يتّضح استخدام المديونية كأداة للهيمنة على سيادة الدولة ونهب ثرواتها في
المصير الذي فرضته فرنسا على تونس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ففي سنة 1881، تمكّنت فرنسا من تونس وذلك بفرض الحماية عليها. وحتى ذلك
الحين، كانت تونس – المعروفة باسم إيّالة تونس – جزءا من الإمبراطورية
العثمانية وكانت تتمتّع باستقلالية كبيرة تحت سلطة الباي.
تونس لم تقترض من الخارج إلى حدود سنة 1863
حتى نهاية حكم مصطفى باي سنة 1837، لم يكن هناك أي دين عمومي. فقد كان الإنتاج الزراعي يضمن الاكتفاء الذاتي للبلاد. لكن خليفته أحمد باي – الذي امتدّ حكمه من 1837 الى 1855 –وضع برنامجا للنفقات العمومية أعطى فيه الأولوية لتكوين جيش نظامي وشراء معدّات عسكرية وبناء قصور فاخرة وإنشاء عدّة مصانع على المنوال الأوروبي ( كمصنع الأقمشة بطبربة). غير أنّ هذه الإنجازات كانت أقلّ بكثير مقارنة بما حقّقه محمد علي – العاهل المصري – من نجاحات، وهي نجاحات كانت قد تسبّبت لهذا الاخير في التعرّض إلى عدوان القوى الأوروبيّة. ولكنّنا نجد نقطة مشتركة بين التجربتيْن، ألا وهي غياب الاقتراض الخارجي خلال كامل النصف الأوّل من القرن التاسع عشر. وبالفعل، فلقد تمّ إنجاز كل الاستثمارات بالموارد الذاتية للبلاد.
لكنّ برنامج الاستثمار العمومي كان قد فشل فشلا ذريعا لأنّه لم يستند على تثمين قدرات المنتجين المحلّيين وتعزيزها. فتمّ حلّ الجيش النظامي سنة 1853 ولم يستكمل إنشاء أكبر القصور وأغلقت المعامل. وكان باي تونس يلتجئ باستمرار إلى الاقتراض الداخلي بنسب فائدة مجحفة مما أدّى الى تضخّم الدين. وكانت دولة البايات تتحصّل على الديون ببيعها للتونسيين الأغنياء والمقيمين الأجانب الأثرياء (الليفورنيين والجنويين والفرنسيين..) للتساكر وهي عبارة على رقاع خزينة قصيرة الأجل.
بعد اعتلاء محمد الصادق باي العرش سنة 1859، ازداد نفوذ القوى الأوروبية بشكل ملحوظ، حيث تضخّمت مصالحها التجارية ومشاريعها، وخاصّة بنوكها. واستشرى الفساد على نطاق واسع في أعلى هرم النظام وكان المسؤول الأساسي عن ذلك الوزير الأكبر مصطفى خزندار الذي كان قد تقلّد مناصب هامة منذ 1837 كان أوّلها “أمين مال” الباي (أمين مال = خزندار باللغة التركية). وبقي مصطفى خزندار على رأس الدولة حتى سنة 1873. وكان قد فرض عمولات على كل المعاملات وعلى كل القروض وعلى كل مداخيل الضرائب حتى كون ثروة خيالية. وقد اضطلع مصطفى خزندار بدور بالغ الأهمية إلى ان أعفي من مهامّه سنة 1873، – فاق دور الباي نفسه- في اتخاذ القرارات وفي إبرام الاتفاقيات مع البنوك ورجال الأعمال الأوروبيين.
في سنوات 1859-1860، رفـّع مصطفى خزندار ومحمد الصادق باي في النفقات العمومية والتداين الداخلي وذلك من خلال ابتياع أسلحة منعدمة الصلاحيّة من بلجيكا – تمّ استبدالها ببنادق فرنسية بـأبهظ الأسعار – وكذلك من خلال تشييد إقامات فاخرة لقنصليْ فرنسا وبريطانيا : وهي نفقات لم تخدم بتاتا مصالح السكان.
وارتفع الدين العام الداخلي بنسبة 60٪ خلال السنوات الثلاث الأولى من حكم محمد الصادق باي. واستفاد الأثرياء من التونسيين والأجانب المقيمين من سياسة التداين الداخلي التي وفّرت لهم أرباحا طائلة، كما انتفع أيضا المسؤولون السّامون للدولة وذلك بالسطو على جزء من الأموال المقترضة (بالإضافة إلى أنّهم كانوا هم أيضا يُسدون القروض للدولة)، كما حقّق المورّدون الأجانب أيضا إيرادات هامة. أمّا الشعب فله أن يتحمل أعباء متزايدة من الضرائب. نفس الذي نعيشه الآن تماما ويعود أوّل قرض خارجي تحصّلت عليه البلاد التونسية إلى سنة 1863. وكان هذا القرض عمليّة احتيال حقيقية أدّت الى استعمار فرنسا لتونس بعد 18 عاما.
في ذلك الوقت، كانت السوق الماليّة بباريس حيويّة للغاية وفي تنافس مع مثيلتها بلندن، التي تعَد السوق المالية الرئيسية في العالم بأسره. وكان على ذمّة أصحاب المصارف الباريسيين منهم واللندنيين وفرة من السيولة مما جعلهم يبحثون عن فُرص استثمار اضافية في الخارج.
وكانت القروض المسداة لأمريكا اللاتينية، وآسيا، والإمبراطورية العثمانية ومصر وروسيا وأمريكا الشمالية كثيرة وكانت القروض موجّهة أساسا لإنشاء سكك حديدية (مع بروز فقاعة مالية في القطاع)، ولإعادة تمويل الديون القديمة – بالنسبة لأمريكا اللاتينية – ولشراء الأسلحة. وكانت المردوديّة الماليّة في باريس على السوق المحليّة تقدّر بحوالي 4 – 6٪ بينما كانت مردوديّة القروض المسداة في الخارج أعلى من ذلك بكثير (يمكن أن تصل إلى 10-11٪ كمردود حقيقي). حين أعلن الباي، في أوائل سنة 1863، انه يريد اقتراض 25 مليون فرنك من الخارج، عرض العديد من أصحاب المصارف والسماسرة – سواء من لندن أو من باريس- تقديم خدماتهم، ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر البارون جيمس دي روتشيلد، وشركات لندنية أخرى، والكريدي موبيليي من باريس واميل ايرلانجي، وهو صاحب مصرف أصله من مدينة فرانكفورت الالمانية ومستقرّ في العاصمة الفرنسية. كان قنصل بريطانيا العظمى في تونس يدعم عروض البنوك اللندنية أمّا نظيره الفرنسي فكان يساند العروض الآتية من باريس. وفي آخر المطاف، فاز إميل ايرلانجي “بالعقد”. وهو شخصية ذات سيرة جديرة بالسرد. ووفقا للقنصل البريطاني، فقد عرض اميل ايرلانجي عليه مبلغ 500.000 فرنك بغية الحصول على دعمه.
ما هي طبيعة قرض 1863؟
تحصّل ايميل ايرلانجي، بمعيّة آخرين، على إذن الحكومة الفرنسية لبيع السندات التونسية في بورصة باريس. ووفقا لتقرير، تمّ نشره في 1872-1873، لفيكتور فيلي، وهو مراقب مالية فرنسي، فإنّ هذا القرض هو عملية احتيال حقيقي.
ووفقا لايرلانجي، فقد وقع اصدار 692 78 من السندات التونسية. كانت كل واحدة منها ذات قيمة اسمية بـ 500 فرنك. وقد تم بيعها بـ 480 فرنك مع قسيمة سنوية بـ 35 فرنك لمدة 15 سنة. وهذا يمثل نسبة فائدة نظريا بـ 7٪، ولكن ونظرا لأن السندات بيعت بـ 480 فرنك، فنسبة الفائدة الحقيقية هي 7.3٪. وبالفعل فالمشتري عند دفعه لـ 480 فرنك، يمكنه الحصول على 525 فرنك كفوائد (15 × 35 فرنك) بالإضافة إلى 500 فرنك التي تمثل ثمن السند.
أما بالنسبة للجهة المقترضة، أي الحكومة التونسية، فقد تلقـّت 415 فرنك (480 فرنك خصمت منها 65 فرنك بعنوان عمولة إصدار وتكاليف أخرى لمكافئة صاحب المصرف) في حين أنّها مطالبة فيما بعد بسداد مبلغ قيمته 1025 فرنك.
ويمكن أن نقوم بالحساب بطريقة أخرى أكثر شمولا : تتلقى الجهة المقترضة (تونس) حوالي 37.7 مليون فرنك (692 78 من السندات تباع بـ 480 فرنك، أي37.77 مليون) وفي المقابل تتعهّد بتسديد 65.1 مليون.
وفقا لبحوث أجراها مراقب المالية الفرنسي، فيكتور فيلي، فإنّ ايرلانجي تحصّل على أكثر من 5 ملايين فرنك كعمولات (أي ما يناهز 13٪ من المبلغ المحصّل).
كما يجبّ اقتطاع 2.7 مليون فرنك من المبلغ المزمع دفعه، تمّ تحويلها قطعا من قبل رئيس الوزراء وصاحب المصرف إميل ايرلانجي.
وبذلك، وللحصول على حوالي 30 مليون فرنك، تعهّدت الحكومة التونسية بسداد 65.1 مليون فرنك. هذا النظام القديم للقروض على هذه الشاكلة فهل لك أن تتخيل الآن كيف؟
لمعرفة الحجم الحقيقي لعملية النصب والاحتيال، يجب الأخذ بعين الاعتبار لجزئيات خطيرة في تصرّفات اميل ايرلانجي والوزير الأوّل التونسي. فقد قال ايرلانجي أنه باع أكثر من 38.000 من السندات في باريس و40.000 في تونس (وللتذكير، فإنّ مجموع السندات المصدرة بلغت 692 78 سندا). ويبدو أنّ المبيعات ببورصة باريس كانت أقلّ بكثير مما صرّح به ايرلانجي، حيث لم تجد أكثر من 30.000 سندا مَن يشتريها وبقيت في حوزة ايرلانجي. ولكنه تحصّل على عمولة فاقت الـ 5 مليون فرنك سويسري كما لو أنّه قد قام ببيع كل السندات. ويبدو أنّ ايرلانجي قام باقتراض المبلغ المزمع دفعه للخزينة التونسية من بنوك أخرى (حوالي 30 مليون فرنك سويسري) على أربع دفعات. ومن الأرجح أنه استلف من مصارف أخرى بضمان الـ 30.000 سهما التي لم يتمكّن من بيعها. وهذا ما ذكره محرّر في مجلة ” مراقب المالية العمومية” في مقال نشر 19 أوت 1869 : “إنّنا نعتقد أنّنا لا نجانب الصواب بقولنا بأن 5000 من السندات، على الأكثر، باتت على ملك حامليها المقيمين في فرنسا … لتبقى حوالي 30.000 من السندات في يد السيد ايرلانجي. وفي هذا الوضع، كان غير قادر على الوفاء بتعهّداته تجاه الباي. كيف فعل إذا؟ نعتقد أنّه أودع السندات التي لم يستطع بيعها في مصرف “الكونتوار دي اسكونت” ،ليحصل على تسبقة مكّنته من إرسال بعض الأموال لمعاليه “.
