنه لا تناقض بين الوجودية والمسيحية.
كارل ياسبرز: فيلسوف ألماني.
بليز باسكال: مفكر فرنسي.
بيرد يائيف، شيسوف، سولوفييف في روسيا.
أما بالنسبة للوجودية العربية فحالها حال الغرب فلقد صعدت بقوة و انتابت الفكر و الأدب و الشعر بين نهايات الأربعينيات و منتصف الستينات متأثرة خصوصا بأعمال الفيلسوف والأديب الفرنسي جان بول سارتر المنقولة للعربية و كذلك أعمال رفيق درب سارت الأديب سيمون دي بوفوار و ألبير كامو.
لكن تختلف الوجودية العربية عن الغربية بطابعها السياسي الواضح و برجع ذلك لتزامن الموجة مع النكبة الفلسطينية 1948 و هزيمة العرب الكبرى في حرب الأيام الستة 1967 مما جعل الوجودية تكون مطية الأدباء وسلم لعبوره نحو مرحلة يرسمها الأدباء و الفلاسفة للحياة ككل.
حركة أنتجت جيلاً من المثقفين الباحثين عن ظهور "الإنسان العربي الجديد" المتصالح مع نفسه والمنتمي إلى عصره والمعتدّ في حريّته طفق يجد في الوجودية الفرنسية خصوصاً إشباعه الثقافيّ، فيحاكيها ويعقد عليها انتظاراته وآماله.
أما بالنسبة للوجودية العربية فهناك العديد من روادها و زعمائها الذين قدمو باعا فيها و أنتجو خليطا جميلا من المعتقدات العربية و الأفكار الفلسفية الغربية و من أبرز روادها الأديب و المفكر التونسي محمود المسعدي الذي يعتبره المؤرخ يوآف دي كابوا في كتابه الوجودية العربية بوزير الوجودية العربية وهو شي يبدو جليا للقارئ خاصة في رائعته حدث أبو هريرة قال حيث يبدو البطل متفردا يبحث عن ذاته و ينتج حدوده و يبحث عن حريته و تفرده. دون أن ننسى بقية رواد الوجودية العربية كعبد الرحمن بدوي و إحسان عبد القدوس و غيرهم.
لكن بالنسبة لي يبقى العيب الوحيد للفلسفة الوجودية العربية هو أصلها المشوه فلقد تسللت (الوجودية) إلى الثقافة العربية المعاصرة ك(فلسفة) من بوابة (الأدب) فقط و لم يتم إكتشافها من الناحية الفكرية و الفلسفية أبدا فحتى الآن لم تترجم إلى العربية النصوص الفلسفية (الأساسية) لكيركيغورد، هايدجر، ياسبرز، هوسرل، وغيرهم، ومن هنا فان (وجوديتنا) هي وجودية (أدبية)، و تم التعرف عليها من خلال أعمال (سارتر) و(كامو) و(جبريل مارسيل) و(ميترلنك)، وغيرهم، بل حتى (هكذا تكلم زرادشت) لنيتشة تم التعامل معه كنص أدبي وجودي فائق الشاعرية أكثر مما تم تفحصه كنص فلسفي، ولم يتم التعامل المباشر مع الفلسفة (الوجودية) من خلال نصوص كبار فلاسفتها، فحتى الكتب التي ترجمت إلى العربية كانت تبحث في شرح تيارات الفلسفة الوجودية وليس ترجمة نصوصها مباشرة، ناهيك أننا تعرفنا على (الوجودية) من خلال النقد( الماركسي) الدوغمائي الرافض لها باعتبارها تعبيرا عن أزمة الفكر البورجوازي الغربي، وباعتبارها حركة مشبوهة أنتجتها دوائر الإستخبارات الغربية لحرف الشبيبة عن خط النضال السياسي ضد الرأسمالية!!!!
إن مفهوم ( الوجودية) في علوم الأدب له علاقة بالملامح الشعرية، والعزلة، والنبرة المأساوية، والتوحد بالوجود، والاغتراب، ومن هنا فهي مفهوم فضفاض، بينما (الوجودية) فلسفة نظرية مؤسسة، وتوجه، وأسئلة، وموضوعات تحتضن جوهر الوجود، بالرغم من أن الباحث (باول تيلخ) يؤكد على أن (الإحساس الوجودي) بالعالم سبق (الثورة الوجودية) التي (بدأت) في الأدب والفن من خلال التمرد على ثنائية الذات والموضوع، وكرد فعل على الحتمية التاريخية، أي من خلال المواجهة بين القلق الوجودي والنظريات الباردة.
إن القاسم المشترك بين (الوجودية) الفلسفية هو مفهوم (الإنسان)، حيث تطرح الفلسفة(الوجودية) مصير الإنسان الفرد، بل ومعنى الوجود البشري ككل، كقضية مركزية ومحورية. ومن هنا كان التقارب بين (دستويفسكي) و(الوجودية)، بل إن الحديث عن (وجودية) دستويفسكي يُقصد به تناوله لمسألة أزمة الوجود البشري، ومن هنا يرى الباحث (فالتر كوفمان)، وهو من المفكرين المتخصصين بالفلسفة الوجودية في كتابه (الوجودية من دستويفسكي إلى سارتر) بأن أعمال دستويفسكي هي مدخل إلى الفلسفة الوجودية، وبالتحديد تيار (الوجودية المؤمنة)، ويضعه إلى جانب جبريل ملرسيل وبرغسون.