والدليل الواضح على قوّة هذه الفرضية هو أن ايرلانجي كان يدّعي أنه قد اشترى في جانفي 1864على السوق الثانوية للقروض 20.962 سندا و8.000 أخرى في سنة 1865. ولكنّ عمليات الشراء هذه لم تفض الى أيّ ارتفاع في سعر هذه الأوراق الماليّة. وهذا مستبعد جدّا. وبالفعل، فإنّ إعادة شراء 20.000 سهما من أصل 38000 متداولة رسميا ينتج وجوبا زيادة في القيمة.
ومع ذلك، لم تشاهد أي زيادة في أسعار السندات التونسية في السوق الثانويّة. وهذا يعني أنّ الأوراق لم تكن أصلا متداولة فيها. حيث تظاهر ايرلانجي بشراء أوراق ماليّة هي في حقيقة الأمر على ملكه.
إضافة إلى ذلك، تتيح الـ 30.000 سهما لمالكها الحصول على فوائد في كلّ سنة. فكلّما باتت هذه الأسهم في حوزة اميل ايرلانجي، يبقى هو المستفيد من تسديد الفوائد.
النتيجة المباشرة لقرض سنة 1863
كان من المفترض أن يتمّ توظيف هذا القرض الخارجي في إعادة هيكلة الديون الداخليّة والتي تقدّر بـ 30 مليون فرنك فرنسي (للتذكير فإنّ هذه الديون تزايدت بنسبة 60٪ في الفترة الممتدّة بين سنتي 1859 و1862 وذلك بسبب نفقات محمد الصادق باي حيث بالغ في استيراد السلع من الخارج). وكان ذلك، في الحقيقة، لتسوية السندات القديمة بأموال مقترضة من الخارج. وفي الواقع، ففي ذات الوقت الذي تمّ فيه تسوية السندات القديمة، أصدرت السلطات تساكر جديدة (أو رقاع خزينة) بمبلغ مساو. وهذا بالضبط ما يقوله مراقب المالية العمومية فيكتور فيلي : ” في نفس الوقت الذي تتمّ فيه تسوية السندات القديمة في مكاتب ممثّل شركة ايرلانجي في تونس،…يقوم وسيط الحكومة (م. جوتيريز) المقيم في الجوار باسترجاع المال من العموم الذي قبضوه سالفا وذلك مقابل تساكر جديدة صادرة بنسبة فائدة تقدّر بـ 91٪. وبفضل هذا التسديد الكوميدي، ارتفعت المديونية بكل بساطة بـحوالي 15 مليون “. وتمّ تحويل أرباح بيع هذه التساكر الجديدة إلى خزائن الوزير الأكبر وكبار الشخصيات والمقيمين الأوروبيين الأثرياء.
كما كتب نفس المراقب للمالية العمومية: ” إنّ الأموال المتأتية من قرض سنة 1863 [والتي] دفعت نقدا لباردو (يقيم الباي والوزير الأكبر في قصر باردو) … وقع تسجليها في حساب خاص: فلم تدخل في المحاسبة العمومية للحكومة، ولم تدخل في خزائن الدولة، ولا شيء يجعلنا نعتقد أنّه تم صرفها في نفقات عمومية”.
في أقل من سنة، وقع تبديد قرض 1863. وفي الآن نفسه، وجدت الدولة نفسها – ولأوّل مرة في تاريخ تونس- مدينة للخارج بمبلغ كبير جدا. وكانت المستحقّات السنوية للدول الأجنبية غير محتملة. أما بالنسبة إلى التداين الداخلي الذي كان من المفروض أن تتمّ تسويته بالاقتراض الخارجي، فقد تضاعف مرتين. فاختارت حكومة الباي – تحت ضغط الدائنين- نقل الفاتورة إلى الشعب وذلك بزيادة المجبى (الضريبة على الفرد الواحد) بنسبة 100٪.
انتفاضة 1864 نتيجة لقرار رفع ضريبة المجبى 100 % لتسديد قرض سنة 1863
لقد سبّب الرفع في الضرائب سنة 1864 انتفاضة عارمة في البلاد وقد كان رفض الترفيع في ضريبة المجبى المطلب الأساسي للمحتجّين. فما إن انتقلت محلّة الباي إلى داخل البلاد لجمع ضريبة المجبى المقدّرة بـ 72 ريالا حتى اندلعت الانتفاضة. وقد أبرق يوم 10 مارس 1864 نائب القنصل جون هنري ماتاي من صفاقس : ” كلّ القبائل متّفقة على ألّا تدفع شيئا من هذه الضريبة الجديدة البالغة 72 ريالا(…) وكانت مقاطعة كل القبائل مع أول إشارة لانطلاق المحلّة من تونس يعتزمون استخلاص هذه الضريبة” وبعد بضعة أسابيع نقرأ في مراسلة أخرى صادرة عن القنصلية ما يلي : ” إنّ الانتفاضة عامّة وقد انتشرت إلى حدّ وصلت مسير ساعة على بلوغ مدينة تونس ” وحسب شهادات متنوعة فقد كان المنتفضون يتّهمون الحكومة وخصوصا الوزير الأكبر مصطفى خزندار ببيع البلاد للفرنسيين. ويمثّل، من وجهة نظرهم، قرض سنة 1863 الصادر في باريس عن الصيرفي ايرلانجي دليلا على ذلك. وأرسلت فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والإمبراطورية العثمانية سفنا حربيّة إلى المياه الإقليمية التونسيّة لترهيب السكان والتدخّل لإنقاذ السلطات إذا ما خرجت الأوضاع عن السيطرة. وإزاء تلك الاحتجاجات كان الباي قد تراجع وأعلن يوم 21 أفريل 1864 أنّه تخلّى عن مضاعفة ضريبة المجبى وكرّر في جويلية 1864 التنازلات بهدف الوصول إلى اتّفاق مع علي بن غذاهم القائد الرئيسي للانتفاضة ثمّ بدأ حملة قمعية بمساعدة القوى الاجنبيّة وقدّم السلطان العثماني مساعدة ماليّة للباي لبعث فرق عسكرية جديدة ونشيطة للانطلاق في الحملة القمعية وهي مبادرة من السلطان اجتنابا لهيمنة فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.
شرع الباي في القمع الشديد وهو ما سيسمح له بعد ذلك انتزاع أكثر ما يمكن من الضرائب والخطايا من السكان. وكان القنصل الفرنسي قد كتب يوم 4 ديسمبر 1864 إلى وزير الشؤون الخارجية في باريس أنّ ” حكومة الباي تنازلت فورا عن سياسة الرأفة التي بدا أنّه أراد البدء بها… وها هو يعود إلى الشدة والصرامة التي تترجم في سياسة الحديد والتعذيب ليحصل من المحافظات الساحلية على ضرائب حرب باهظة ”. وكتب نائب القنصل إلى قنصل فرنسا مصرّحا: ” إنّه من واجبي إعلامكم بالطريقة البربرية التي رد بها الجنرال زروق الفعل لتنفيذ أوامر الباي فقد عمد إلى سلب السكان الأصليين تماما و تعريض الشيوخ والنساء الذين لم يشاركوا في الانتفاضة إلى التعذيب ”.(من رسالة بتاريخ 16 فيفري 1865). وكتب موظّـــــف فرنــــــسي آخر : ” لم يكن من الممكن فرض الغرامة إلاّ بواسطة العزل والتكبيل والضرب المبرّح والبطش المفرط المتجاوز لكل القوانين حسب قانوننا العام الحالي. ومن بين مظاهر هذا البطش أشير إلى مصادرة الممتلكات والتعذيب الشديد الى حدّ ينجرّ عنه الإصابات البليغة والوفاة واقتحام المنازل … وأخيرا اغتصاب النساء أمام أعين آبائهنّ أو أزواجهنّ وهم مقيّدون بالســــلاسل ”.(1مارس 186). ويضيف جون قانياج : ” في مارس 1865 قدّر اسبينا، نائب القنصل، المبالغ التي انتزعتها الحكومة من الساحل فقط بــ 23 مليون ريال وذلك من أكتوبر 1864 إلى جانفي 1865 دون اعتبار حوالي مليون من الريالات انتزعها عمال الباي لحسابهم الخاص ”.
نظرا إلى أنّ قرض 1863 لم يحسّن الوضعية المالية للبلاد فقد اختار الباي ووزيره الأكبر الهروب إلى الأمام فكانا قد عقدا اتفاقا مع الصيرفي ايرلانجي لإبرام قرض جديد في مارس 1865. فاستدانت تونس بـ 36.78 مليون فرنك بشروط أسوأ بكثير ومخزية مقارنة بقرض 1863. في الواقع إذا كانت سندات ذات المقدرة بـ 500 فرنكا كانت قد بيعت في 1863 بثمن يساوي 480 فرنكا فإنّ السندات الجديدة تم بيعها بـ 380 فرنكا، أي بنسبة 76 % من قيمتها الاسمية.
يدفع مَن يشتري سهما قيمة 500 فرنك مبلغ 380 فرنكا. وللحصول عليه يتمّ كل سنة خصم قسيمة بـ 3 فرنكات طيلة 15 سنة ( ما يساوي 525 فرنكا) تنضاف إلى الـ 500 فرنك في استحقاق 1880. وبذلك يحصد مستثمر لـ 380 فرنكا 102 فرنكا أي يحصل على ربح مقدّر بـ 645 فرنكا وكان مغريا للغاية. لقد كانت نسبة الفائدة نظريا 7 % ولكن نظرا إلى القسيمة السنوية ترتفع كل عام بـ 35 فرنكا فإنّ العائد الفعلي هو 9.21 % (35 / 380).
إذا ما نظرنا إلى المسألة من وجهة نظر الدولة التونسية المقترضة، فإنّ الديون الجديدة المرتبطة بقرض سنة 1865 ترتفع إلى 36.78 مليون فرنك، غير أنها لم تحصل إلاّ على أقل من 20 مليون فرنك بقليل لأنّ مصاريف السمسرة والرسوم الموظّفة من طرف الصيرفي ايرلانجي وشركائه موربورغو – أوبنهايم ارتفعت إلى 18 %. ويجب أن نضيف إلى ذلك إلى أنّ حوالي 3 ملايين فرنك تمّ اختلاسها مباشرة ذهب نصفها إلى الصيارفة والنصف الآخر للوزير الأكبر وشركائه. ويمكننا تقييم الحصيلة في الأرقام الثلاثة التالية :
ارتفاع القرض الجديد الذي تمّ إبرامه سنة 1865 إلى 36.78 مليون فرنكا.
يقدّر المبلغ الذي تمّ الحصول عليه فعليّا بأقلّ من 20 مليون فرنك.
يبلغ مجموع ما يجب تسديده في 15 سنة 75.4 مليون فرنك.
لقد حقق الصيارفة صفقة جيّدة للغاية فدون أن يستثمروا شيئا كانوا قد جنوا عند الإصدار حوالي 6.5 مليون فرنك بعنوان مصاريف ورسوم السمسرة والسرقة بكل بساطة. وقد تم بيع كل السندات في بضعة أيام. لقد كانت تسود في باريس نشوة مصدرها سندات ديون البلدان المسلمة (تونس ومصر والامبراطورية العثمانية) التي كانت تعتبر بمثابة ”قيم العمامة”. لقد كان الصيارفة يدفعون للصحافيين على تحاريرهم لنشر الاخبار الجديدة المطمئنة تماما ففي حين كان الاقتصاد والمالية التونسيان في ركود تامّ كتبت الأسبوعية الباريسية ‘الأسبوع المالي’ حول قرض 1865 : ” إنّ باي تونس اليوم لهو اليوم تحت الحماية المعنوية لفرنسا التي من مصلحتها دعم ازدهار الشعب التونسي بما أنّ ذلك الازدهار يحقّق مزيدا من الأمن بالنسبة إلى الجزائر ”.
ولم تقف حيل الصيارفة ايرلانجي وموربورغو – اوبنهايم عند هذا الحدّ وليس لعدم الرضى بإقراض تونس بشروط قاسية بل كانوا قد تدخّلوا بنشاط ليتمّ إنفاق الأموال المقترضة في مجالات تحقّق لهم أرباحا. ويمكن أن نقدّم على ذلك مثالين : فقد أقنعوا الباي أن يشتري من سمسار من مرسيليا يدعى أوديبار سفينتين غير صالحتين للاستعمال بسعر أخريين جديدتين (250.000 فرنك). وحسب المتفقّد المالي فيكتور فيي فإن أيميل ايرلانجي الذي كان قد تعهّد بتسليم 100 مدفع من الطراز الجديد مقابل مليون فرنك، فإنّه لم يوفّر في الحقيقة ” إلاّ مدافع قديمة تمّ مضاعفة اسطوانتها بطريقة الغطاء الأنبوبي المكسوّ بالغراء. لقد كان الغشّ فضيحة كبيرة إذ نعلم جيّدا أنّ هذه المدافع لم تكلّف المزود ســــــــوى 200.000 فرنك تقريبا ”. فلا غرو إن قائمة اللوازم والإمدادات التي تتضمن علامات الاحتيال الواضحة هي قائمة طويلة. ومن جهة أخر فقد تحصّل ايرلانجي من الباي لزْمة مصنع القماش بطبربة كضمان على القرض.
الديون التي تمّت مراكمتها في الفترة الفاصلة بين 1863 – 1865 أدّت إلى وضع البلاد التونسية تحت الوصاية
لقد وضعت القروض المتراكمة طيلة السنوات 1863 – 1865 البلاد التونسية تحت رحمة الدائنين الخارجيين وفرنسا كذلك. فبكل بساطة لقد كان من المستحيل على تونس أن تنجح في تسديد المبالغ المطالبة بها. وقد مكّنت المداخيل الاستثنائية للجباية على إثر موجة القمع في نهاية 1864 وبداية 1865 من توفير مبلغ هام في الخزينة العامة (30 مليون ريالا وهو مبلغ يتجاوز أرفع كثيرا من موارد الدولة في السنة السابقة). ولكن لقد تمّ تبديده بسرعة في سداد الديون وكذلك في الإنفاق على مصاريف جديدة على كماليات وتتعارض مع مصالح المواطنين.
لقد كانت حصيلة الإنتاج الزراعي في سنة 1867 رديئة للغاية وبالإضافة إلى ذلك فقد اختار الباي تصدير منتجات فلاحية لتوفير الموارد وأفضى ذلك إلى نقص في المواد في مناطق كثيرة من البلاد وإلى انتشار وباء الكوليرا بسبب حالة الهشاشة لدى جزء من السكان (سحقتهم الجباية وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية) وغياب النفقات العمومية المخصصة للصحة. وهناك حديث عن 5000 حالة وفاة في العاصمة بسبب المجاعة بالأساس و20.000 في عموم مناطق تونس.
وعلى الصعيد الدولي أصبح المصرفيون مقرورين فجأة وكانوا في كلّ الأحوال يفرضون مبالغ أرفع من ذي قبل. وفي سنة 1866 ألحقت المكسيك بقوّة التدخّل الفرنسية هزيمة عسكريّة ساحقة وعقب ذلك كانت قد ألغت دفع الديون للصيارفة الفرنسيين ومالكي السندات المكسيكية (خصوصا تلك التي بيعت في باريس من طرف الصيرفي ايرلانجي سنة 1864 وفي سنة 1865) معتبرين تلك الديون كريهة. ونتيجة لذلك فلم ينجح الباي ووزيره الأكبر في التمكّن من إبرام قرض كبير جديد في باريس أو غيرها، فقد كانا يسعيان إلى الحصول على قرض بـ 100 مليون غير أنّ ذلك السعي انتهى إلى خيبة. وبالفعل، ففي فيفري 1867 وقّعا على قرض جديد مع الصيرفي ايرلانجي. ففي حين كان ايرلانجي يرجو أن يبيع بباريس 200.000 من السندات التونسية غير أنّه لم يبع منها بعد بضعة أسابيع سوى 11.033 فلم يعد له حماس للقيم التونسية. وفجأة التجأ الباي إلى القروض ” الصغرى” ذات نسب فائدة ربوية من صيارفة باريسيين مثل ألفونس بينار مدير كونتوار دي اسكونت بباريس الذي قدم في جانفي 1867 بباريس قرضا بـ 9 مليون فرنك. أما روتشيلد الذي تم الاتصال به فقد كان لا يريد أن يُقرض تونس أمّا اوبنهايم وآخرون فقد فرضوا نسبا بـ 15 %..
انطلاقا من 1867 كان الباي قد علّق جزئيّا سداد الديون الداخلية والخارجية. وقد أدّى ذلك ببينار، مدير كونتوار دي اسكونت بباريس إلى مقاضاة تونس لدى محكمة السان الجزائية بسبب عدم تنفيذ بنود عقد قرض الــ 9 مليون فرنك المبرم في جانفي 1867. وكان ألفونس بينار قد طلب أن يحوز على بالخصوص على عائدات الجمارك التونسية وكذلك العائدات المتأتية من صابة الزيتون. وصدر الحكم في شهر اوت 1867 بخسارة بينار الدعوى التي رفعا وتمّ تعليله بأنّ : الإيالة التونسية بلد أجنبي ولا يخضع اختصاص المحكمة.
استخدم ألفونس بينار وصيارفة آخرون استراتيجية أخرى تتمثّل في تكوينهم لنقابة ممتلكي السندات التونسية وفيها نجد الصيرفي جوزيف هولاندير مدير بنك هولندا الذي سيصبح لاحقا صهرا لبينار. وتكفّلت هذه النقابة بـ ”مساعدة” حكومة الباي على تسديد الوصول. ونجحت لاحقا فيما بين سنتي 1869 و1870 في أن تكون ممثّلة مباشرة في الكومسيون المالي الدولي الذي أصبحت المالية التونسية تحت تصرفه وحقق نجاحا تاما في إستحلاب تونس و الباي.
من الواضح أنّ الديون المبرمة فيما بين 1863 و1867 هي ديون كريهة بالنسبة إلى الشعب التونسي. فهي تطابق حرفيا التعريف الذي قدّمه سنة 1927، ألكسندر ناهوم ساك أستاذ القانون بباريس وصاحب نظريّة الديون الكريهة، يقول : ” إذا ما أبرمت سلطة استبدادية دينا لا يتماشى مع مصالح الدولة ولكن بهدف تعزيز نظامها الاستبدادي ولقمع المواطنين الذي يناضلون ضده فإنّ ذلك الدين كريه بالنسبة إلى عموم مواطني تلك الدولة. إنّ ذلك الدين ليس إلزاميا بالنسبة إلى الأمّة بل هو دين النظام ودين شخصي للسلطة التي أبرمته وتبعا لذلك فإنّه يسقط بمجرّد سقوط تلك السلطة”.
ويضيف في مكان آخر :” يمكننا أيضا أن ندرج ضمن هذه الفئة من الديون القروض المبرمة بشكل واضح لأهداف ومصالح شخصية لأعضاء الحكومة أو لأشخاص ومجموعات مرتبطة بالحكومة، أهداف لا علاقة لها بمصالح الدولة”. وينطبق هذا تماما على سلوك الوزير الأكبر مصطفى خزندار ومسؤولين آخرين في نظام البايات.
ويؤّكّد ساك كذلك على أنّ دائني هذه القروض حين يقرضون وهم على علم بحقيقة النظام فإنّهم ” قد ارتكبوا عملا عدائيا ضد الشعب فلا يمكنهم إذن يطالبوا أمّة تحررت من نظام استبدادي أن تتحمّل ديونا “كريهة” التي هي ديون شخصية لتلك السلطة”. ويعلم المصرفي ايميل ايرلانجي والمصرفي ألفونس بينار وشركائهما جيّدا أنّ المبالغ المقرضة لم تكن في خدمة المصلحة العامة وفضلا عن ذلك فقد كانوا، كما برهنا على ذلك، فاعلين مباشرين في عملية الاحتيال.
وفضلا عن سياسة إصدار ايميل ايرلانجي سندات عالية المخاطر على الصعيد المالي وكريهة على الصعيد القانوني فإنّه يجدر التذكير كذلك أنّه في نفس الفترة قد أصدر سنة 1864 و1865 سندات مكسيكية لحساب الدولة- الدمية التي ركزها الجيش الفرنسي في المكسيك وعلى راسها ماكسيميليان دوتريش الذي تمّت تصفيته في جوان 1867. وفي سنة 1863 أصدر ايرلانجي في باريس ولندن قرضا بـ 15 مليون دولار لفائدة الدول الداعمة للعبودية في الجنوب (الكونفيدراليون) معوّلا على القطن وقد مكّنه ذلك من تحقيق ربح فوري يقدّر بحوالي 4 مليون دولار.