لذلك يجب الرجوع إلى أصل الفكرة التي أريد تناولها وهي الوجودية العربية هل هي أصيلة مقلدة مشوهة أم هي مجرد نزوة أدبية ففي الأدب العربي يمكن التوقف بإمعان عند بعض التجارب الإبداعية الشعرية المشحونة بالقلق الوجودي مثل تجارب محمود البريكان، صلاح عبد الصبور، خليل حاوي، إيليا ابو ماضي، وقبلهم
كما أسلفت في التراث: طرفة بن العبد، المتنبي، الحلاج، وابن عربي، والنفري، وابن الفارض، وغيرهم، والتي تضعنا أمام خط التماس بين ( الفلسفة الوجودية) وبين (اللغة الشعرية) التي تحدث عنها (هانز غادامر) في مقالته ( الشعر والفلسفة)، وربما نجد حشدا من (الأبطال الوجوديين) في الرواية العربية أيضا، لاسيما عند نجيب محفوظ، فؤاد التكرلي، وغيرهم.
وإذا ما كانت (نجوم الرواية) قد حجبت أضواء الفلاسفة في الثقافة الغربية، حسب طروحات (غادامر)، فإن نجوم الرواية العربية لم يحجبوا النور عن أي فيلسوف في طول البلاد العربية وعرضها لأنهم غير موجودين أصلا!!!
وإذا ما كانت عظمة (الرواية الأوربية) قد أتت من خلال الأسئلة التي طرحتها حول المصير الإنساني، ومعنى الوجود، ودور الفرد في التاريخ، فمهدت بذلك الطريق أمام الفكر الفلسفي اللاحق، وأمام الفلسفة الوجودية خصوصا، فأن الرواية العربية بشكل عام لم تصل إلى هذه المرحلة بعد أو بشكل أدق، لم تمهد بعد لظهور فلسفة أو فلاسفة أو حتى لأية حركة فكرية، بل ولا حتى لأية حركة نقدية أدبية متجذرة وواضحة المعالم، وكأنما المجتمعات العربية والثقافة العربية قد قدت من حجر، فالنقد الأدبي في الثقافة العربية يراوح ضمن مدار التجارب النقدية والفكرية الفردية، وربما تكمن (العلة) في مستوى الرواية العربية وعمقها، أو في (سكونية) الفكر العربي المعاصر، وفي (تخلف) البنى الإجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمعات العربية، ولسطوة التراث، وهيمنة الدين، أو ربما لم يحن الوقت لذلك بعد !!
فالعرب مبدعون في الفهم المغلوط للأفكار المتأسلمون ينظرون للوجودية بأنها فكر إلحادي يهدد الإسلام و المسلمين و اليساريين يخافون الوجودية كفكر برجوازي يهدد النظال السياسي و الصوفيين أخذو الوجودية نحو مرحلة لم يفكر فيها الشيطان بحد ذاته فأصبحت طقوس دينية للتقرب من الذات الإلهية و برز ذلك في كتابات عبد الرحمن بدوي و أهم أفكاره يتحقق انسانا كيما يكون الله. بينما الأدباء أخذ الجانب الأدبي فقط من الوجودية و البحث عن الحرية المطلقة و الهروب من سطوة رجال الدين و السياسة و البحث عن الذات التائهة بين خيبات دينية و سياسية و إقتصادية و حياتية.
للوجودية تأثير كبير في كثير من العلوم المختلفة، كعلم النفس psychology، والطب النفسي psychiatry، وعلم التربية، والآداب، فقد اهتم الفلاسفة الوجوديون بعلم النفس، والطب النفسي، خاصة سارتر الذي تحدث عن علم النفس «الفينومينولوجي»، في كتاباته خاصة في كتاب «نظرية الانفعال» الذي قدم فيه دراسة عميقة في الانفعال «الفينومينولوجي»، كما قدم في كتابه «الوجود والعدم»، دراسة بعنوان «الخطوط العامة لتحليل نفسي وجودي». وبالمقابل استفاد الكثير من الأطباء والعلماء النفسيين من أفكار الوجودية، فانتقد ڤانغر L.B.Wanger مدرسة التحليل النفسي، وعدّ التقسيم الفرويدي للذات البشرية إلى الأنا، والأنا الأعلى، والهو تقسيماً خاطئاً ووهماً مطلقاً، لأن طاقة الإنسان وذاته ترتكز على اللحظة الراهنة من خلال الأنا التي تستطيع أن تفعل ما تريد، ولا يستطيع اللاشعور في التحليل النفسي أن يقضي على قدرة الإنسان على التحكم بذاته.