لقد اعتبر القادة الفرنسيون منذ اندفاعهم نحو احتلال الجزائر سنة 1830، أنّ فرنسا من حقّها أن تبسط نفوذها الاستعماري على تونس. وكان عليهم أن يجدوا الدعوى التي سيتعلّلون بها والوقت المناسبيْن. ولقد كانت هناك أولويات أخرى سواء على الصعيد الداخلي أو في القارة الأوربية أو في أماكن أخرى من العالم. وفي العالم العربي كانت مصر أولوية لأسباب جيو – استراتيجية إذ توفّر إمكانية الوصول مباشرة إلى آسيا عبر فتح قناة السويس بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والوصول إلى إفريقيا السوداء عبر نهر النيل والقرب من الشرق عبر الطريق البرية إضافة إلى المقدرات الفلاحية لمصر فكان هناك تنافس بين بريطانيا العظمى وفرنسا حول مَن مِن القوّتين سيراقب مصر وهو ما يتيح له أسبقية استراتيجية على الآخر. وكان نابليون قد فهم ذلك وبدأ بتطبيقه عبر حملته على مصر سنة 1798.
لم يكن الاستيلاء على تونس يمثّل أوليّة خصوصا وأنّ استقرار الهيمنة الفرنسية على الجزائر كان باهظا نظرا إلى المقاومة التي وجدتها فرنسا. ولم يكن السند الشعبي في فرنسا للسياسة الاستعمارية الجديدة مضمونا بالمرّة ففي سنة 1860 انقلب إدارة الاستيلاء على المكسيك إلى كارثة وكما تمت الإشارة إلى ذلك أعلاه فإنّ لويس نابليون بونبارت اضطرّ إلى سحب الجنود الفرنسيين من الأراضي المكسيكية سنة 1866 إزاء انتصار الهجوم المضاد للقوى التقدميّة المكسيكية واضطر إلى مواجهة إلغاء الديون التي كانت تطالب بها البنوك الفرنسية في المكسيك (حوالي 60 مليون فرنك) وكان نابليون الثالث في نهاية 1867 منشغلا أيضا بتقدّم القمصان الحمر الجمهوريين لغاريبالدي التي تهدد بالسيطرة على روما التي كانت في حماية فرنسا
ومع ذلك، فإنّ القنصل الفرنسي في تونس وهو الوزير المفوّض لفرنسا لدى باي تونس، كان اهتمامه منصبا على البحث عن كيفية إخضاع تونس للحماية أو بكل بساطة غزوها والاستيلاء عليها ويعتبره أولوية بل كان ذلك بالنسبة إليه هاجسا رئيسيا. وتشهد على ذلك الأعمال والإجراءات التي قام بها مختلف القناصل الذين تعاقبوا على تونس. وكان القنصل الفرنسي شارل بوفال في أوج انتفاضة 1864 يناور على واجهتين فلئن كانت فرنسا تساند رسميا الباي فإنّ القنصل كان يتفاوض مع علي بن غذاهم القائد الرئيسي للانتفاضة في صورة إذا ما تقرر الإطاحة بالباي. وقد كتب في 30 ماي من سنة 1864 ما يلي :” سيكون جديرا بالإمبراطور أن يوحّد لاحقا كل قبائل تونس في كونفدرالية عربية صغيرة” وفي شهر سبتمبر 1865 وحسب المؤرخ جون قانياج فإنّ ” الشؤون التونسية كانت وضوع نقاش في مجلس وزاري تراسه الامبراطور وقد اقترح حاكم الجزائر الماريشال دي ماك ماهون بعد استشارته، إرسال قوّة تدخّل سريع إلى تونس وقدّم في ذلك مشروعا مفصّلا حول تنظيم قوة التدخل وسبل تسييرها. غير أنّ هذا المخطّط ذهب إلى ما هو أبعد بكثير من نوايا الحكومة ” وبعد ذلك بسنتيْن، وحسب جون قانياج دائما، فإنّ : ” القنصل بوتيليو لم يكن يرى حلا آخر غير احتلال فرنسا لتونس وإلحاقها نهائيا بالجزائر أو احتلالها مؤقتا بفرض معاهدة ”.
من ناحية أخرى كانت التصريحات العنصرية في مراسلات ممثلي فرنسا في تونس كثيرة للغاية كما تشهد على ذلك رسالة مؤرخة في 2 ديسمبر 1867 وجهها القنصل بوتيليو والتي استنكر فيها ” أخلاق العرب وعدم كفاءتهم في العمل وعاداتهم في النفاق والكذب والرشوة…”
إنّ اقتراح إنشاء كومسيون مالي دولي يراقب المالية التونسية تمت صياغة خطوطه العريضة من طرف الوزير الفرنسي للشؤون الخارجية المركيز موستيي في جانفي 1868 إذ صرّح : ” يبدو إذن أنّ جهودنا يجب أن تكون أهدافها، قبل كل شيء، إذا كان ذلك ممكنا ضمان الإدارة السليمة للموارد التي تعهدت بها حكومة الباي وذلك بالتمكّن من إقامة رقابة جدّية على عائدات الجباية التي أصبحت اليوم في تحت تصرف أيادي لا كفاءة لها أو غير وفية ويجب علينا أن نقطع خطوة كبرى إلى الأمام نحو الهدف الذي نسعى إليه. وفي صورة إذا ما تمّ قبول تطبيق هذا المبدإ فإنّه يمكننا أن نعهد بالعلاج إلى كومسيون تكون تونس مقرّه. ”
تبنّى الباي في أفريل 1868 وبأمر من ممثّلي فرنسا، مشروع مرسوم ينشئ الكومسيون المالي الدولي . وبعد ذلك بـ 15 شهرا وبعد أن حازت فرنسا على الموافقة النهائية من بريطانيا العظمى وإيطاليا، تمّ تبنّي المرسوم النهائي من طرف الباي. ويمثّل نصّ جويلية 1869 عمليا، مظهرا حقيقيا لإخضاع تونس للدائنين. وللفصل التاسع بصفة خاصة أهمية كبيرة لأنّه ينصّ صراحة على أنّ الكومسيون يحصل على كل إيرادات الدولة دون أدنى استثناء. ويضيف أنّه لا يمكن إبرام أيّ عقد اقتراض دون موافقة الكومسيون. أمّا الفصل الثالث فيؤكد بأنّ، في المجال الديبلوماسي، ممثل فرنسا هو الشخصية الأهمّ في الكومسيون المالي ويتمّ تعيينها من الامبراطور الفرنسي. ويكتفي الباي في الحقيقة بالمصادقة لا غير والكومسيون وحده هو مَن يحدّد مقدار الديون بدقّة. ويمثل ذلك من وجهة نظر البنوك الدائنة مسألة جوهرية لأنّ الكومسيون سيتولى إعادة هيكلة ديون تونس وهو الذي سيحدّد ما إذا سيكون هناك تخفيف في هذه الديون أم لا. ويحظى الفصل العاشر بدوره بأهمية كبرى بالنسبة إلى البنوك الفرنسية لأنّه يؤكد أنّ ممثليْن اثنيْن لهذه البنوك يكونان في تركيبة الكومسيون. وبالفعل، فما إن تمّ تأسيس الكومسيون في نوفمبر 1869 كانت نقابة أصحاب سندات الديون التونسية، والي يديرها المصرفي الباريسي ألفونس بينار، قد قد حصل على ممثل في الكومسيون وحصل نفس الشيء بالنسبة إلى المصرفي ايرلانجي وكان الدائنون الانكليز والايطاليون الحاصلون على سندات الديون الداخلية أيضا ممثلين في الكومسيون.
مرسوم باي تونس لتأسيس الكومسيون المالي الدولي
لقد رأينا أنّه من الضروري لمصلحة الايالة ورعايانا والتجارة، تنظيم كومسيون مالي متطابق مع مشروع المرسوم الصادر في 4 أفريل من السنة الفارطة والذي تمت المصادقة عليه في مرسومنا الصادر في 24 ماي من نفس السنة على النحو التالي :
الفصل الأول
يجتمع الكومسيون الصادر قرار إنشائه في مرسومنا لـ 4 أفريل 1868، في عاصمتنا في ظرف أقصاه شهر
الفصل الثاني
يتفرّع الكومسيون إلى لجنتيْن منفصلتين: لجنة تنفيذية ولجنة مراقبة.
الفصل الثالث
تتركّب اللجنة التنفيذية كما يلي : موظفان من حكومتنا نتولّى تسميتهما بنفسنا ومتفقّد مالي فرنسي نتولّى كذلك تسميته بنفسنا ويعيّن من طرف حكومة الامبراطور.
الفصل الرابع
تتكفّل اللجنة التنفيذية بمعرفة الوضع الحالي لمختلف ديون المملكة والموارد التي بواسطتها تكون الحكومة قادرة على سداد تلك الديون
الفصل الخامس
تفتح اللجنة التنفيذية سجلاّ تدوّن فيه كل الديون المبرمة داخل المملكة وخارجها على السواء والتي تتكوّن من تسكرة أو سندات الخزينة، كذلك التزامات قرض 1863 وقرض 1865. أمّا بالنسبة إلى الديون التي لن تراقبها العقود العمومية فإنه يتوجب على أصحاب السندات أن يتقدموا إلى اللجنة في أجل أقصاه شهرين. ولهذا الغرض تسهر اللجنة التنفيذية على أن يتمّ نشر إشعار في الجرائد التونسية وفي الخارج.
الفصل السادس
تسعى اللجنة التنفيذية إلى معرفة كل الوثائق الاصلية للموارد والمصاريف وتوفر لها وزارة المالية كل الوسائل لتحقيق ذلك.
الفصل السابع
تبحث اللجنة التنفيذية، واضعة ميزانية الموارد في مواجهة ميزانية الإنفاق وارتفاع حجم الديون، عن سبل إقامة توزيع منصف للموارد العمومية، آخذة بعين الاعتبار، في نسبة عادلة، كل المصالح. وتضع جدول الموارد التي يمكن اضافتها إلى جملة الضمانات التي تمّ منحها بعدُ إلى الدائنين.
الفصل الثامن
تتّخذ اللجنة التنفيذية كل الترتيبات المتعلّقة بالديْن العامّ وسنمنحها كلّ الدعم اللازم لضمان تنفيذ الإجراءات المتّخذة في هذا الشأن.
الفصل التاسع
تجمع اللجنة التنفيذية كلّ موارد الدولة دون استثناء ولا يمكن إصدار أيّ رقاع للخزينة أو أي قيمة كانت دون موافقة اللجنة المذكورة المخوّل لها من طرف لجنة المراقبة. وإذا ما كانت الحكومة مضطرة، بمشيئة الله، أن تبرم قرضا فإنّه لا يمكنها ذلك إلا بعد الموافقة المسبقة للجنتيْن.
كل التساكر التي يتمّ إصدارها بالمبلغ المخصّص من طرف الكومسيون لمصاريف الحكومة يجب أن تكون مسجّلة باسم الكومسيون وتتضمّن تأشيرة اللجنة التنفيذية. ولا يجب أن تتجاوز هذه التساكر المبلغ المثبت في ميزانية التصرّف.
الفصل العاشر
تتركّب اللجنة التنفيذية كما يلي : عضوان فرنسيان يمثّلان دائني قرضيْ 1863 و1868 وعضوان انجليزيان وعضوان ايطاليان يمثّلان مالكي رقاع الديون الداخلية.
سوف يتلقّى كل مندوب من هؤلاء مباشرة تفويضا من مالكي سندات القروض والتحويلات في مملكتنا تقدّم من طرفنا حسب الأصول تحت رقابة اللجنة التنفيذية.
الفصل الحادي عشر
تقرّ لجنة الرقابة كلّ العمليّات التي تقوم اللجنة التنفيذية. وتتكفّل بالتثبّت فيها والموافقة عليها إذا لزم الأمر. وستكون الموافقة عليها ضرورية لمنح التدابير ذات المصلحة العامة التي تصدرها اللجنة التنفيذية صبغة تنفيذية.
الفصل الثاني عشر
يُكلّف وزيرنا الأكبر بتنفيذ مضمون الفصول الاحد عشر السالفة الذكر. وسوف نسمي العضوين ونطلب مراقب المالية الفرنسي في أقرب أجل ممكن.
حررت هذه الفصول الاثنتي عشر بقصر حلق الوادي في 26 ربيع الأوّل 1286 ( جويلية 1869).
إعادة هيكلة الديون التونسية عام 1870
لقد كانت إعادة هيكلة الديون من بين المهام الأساسية والعاجلة. وكان فيكتور فيي، متفقد المالية الذي عيّنته فرنسا، يشتغل على ذلك، فهو كما أشرنا إلى ذلك سابقا الشخصية الرئيسية للكومسيون. وكان في ديسمبر 1869 قد اقترح على الكومسيون التخفيض إلى أكثر من النصف الديون التي تم تقدرها بالقيمة الاسمية بـ 121 مليون فرنك. وكان متوقعا أن تبلغ الديون المخفضة والمعاد هيكلتها 56 مليون فرنك.
رفض ممثلو البنوك اقتراح المتفقد المالي وتحصلوا على مساندة حكوماتهم وخصوصا موافقة حكومة لويس نابليون بونبارت المرتبط بعالم المال في فرنسا ارتباطا وثيقا. ولم يتم منح تونس أي تخفيض في ديونها بل بالعكس فقد تحصلت البنوك على رفعها بـ 125 مليون فرنك. إنّه انتصار تامّ للبنوك ممثلة في مندوبيْها ألفونس بينار وايميل ايرلانجي. فكانوا قد اشتروا من البورصة أسهم 1863 و1865 (تم إصدارها لحساب تونس) بـ 135 أو 150 فرنك وحصلوا بعد المضاربة للتخفيض في قيمتها وبفضل إعادة الهيكلة سنة 1870 على مبادلة تلك الأسهم بثمن 500 فرنك. عمليا فإنّ سهما قديما لسنة 1863 أو 1865 بقيمة 500 فرنك-كانوا قد اشتروه بـ 150 فرنك -تمّت مبادلته بسهم جديد بـ 50 فرنك. إنّها حقيقة لصفقة أفضت إلى ديْن كريه جديد.
ويتعلّق الأمر كما عبّر عن ذلك المؤرخ نيكولا ستوسكوبف بتشديد عقدة الحبل الذي التف حول عنق الباي نفسه فقد كتب ستوسكوبف معبّرا عن حصيلة عمل المصرفي بينار الذي كان يقود نقابة مالكي الأسهم : ” منذ 1867 مكّن إفلاس تونس من المرور إلى المرحلة الموالية. ففي المفاوضات القاسية والمناورات المتعاقبة لم يكفّ بينار عن جني الأرباح المنتظرة فالسخرية من المستثمرين الفرنسيين مثلما كان مصير التونسيين وكذلك عبر نجاعة مميزة لمستثمر مالي لا نظير له تمكّن في النهاية، أثناء توحيد الديون التونسية في 1870، من ربح 13 مليون على الـ 5 ملايين التي كان قد تمّ توظيفها من طرف النقابة”.
وقد كانت السلطات التونسية متواطئة بشكل كبير في هذا النهب للموارد العمومية. فقد تمكّن مصطفى خزندار ومسؤولون آخرون في النظام – دون أن ننسى بقيّة التونسيين الأثرياء الذين يملكون قسطا كبيرا من أسهم الديون الداخلية- من تحقيق أرباح طائلة أثناء إعادة هيكلة الديون. وكما هو الحال في أغلب البلدان فإنّ الطبقات المهيمنة المحليّة تكون متضامنة مع الدائنين الدوليين لأنّ قسطا من مواردها تجنيه هي نفسها من سداد الديون. لقد كان هذا صحيحا في القرن التاسع عشر وهو الحال كذلك في القرن الحادي والعشرين. وليس عليك تفكر كثيرا كي تعرف من خزندار تونس الآن من هو و من المستفيد من ديون تونس الآن.
قرّر الصيرفيان ألفونس بينار وايميل ايرلانجي الانسحاب من تونس فقد تمّ التعويض لهما وهما راضيين بذلك تمام الرضى. فقد نجح ايرلانجي في تكوين امبراطورية مالية بفضل عمليات في تونس خصوصا وقد وضع يده على بنك القرض العقاري بباريس وبعد سنوات من ذلك وضع يده على وكالة الانباء الدولية هافاس الشهيرة. أّمّا ألفونس بينار فقد واصل من جانبه أنشطته في فرنسا وخارجها في دول العالم مساهما بذلك في تكوين بنك السوسيتي جينرال (أحد أهمّ البنوك الفرنسية الثلاثة اليوم) وكذلك في إنشاء بنك آخر تحوّل بمرور الزمان إلى اسم بنك ب. ن. باريبا (BNP وهو أهمّ البنوك الفرنسية حاليا)
يلخّص هذا المقطع من كتاب رأس المال لكارل ماركس المنشور في 1867 جيّدا الدور الذي تلعبه المديونية العمومية : “إنّ نظام الإقراض العمومي، أي الديون العمومية، الذي وضعت أساسه البندقية وجنوة في العصور الوسطى اجتاح أوروبا نهائيا أثناء االعصر المانيفكتوري (…) إنّ الدين العمومي، بعبارة أخرى هو اغتراب الدولة سواء أكانت استبدادية أو دستورية أو جمهورية، إنّه ببصمته هذه علامة على العصر الرأسمالي (…) يشتغل الدين العمومي باعتباره أحد الفاعلين الأكثر حيوية للتراكم البدائي (…) ومع الدين العمومي وُلد نظام تداين عالمي يخفي غالبا أحد مصادر التراكم البدائي عند هذا الشعب أو ذاك”.
ويضيف : ” إنّ كبرى البنوك منذ نشأتها وهي مزدانة بالأسهم الوطنية، لم تكن سوى جمعيات للمضاربين الخواص قائمة إلى جانب الحكومات ووصل بها الأمر إلى أن تقرضها المال العام وذلك بفضل الامتيازات التي تحصّلت عليها (…) لقد منح الدين العمومي دفعا للشركات المساهمة وللمتاجرة بكل أشكال الأوراق المالية المتفاوض في شأنها وكل العمليات العشوائية والتكهنات وفي الجملة لكل ألعاب البورصة والبيروقراطية البنكية المعاصرة ”.
كما هو منصوص عليه في الفصل التاسع من مرسوم إنشاء الكومسيون المالي الدولي في جويلية 1869 فإنّ لأعضائه رقابة على موارد الدولة. ورغم ذلك فإنّ السياسة الاقتصادية المفروضة لسداد الديون قد أفضت إلى ركود اقتصادي لأنّ الدولة لم تنجز أي استثمار عمومي منتج ولم تنفق من أجل تنشيط الاقتصاد وسحقت الضرائب المنتجين الصغار المحليين سواء أكانوا ريفيين أو حضريين. ونتيجة لذلك لم تعد عائدات الضرائب كافية لتسديد الديون البالغة 125 ملون فرنك.
انسحب الأعضاء الممثلون للبنوك من الكومسيون المالي الدولي منذ 1871 لأنّهم نالوا مبتغاهم ولم تعد هناك أرباح يمكن جنيها من أشغال الكومسيون الذي واجه اخفاق السياسات التي أملاها منذ 1869. ومن علامات هذا الفشل طرد الوزير الأوّل مصطفى خزندار الذي شغل هذا المنصب منذ 36 سنة وأُلزم بالإقامة الجبرية لأنّ الاختلاسات والرشوة التي كان مسؤولا عنه تمّ إثباتها تحت ضغط فرنسا.
وكان خير الدين التونسي، معوّض مصطفى خزندار، قد حاول إجراء بعض الإصلاحات لكن دون جدوى وتم عزله سنة 1876 لأنه بالخصوص لم يفضّل مصالح المؤسسات الفرنسية بالقدر الكافي و كان يريد نفض يد فرنسا و الدائنين عن تونس. وكان خير الدين يرجو أيضا أن يحصل على تخفيض لفوائد الديون التي كان سيسددها لكن ذلك كان كثيرا.
لقد كانت أوضاع الحرفيين التونسيين كارثية لأنّهم لم يكونوا قادرين على منافسة البضائع المستوردة من أوروبا وذلك بعد اتفاقيات تحرير التجارة أما الفلاحون فقد كانوا يتدبرون امرهم ولم يكن يوجد أيّ مصنع هامّ ولم تتجاوز شبكة السكك الحديدية بضع عشرات الكيلومترات (تونس -حلق الوادي وتونس – المرسى) ولم تكن شوارع مدينة تونس معبدة ولا وجود لنظام الصرف الصحي.. يعني إنتهى دور جمع المال و إنتهى دور تونس و يجب المرور للهدف الذي يليه وهو مصر فانطلق المخطط و كانت نقطت البداية عندما أعلمت كلّ من ألمانيا وانجلترا فرنسا أثناء مؤتمر الأمم المنعقد ببرلين في جوان 1878، أنّه يمكنها أن تحصل على تونس كما كانت ترغب في ذلك.
وكانت ألمانيا بقيادة أتو فون بسمارك، الذي ألحق بفرنسا هزيمة ساحقة في 1870 – 1871 (كانت قد سجنت لويس نابليون بونبارت في سودان واحتلت الالزاس واللوران وحصلت على تعويضات)، تعتبر أنّه يجب تقديم هدية عزاء للقادة الفرنسيين الجدد. ولم تكن تونس تمثل أيّ إغراء بالنسبة على ألمانيا وكان بسمارك يعتبر أنّه إذا ما ركّزت فرنسا على غزو تونس بموافقته فستكون أقل طلبا فيما يخص استعادة الالزاس واللوران. أما بالنسبة إلى أنجلترا التي كانت تمنح الأولوية في البحر الأبيض المتوسط إلى المنطقة الشرقية (قبرص ومصر وسوريا…). إضافة إلى أن عيون فرنسا كانت منصبة على احتلال تونس. وكان اللورد ساليسبوري، ممثل أنجلترا، صرّح لنظيره الفرنسي قائلا : ” خذوا تونس إذا أردتم فإنّ إنجلترا لن تعارض ذلك وستحترم قرارتكم واضافة إلى ذلك فإنّه لا يمكن أن تتركوا قرطاج في أيدي البرابرة.” وكتب وزير الداخلية الفرنسي من جانبـــــــه : ” لقد أخبرنا بسمارك أنّ بإمكاننا أن نستولي على تونس دون أن يكون لديه أي مانع ” وقد ناقشت الحكومة الفرنسية المسألة مطوّلا لكن دون أن تمرّ إلى الأمور العملية لأنّه كان لديها أولويات أخرى. وفي ذلك الظرف بقي قنصل فرنسا في تونس يبحث عن الفرص السانحة كي يرتكب الباي زلّة من الزلاّت يمكنها أن تبرّر التدخّل العسكري لفرنسا.
وفي النهاية تم المرور إلى الأمور العملية سنة 1881 حين أعلنت الأغلبية في الحكومة الفرنسية عن موافقتها على غزو تونس وقد كان مبرّر هذا الغزو ”ابتزازات” قبيلة خمير.
وأقدم أصحاب البنوك الذين تمّ إعلامهم بنوايا الحكومة، على شراء أسهم الديون التونسية بكثافة في بورصة باريس فبعد أن كان سعر السهم في جانفي 1881 يساوي 330 فرنكا أصبح قبيل التدخل الفرنسي بـ 487 فرنكا.(بقيمة اسمية قدرها 500 فرنك) وهو مبلغ لم يصل إليه سعر السهم الواحد سابقا. وقد كان المنطق الذين يقود أصحاب البنوك غيرهم من الماليين بسيطا فإذا ما أصبحت تونس تحت الحماية الفرنسية فإنّ فرنسا ستعيد هيكلة الديون مرة أخرى وستعوّض للدائنين ولم يجانبوا الصواب في الحقيقة فقد تمت إعادة هيكلة الديون سنة 1884 أثناء الدورة الثانية من حكم جيل فيري وكان قد تم جعل الخزينة العمومية تساهم في إرضاء أصحاب البنوك.
وكانت وكالة هافاس التابعة للصيرفي ايرلانجي منذ 1879 تشارك في حملة إعلامية مساندة للتدخل الفرنسي واحتلال تونس.
لم تكن فرنسا إذن تنتظر فرصة مناسبة لتنفيذ هذا الاتفاق. غير أنّ الصعوبة بالنسبة إلى جيل فيري رئيس المجلس الحكومي أن ذلك يعني اجتياحا عسكريا وعليه يتوجب إذن اقناع مجلس النواب بذلك. لذلك فإنّ الديبلوماسية الفرنسية لم تكفّ عن افتعال حادث أو إيجاد فرصة من شأنها أن تبرّر التدخّل العسكري. وقد كان القنصل الفرنسي تيودور روستان يناور لتحقيق ذلك فقد كتب في سنة 1880 إلى البارون كورسال الذي كان شديد التأثير على الديبلوماسية الفرنسية. يقول : ”يجب علينا أن نعدّ دوافعنا للعمل قبل إعداد وسائل تحرّكنا وإنّ حماقة الحكومة التونسية ستساعدنا على ذلك ”. لقد منح الخلاف الذي نشب بين قبيلة أولاد نهدي الجزائرية وأبناء قبيلة خمير التونسية الفرصة لفرنسا لإطلاق تدخل عسكري ضخم. وفي نهاية فيفري 1881 وعلى إثر تفاقم المشاحنات بين القبيلتين هاجم أبناء قبيلة أولاد نهدي الجزائرية نجعا لقبيلة خمير التونسية وقتل في الأحداث 5 من أولاد نهدي و3 من خمير.
وقد عبّر القنصل الفرنسي مبتهجا فقال : ” لم نتمكن من العثور على فرصة أفضل من هذه للتحرك هنا ووحدنا لأنّها مسألة لا علاقة للقوى الأخرى بها ”.
وفي 30 و31 مارس هاجم ما بين 400 و500 شخص من قبيلة خمير مرتين قبيلة أولاد نهدي ثأرا لقتلاهم وكان الهجوم في الأراضي الجزائرية ولكن الفرق العسكرية الفرنسية دفعتهم إلى أراضيهم وقد أسفرت المواجهات عن مقتل 6 جنود فرنسيين.
وحصل جيل فيري على تزكية من البرلمان لــ ”إعادة بسط النظام” وإليكم الطريقة التي قدّم بها جيل فيري طلب الموافقة على الحرب يوم 11 أفريل 1881 وهي طريقة تنمّ بوضوح عن نفاق ومغالطات، يقول : إنّنا ذاهبون إلى تونس لمعاقبة المخالفات التي تعرفون وسنذهب إلى هناك أيضا لاتّخاذ جميع الإجراءات التي يمكن أن تكون ضرورية لمنع تجدّد مثل هذه التجاوزات. إنّ حكومة الجمهورية لا تبحث عن غزو فهي ليست في حاجة إلى ذلك (تصفيق حار من اليسار والوسط) لكنها حصلت على مرّ تعاقب الحكومات السابقة على هذه الملكية الرائعة للجزائر التي ضحت فرنسا من اجلها بالدماء وانفقت عليها كنوزها. سنخوض الضغط العسكري الذي سيبدأ وسيصل إلى الحدود التي يجب أن يصل إليها لضمان، بصفة جدية ودائمة ،أمن ومستقبل فرنسا الإفريقية (تصفيق من جديد) ”
و بهذا تمت المصادقة على اتفاقية باردو من طرف أغلبية ساحقة من مجلس النواب الفرنسي. وكان هناك نائب واحد ضد الاتفاقية وهو الاشتراكي الشجاع الفريد تالاديي. وقد تمّ توقيع هذه الاتفاقية يوم 12 ماي 1881 بين باي تونس والحكومة الفرنسية. وهي اتفاقية تنشئ حماية فرنسية في تونس. وخوفا من خلعه من طرف الفرنسيين الذين يعتبرون أخاه الطيّب بديلا له، فقد أقرّ الباي وسلّم للمقيم العام الفرنسي كل سلطاته في مجال الشؤون الخارجية والدفاع وإصلاح الإدارة وجدير بالذكر أنّه بعد بضعة أشهر من ذلك عزّزت فرنسا تحت قيادة جيل فيري تحرّكاتها العسكرية في الهند الصينية لتوسيع مجالها الاستعماري، وهو ما دفع فيري في صيف 1881 إلى طلب مصادقة الجمعية الوطنية على الهجوم العسكري على تونكين. وهنا استخدمت فرنسا أيضا ذريعة لتبرير مناوراتها الاستعمارية.
احتلت الجيوش الفرنسية تونس في أكتوبر 1881 واستولت على القيروان، المدينة المقدسة، في أواخر نفس الشهر. وأمام مقاومة السكان وخصوصا القبائل التونسية التي دخلت في تمرّد فإنّ التدخّل العسكري تنامى وقد بلغ عدد قوات التدخل السريع الفرنسية 50.000 جنديا. وقد جرّدت فرنسا عبر اتفاقية المرسى في جوان 1883، الباي من بقيّة سلطاته وركّزت في البلاد إدارة فرنسية مباشرة.
تجدر الإشارة إلى أنّ اتفاقية باردو (1881) وكذلك اتفاقية المرسى (1883) تتضمّنان إجراءات واضحة للغاية فيما يخصّ المديونية باعتبارها آلية نهب وإخضاع.، إذ ينصّ الفصل السابع من اتفاقية باردو على أنّ ” حكومة الجمهورية الفرنسية وحكومة سموّ باي تونس تتعهّدان، وفق اتفاق مشترك، بتثبيت أسس تنظيم مالي للإيالة تؤمّن طبيعته خدمة الدين العمومي ويضمن حقوق دائني تونس”. ويدقّق الفصل الثاني من اتفاقية المرسى ” تضمن الحكومة الفرنسية ، في ذلك العهد وحسب الشروط التي تراها الأفضل، قرْضا لتحويل الدين أو تسديده يصدره صاحب السموّ الباي ويصل هذا القرض إلى حدود مبلغ 125 مليون فرنكا ويصل كحدّ أقصى بالنسبة إلى الديون العائمة إلى 17.550.000 فرنكا. ويُمنع سموّ الباي في المستقبل من إبرام أيّ عقد اقتراض لفائدة الإيّالة دون ترخيص من الحكومة الفرنسيّة.”
يمكننا أن نؤكّد ودون أن نخشى مجانبة الصواب، وبعد هذا التحليل لانبثاق المديونية في تونس طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر أنّ تلك الديون كريهة وقد يسّرت الهيمنة الاستعمارية على البلاد.
وبعد ذلك ما فتئت المديونية تكون آلية هامة للهيمنة ونهب الثروات الطبيعية والإنسانية لتونس وبالتالي سببا أساسيا لـ ”تخلّفها” وتهميشها.
واستنادا إلى هذه الحصيلة فإنّه من حقّ الشعب التونسي أن يطالب بتعويضات من فرنسا التي عليها أن تدفعها بمساهمة البنوك (مثل ب. أن. ب باريبا والسوسيتي جينرال) والشركات الفرنسية التي استغلت المديونية لنهب الشعب التونسي.
ومن جهة أخرى فإنّ الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا التحليل هي من الأهمية بمكان لفهم الوضعية الراهنة لتونس.
مثلما كانت الديون المبرمة فيما بين 1863 و1867 كريهة فإنّ الديون التي تم إبرامها في عهد نظام ابن علي فيما بين 1987 و2010 هي كذلك كريهة إلى حدّ كبير ولا يخفى ذلك عن المؤسسات المالية الدولية ودائني الشمال (وبالدرجة الأولى فرنسا) فهم يعرفونه تمام المعرفة وما يبرهن على ذلك القرارات الصادرة عن مجلس الشيوخ البلجيكي في جويلة 2011 وعن البرلمان الأوروبي في ماي 2012.
إنّ السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تمّ تطبيقها من طرف سلطة الباي في القرن التاسع عشر لتسديد الديون هي شبيهة بشكل لافت للنظر بتلك التي حدّدتها شروط صندوق النقد الدولي منذ بروز مخطط التقويم الهيكلي في سنة 1986.
مثلما أدّت الزيادة في ضريبة المجبى في 1864 إلى انتفاضة شعبية هامّة، فإنّ التخلّي عن السياسات الاجتماعية بسبب عبء المديونية هو الذي قاد إلى اندلاع الثورة سنة 2010. وإذا ما كانت فرنسا قد أرسلت في 1864 سفنها الحربية لمواجهة الثورة فإنّها في جانفي 2011 اقترحت على نظام ابن علي مساعدة مادية لحفظ النظام وذلك عن طريق وزيرة الداخلية ميشال آليو ماري.
ختاما، إنّه كما استغلّ الدائنون الدوليون الأوضاع في القرن التاسع عشر لفرض اتفاقيات التجارة الحرّة فإنّ الاتحاد الأوروبي فرض على تونس منذ 1995 تحرير المبادلات الصناعية والذي هو بصدد التوسع ليشمل المواد الفلاحية والصيد البحري والخدمات والأسواق العمومية (اتفاقية التبادل الحر المعمّق والشامل) وهو ما أدّى إلى نفس النتائج الكارثية على المجتمع التونسي.
إنّ الإطاحة بنظام ابن علي سنة 2011 لم ينه نظام المديونية، بل بالعكس من ذلك فإنّ الحكومات المتعاقبة وبضغط من الدائنين لم تنقطع عن دفع تونس نحو المزيد من التداين.
وفي نفس الوقت فإن النضال ضدّ المديونية بصدد التنظم والتكثيف وهناك مشروع قانون يهدف إلى التدقيق في المديونية العمومية الخارجية والداخلية منذ 1986 سيتمّ ايداعه في مجلس نواب الشعب من طرف أكثر من 55 نائبا (من جملة 217 نائبا) في شهر جوان 2016.
ليس أمام تونس خيارا آخر للخروج من مأزق الهيمنة و’التخلّف’ عدا قطع سلسلة نظام المديونية.
مقال لاريك توسان المؤرخ البلجيكي بتصرف.
تونس لم تقترض من الخارج إلى حدود سنة 1863
حتى نهاية حكم مصطفى باي سنة 1837، لم يكن هناك أي دين عمومي. فقد كان الإنتاج الزراعي يضمن الاكتفاء الذاتي للبلاد. لكن خليفته أحمد باي – الذي امتدّ حكمه من 1837 الى 1855 –وضع برنامجا للنفقات العمومية أعطى فيه الأولوية لتكوين جيش نظامي وشراء معدّات عسكرية وبناء قصور فاخرة وإنشاء عدّة مصانع على المنوال الأوروبي ( كمصنع الأقمشة بطبربة). غير أنّ هذه الإنجازات كانت أقلّ بكثير مقارنة بما حقّقه محمد علي – العاهل المصري – من نجاحات، وهي نجاحات كانت قد تسبّبت لهذا الاخير في التعرّض إلى عدوان القوى الأوروبيّة. ولكنّنا نجد نقطة مشتركة بين التجربتيْن، ألا وهي غياب الاقتراض الخارجي خلال كامل النصف الأوّل من القرن التاسع عشر. وبالفعل، فلقد تمّ إنجاز كل الاستثمارات بالموارد الذاتية للبلاد.
لكنّ برنامج الاستثمار العمومي كان قد فشل فشلا ذريعا لأنّه لم يستند على تثمين قدرات المنتجين المحلّيين وتعزيزها. فتمّ حلّ الجيش النظامي سنة 1853 ولم يستكمل إنشاء أكبر القصور وأغلقت المعامل. وكان باي تونس يلتجئ باستمرار إلى الاقتراض الداخلي بنسب فائدة مجحفة مما أدّى الى تضخّم الدين. وكانت دولة البايات تتحصّل على الديون ببيعها للتونسيين الأغنياء والمقيمين الأجانب الأثرياء (الليفورنيين والجنويين والفرنسيين..) للتساكر وهي عبارة على رقاع خزينة قصيرة الأجل.
بعد اعتلاء محمد الصادق باي العرش سنة 1859، ازداد نفوذ القوى الأوروبية بشكل ملحوظ، حيث تضخّمت مصالحها التجارية ومشاريعها، وخاصّة بنوكها. واستشرى الفساد على نطاق واسع في أعلى هرم النظام وكان المسؤول الأساسي عن ذلك الوزير الأكبر مصطفى خزندار الذي كان قد تقلّد مناصب هامة منذ 1837 كان أوّلها “أمين مال” الباي (أمين مال = خزندار باللغة التركية). وبقي مصطفى خزندار على رأس الدولة حتى سنة 1873. وكان قد فرض عمولات على كل المعاملات وعلى كل القروض وعلى كل مداخيل الضرائب حتى كون ثروة خيالية. وقد اضطلع مصطفى خزندار بدور بالغ الأهمية إلى ان أعفي من مهامّه سنة 1873، – فاق دور الباي نفسه- في اتخاذ القرارات وفي إبرام الاتفاقيات مع البنوك ورجال الأعمال الأوروبيين.
في سنوات 1859-1860، رفـّع مصطفى خزندار ومحمد الصادق باي في النفقات العمومية والتداين الداخلي وذلك من خلال ابتياع أسلحة منعدمة الصلاحيّة من بلجيكا – تمّ استبدالها ببنادق فرنسية بـأبهظ الأسعار – وكذلك من خلال تشييد إقامات فاخرة لقنصليْ فرنسا وبريطانيا : وهي نفقات لم تخدم بتاتا مصالح السكان.
وارتفع الدين العام الداخلي بنسبة 60٪ خلال السنوات الثلاث الأولى من حكم محمد الصادق باي. واستفاد الأثرياء من التونسيين والأجانب المقيمين من سياسة التداين الداخلي التي وفّرت لهم أرباحا طائلة، كما انتفع أيضا المسؤولون السّامون للدولة وذلك بالسطو على جزء من الأموال المقترضة (بالإضافة إلى أنّهم كانوا هم أيضا يُسدون القروض للدولة)، كما حقّق المورّدون الأجانب أيضا إيرادات هامة. أمّا الشعب فله أن يتحمل أعباء متزايدة من الضرائب. نفس الذي نعيشه الآن تماما ويعود أوّل قرض خارجي تحصّلت عليه البلاد التونسية إلى سنة 1863. وكان هذا القرض عمليّة احتيال حقيقية أدّت الى استعمار فرنسا لتونس بعد 18 عاما.
في ذلك الوقت، كانت السوق الماليّة بباريس حيويّة للغاية وفي تنافس مع مثيلتها بلندن، التي تعَد السوق المالية الرئيسية في العالم بأسره. وكان على ذمّة أصحاب المصارف الباريسيين منهم واللندنيين وفرة من السيولة مما جعلهم يبحثون عن فُرص استثمار اضافية في الخارج.
وكانت القروض المسداة لأمريكا اللاتينية، وآسيا، والإمبراطورية العثمانية ومصر وروسيا وأمريكا الشمالية كثيرة وكانت القروض موجّهة أساسا لإنشاء سكك حديدية (مع بروز فقاعة مالية في القطاع)، ولإعادة تمويل الديون القديمة – بالنسبة لأمريكا اللاتينية – ولشراء الأسلحة. وكانت المردوديّة الماليّة في باريس على السوق المحليّة تقدّر بحوالي 4 – 6٪ بينما كانت مردوديّة القروض المسداة في الخارج أعلى من ذلك بكثير (يمكن أن تصل إلى 10-11٪ كمردود حقيقي). حين أعلن الباي، في أوائل سنة 1863، انه يريد اقتراض 25 مليون فرنك من الخارج، عرض العديد من أصحاب المصارف والسماسرة – سواء من لندن أو من باريس- تقديم خدماتهم، ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر البارون جيمس دي روتشيلد، وشركات لندنية أخرى، والكريدي موبيليي من باريس واميل ايرلانجي، وهو صاحب مصرف أصله من مدينة فرانكفورت الالمانية ومستقرّ في العاصمة الفرنسية. كان قنصل بريطانيا العظمى في تونس يدعم عروض البنوك اللندنية أمّا نظيره الفرنسي فكان يساند العروض الآتية من باريس. وفي آخر المطاف، فاز إميل ايرلانجي “بالعقد”. وهو شخصية ذات سيرة جديرة بالسرد. ووفقا للقنصل البريطاني، فقد عرض اميل ايرلانجي عليه مبلغ 500.000 فرنك بغية الحصول على دعمه.
ما هي طبيعة قرض 1863؟
تحصّل ايميل ايرلانجي، بمعيّة آخرين، على إذن الحكومة الفرنسية لبيع السندات التونسية في بورصة باريس. ووفقا لتقرير، تمّ نشره في 1872-1873، لفيكتور فيلي، وهو مراقب مالية فرنسي، فإنّ هذا القرض هو عملية احتيال حقيقي.
ووفقا لايرلانجي، فقد وقع اصدار 692 78 من السندات التونسية. كانت كل واحدة منها ذات قيمة اسمية بـ 500 فرنك. وقد تم بيعها بـ 480 فرنك مع قسيمة سنوية بـ 35 فرنك لمدة 15 سنة. وهذا يمثل نسبة فائدة نظريا بـ 7٪، ولكن ونظرا لأن السندات بيعت بـ 480 فرنك، فنسبة الفائدة الحقيقية هي 7.3٪. وبالفعل فالمشتري عند دفعه لـ 480 فرنك، يمكنه الحصول على 525 فرنك كفوائد (15 × 35 فرنك) بالإضافة إلى 500 فرنك التي تمثل ثمن السند.
أما بالنسبة للجهة المقترضة، أي الحكومة التونسية، فقد تلقـّت 415 فرنك (480 فرنك خصمت منها 65 فرنك بعنوان عمولة إصدار وتكاليف أخرى لمكافئة صاحب المصرف) في حين أنّها مطالبة فيما بعد بسداد مبلغ قيمته 1025 فرنك.
ويمكن أن نقوم بالحساب بطريقة أخرى أكثر شمولا : تتلقى الجهة المقترضة (تونس) حوالي 37.7 مليون فرنك (692 78 من السندات تباع بـ 480 فرنك، أي37.77 مليون) وفي المقابل تتعهّد بتسديد 65.1 مليون.
وفقا لبحوث أجراها مراقب المالية الفرنسي، فيكتور فيلي، فإنّ ايرلانجي تحصّل على أكثر من 5 ملايين فرنك كعمولات (أي ما يناهز 13٪ من المبلغ المحصّل).
كما يجبّ اقتطاع 2.7 مليون فرنك من المبلغ المزمع دفعه، تمّ تحويلها قطعا من قبل رئيس الوزراء وصاحب المصرف إميل ايرلانجي.
وبذلك، وللحصول على حوالي 30 مليون فرنك، تعهّدت الحكومة التونسية بسداد 65.1 مليون فرنك. هذا النظام القديم للقروض على هذه الشاكلة فهل لك أن تتخيل الآن كيف؟
لمعرفة الحجم الحقيقي لعملية النصب والاحتيال، يجب الأخذ بعين الاعتبار لجزئيات خطيرة في تصرّفات اميل ايرلانجي والوزير الأوّل التونسي. فقد قال ايرلانجي أنه باع أكثر من 38.000 من السندات في باريس و40.000 في تونس (وللتذكير، فإنّ مجموع السندات المصدرة بلغت 692 78 سندا). ويبدو أنّ المبيعات ببورصة باريس كانت أقلّ بكثير مما صرّح به ايرلانجي، حيث لم تجد أكثر من 30.000 سندا مَن يشتريها وبقيت في حوزة ايرلانجي. ولكنه تحصّل على عمولة فاقت الـ 5 مليون فرنك سويسري كما لو أنّه قد قام ببيع كل السندات. ويبدو أنّ ايرلانجي قام باقتراض المبلغ المزمع دفعه للخزينة التونسية من بنوك أخرى (حوالي 30 مليون فرنك سويسري) على أربع دفعات. ومن الأرجح أنه استلف من مصارف أخرى بضمان الـ 30.000 سهما التي لم يتمكّن من بيعها. وهذا ما ذكره محرّر في مجلة ” مراقب المالية العمومية” في مقال نشر 19 أوت 1869 : “إنّنا نعتقد أنّنا لا نجانب الصواب بقولنا بأن 5000 من السندات، على الأكثر، باتت على ملك حامليها المقيمين في فرنسا … لتبقى حوالي 30.000 من السندات في يد السيد ايرلانجي. وفي هذا الوضع، كان غير قادر على الوفاء بتعهّداته تجاه الباي. كيف فعل إذا؟ نعتقد أنّه أودع السندات التي لم يستطع بيعها في مصرف “الكونتوار دي اسكونت” ،ليحصل على تسبقة مكّنته من إرسال بعض الأموال لمعاليه “.
والدليل الواضح على قوّة هذه الفرضية هو أن ايرلانجي كان يدّعي أنه قد اشترى في جانفي 1864على السوق الثانوية للقروض 20.962 سندا و8.000 أخرى في سنة 1865. ولكنّ عمليات الشراء هذه لم تفض الى أيّ ارتفاع في سعر هذه الأوراق الماليّة. وهذا مستبعد جدّا. وبالفعل، فإنّ إعادة شراء 20.000 سهما من أصل 38000 متداولة رسميا ينتج وجوبا زيادة في القيمة.
ومع ذلك، لم تشاهد أي زيادة في أسعار السندات التونسية في السوق الثانويّة. وهذا يعني أنّ الأوراق لم تكن أصلا متداولة فيها. حيث تظاهر ايرلانجي بشراء أوراق ماليّة هي في حقيقة الأمر على ملكه.
إضافة إلى ذلك، تتيح الـ 30.000 سهما لمالكها الحصول على فوائد في كلّ سنة. فكلّما باتت هذه الأسهم في حوزة اميل ايرلانجي، يبقى هو المستفيد من تسديد الفوائد.
النتيجة المباشرة لقرض سنة 1863
كان من المفترض أن يتمّ توظيف هذا القرض الخارجي في إعادة هيكلة الديون الداخليّة والتي تقدّر بـ 30 مليون فرنك فرنسي (للتذكير فإنّ هذه الديون تزايدت بنسبة 60٪ في الفترة الممتدّة بين سنتي 1859 و1862 وذلك بسبب نفقات محمد الصادق باي حيث بالغ في استيراد السلع من الخارج). وكان ذلك، في الحقيقة، لتسوية السندات القديمة بأموال مقترضة من الخارج. وفي الواقع، ففي ذات الوقت الذي تمّ فيه تسوية السندات القديمة، أصدرت السلطات تساكر جديدة (أو رقاع خزينة) بمبلغ مساو. وهذا بالضبط ما يقوله مراقب المالية العمومية فيكتور فيلي : ” في نفس الوقت الذي تتمّ فيه تسوية السندات القديمة في مكاتب ممثّل شركة ايرلانجي في تونس،…يقوم وسيط الحكومة (م. جوتيريز) المقيم في الجوار باسترجاع المال من العموم الذي قبضوه سالفا وذلك مقابل تساكر جديدة صادرة بنسبة فائدة تقدّر بـ 91٪. وبفضل هذا التسديد الكوميدي، ارتفعت المديونية بكل بساطة بـحوالي 15 مليون “. وتمّ تحويل أرباح بيع هذه التساكر الجديدة إلى خزائن الوزير الأكبر وكبار الشخصيات والمقيمين الأوروبيين الأثرياء.
كما كتب نفس المراقب للمالية العمومية: ” إنّ الأموال المتأتية من قرض سنة 1863 [والتي] دفعت نقدا لباردو (يقيم الباي والوزير الأكبر في قصر باردو) … وقع تسجليها في حساب خاص: فلم تدخل في المحاسبة العمومية للحكومة، ولم تدخل في خزائن الدولة، ولا شيء يجعلنا نعتقد أنّه تم صرفها في نفقات عمومية”.
في أقل من سنة، وقع تبديد قرض 1863. وفي الآن نفسه، وجدت الدولة نفسها – ولأوّل مرة في تاريخ تونس- مدينة للخارج بمبلغ كبير جدا. وكانت المستحقّات السنوية للدول الأجنبية غير محتملة. أما بالنسبة إلى التداين الداخلي الذي كان من المفروض أن تتمّ تسويته بالاقتراض الخارجي، فقد تضاعف مرتين. فاختارت حكومة الباي – تحت ضغط الدائنين- نقل الفاتورة إلى الشعب وذلك بزيادة المجبى (الضريبة على الفرد الواحد) بنسبة 100٪.
انتفاضة 1864 نتيجة لقرار رفع ضريبة المجبى 100 % لتسديد قرض سنة 1863
لقد سبّب الرفع في الضرائب سنة 1864 انتفاضة عارمة في البلاد وقد كان رفض الترفيع في ضريبة المجبى المطلب الأساسي للمحتجّين. فما إن انتقلت محلّة الباي إلى داخل البلاد لجمع ضريبة المجبى المقدّرة بـ 72 ريالا حتى اندلعت الانتفاضة. وقد أبرق يوم 10 مارس 1864 نائب القنصل جون هنري ماتاي من صفاقس : ” كلّ القبائل متّفقة على ألّا تدفع شيئا من هذه الضريبة الجديدة البالغة 72 ريالا(…) وكانت مقاطعة كل القبائل مع أول إشارة لانطلاق المحلّة من تونس يعتزمون استخلاص هذه الضريبة” وبعد بضعة أسابيع نقرأ في مراسلة أخرى صادرة عن القنصلية ما يلي : ” إنّ الانتفاضة عامّة وقد انتشرت إلى حدّ وصلت مسير ساعة على بلوغ مدينة تونس ” وحسب شهادات متنوعة فقد كان المنتفضون يتّهمون الحكومة وخصوصا الوزير الأكبر مصطفى خزندار ببيع البلاد للفرنسيين. ويمثّل، من وجهة نظرهم، قرض سنة 1863 الصادر في باريس عن الصيرفي ايرلانجي دليلا على ذلك. وأرسلت فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والإمبراطورية العثمانية سفنا حربيّة إلى المياه الإقليمية التونسيّة لترهيب السكان والتدخّل لإنقاذ السلطات إذا ما خرجت الأوضاع عن السيطرة. وإزاء تلك الاحتجاجات كان الباي قد تراجع وأعلن يوم 21 أفريل 1864 أنّه تخلّى عن مضاعفة ضريبة المجبى وكرّر في جويلية 1864 التنازلات بهدف الوصول إلى اتّفاق مع علي بن غذاهم القائد الرئيسي للانتفاضة ثمّ بدأ حملة قمعية بمساعدة القوى الاجنبيّة وقدّم السلطان العثماني مساعدة ماليّة للباي لبعث فرق عسكرية جديدة ونشيطة للانطلاق في الحملة القمعية وهي مبادرة من السلطان اجتنابا لهيمنة فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.
شرع الباي في القمع الشديد وهو ما سيسمح له بعد ذلك انتزاع أكثر ما يمكن من الضرائب والخطايا من السكان. وكان القنصل الفرنسي قد كتب يوم 4 ديسمبر 1864 إلى وزير الشؤون الخارجية في باريس أنّ ” حكومة الباي تنازلت فورا عن سياسة الرأفة التي بدا أنّه أراد البدء بها… وها هو يعود إلى الشدة والصرامة التي تترجم في سياسة الحديد والتعذيب ليحصل من المحافظات الساحلية على ضرائب حرب باهظة ”. وكتب نائب القنصل إلى قنصل فرنسا مصرّحا: ” إنّه من واجبي إعلامكم بالطريقة البربرية التي رد بها الجنرال زروق الفعل لتنفيذ أوامر الباي فقد عمد إلى سلب السكان الأصليين تماما و تعريض الشيوخ والنساء الذين لم يشاركوا في الانتفاضة إلى التعذيب ”.(من رسالة بتاريخ 16 فيفري 1865). وكتب موظّـــــف فرنــــــسي آخر : ” لم يكن من الممكن فرض الغرامة إلاّ بواسطة العزل والتكبيل والضرب المبرّح والبطش المفرط المتجاوز لكل القوانين حسب قانوننا العام الحالي. ومن بين مظاهر هذا البطش أشير إلى مصادرة الممتلكات والتعذيب الشديد الى حدّ ينجرّ عنه الإصابات البليغة والوفاة واقتحام المنازل … وأخيرا اغتصاب النساء أمام أعين آبائهنّ أو أزواجهنّ وهم مقيّدون بالســــلاسل ”.(1مارس 186). ويضيف جون قانياج : ” في مارس 1865 قدّر اسبينا