كما قدمت الوجودية نموذجاً جديداً، ومصطلحات جديدة لتطوير نمط إنساني جديد في الفلسفة التربوية، فسعى داوين هوبنر Hubnr إلى تطوير المناهج التربوية من منظور التجاوز الزماني للذات. كما أدّت الوجودية دوراً حيوياً في الأدب، فعبرت عن نفسها في المسرحيات والروايات التي تناولت موضوعات تهم الوجود الإنساني ومعاناته مثل الحرية والقرار والمسؤولية والتباهي والاغتراب، الخطيئة والموت… وغيرها. فبرزت في هذا المجال مسرحيات سارتر «الذباب» و«الأبواب المقفلة» و«الفوضى والعبقرية» إضافة إلى أدبياته الشهيرة أيضاً «الجدار» و«الدوامة»، وكذلك روايات ألبير كامو «الغريب» و«الطاعون». وضمن هذه الدائرة لمع نجم فرانز كافكا F.Kafka، حيث رفعته رواياته إلى مصاف كبار الأدباء الوجوديين وأهمها «المحاكمة» و«القصر» و«المسخ». وامتد تأثير الوجودية إلى الفن التشكيلي أيضاً، فكان لها بصمة في الفن الحديث والمعاصر، إذ أسهمت في تطوير أشكال جدية من الفنون التشكيلية مثل التكعيبية Cubism، والسريالية Surréalism، التي تجلّت في أعمال الرسام الفرنسي سيزان P.Cézanne.
لذلك بالنسبة لي هي أسلوب حياة كامل من فن و أدب و إقتصاد و ثقافة و تاريخ و مستقبل و علوم.
و هنا نصل للنقطة الأساسية وهي الإنسان و الدين و الحياة. لا أحد ينكر بينه و بين ذاته الفجوة المتكونة بين الإنسان و الله التي يريد إرضاءها طمعا في الحساب و العطاء منه لكن بيننا و بين الذات الإلهية كانت الوساطة النبوية التي بدورها وصلت لنا عن طريق الوساطة من خلال الأحاديث و الكتب و التاريخ مما كون عبر التاريخ الطويل من تشوهات أو ثغرات منها الأحاديث الضعيفة و المدسوسة و الفرق التي أثبتت و عززت من القول أنه هناك الطريق الصح و الطريق الغلط.
الأساس هو العبادات وهو مفهوم كبير يتسع للأخلاقي من قواعد و ضوابط و جسماني من عبادات وأفعال فالدين طريقة عيش فالدين بين أسس الحكم و السياسة و المعارضة و الإقتصاد و العلوم و الثقافة و العلم و هناك الكثير مما يؤكد أن كل هذا حقيقة و ليس وهما أو فقاعة أريد نفثها في عقلك. وهذه العلوم هي الأسس التي قامت عليها الحضارة الإسلامية فالعلماء المسلمون لم يكونو مجرد ناقلين و مترجمين لعلوم الحضارات القديمة و إنما عدلو و أضافو و طورو و أدخلو الطابع الديني الإسلامي لتتماشا مع متطلبات الحضارة العربية.
و في هذا العصر تطور العرب و أصبحو قوة عضمى و حاول الغرب التعلم من العرب كي ينهضو بأنفسهم و يلحقو بركب العرب الذي تقدم في كامل المجالات و تطور لمرحلة مخيفة بالنسبة للغرب. فتعلمو منا و تعلمو على أيدينا و طورو مما تعلمو من عندنا و بعد عدة قرون إنقلبت الموازين لأسباب عديدة لا أريد ذكرها فط أكتفي ببالعض الذي يهمني الآن.
أهمها قتل العلم و خسارته المعركة أمام الدين المسيس و حب السياسة للسيطرة و خدمة لمصالح الملوك الذي يريدون السلطة و السيطرة على الشعب. فضهر دين جديد إسمه إسلام بلا علم تحت سيطرة رجال دين روجو لدين إسمه إتبع السلف و نفذ. إسمه حديث صحيح و إن خالفت تستتاب أو تقتل. إسمه علم الكفار لا يجب تعلمه. إسمه الإسلام في خطر و يجب عدم التعلم من الغرب الكافر رغم أنه قبل بضع السنين كان الغرب يتعلم في مدارسنا و يتعلم ديننا و لم يكن هناك مشكل, رغم أنه قبل هاذا بسنوات كان علماؤنا الكبار يتعلمون الفلسفة اليونانية و يترجمون الأساطير اليونانية المليئة بالكفر و الزندقة حسب قولهم و لم يكن هناك مشكل, رغم أننا تعلمنا و طورنا علوم أصبحت الآن من علوم الكفر.
المشكل الآن عندنا أصبح متشعب و متغلغل في كثيرا في عقل العربي الذي أصبح مغيب و بعيد عن الحقيقة بعيد عن الدين بعيد الدنيا و بعيد عن العلم و العلوم و الثقافة, ببساطة بعيد عن الحياة بكل أوجهها و الآخرة.
ربما يجب علينا ركوب موجات التطور لكي نلحق بركب الدول العضمى فعلى هذا النسق ربما بعد مئات السنين سيحاط بالدول العربي سياج كبير و يأتي السياح لزيارتنا و يكتشفو كيف كان أسلافهم يعيشون.
للحديث بقية في الأيام القادمة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق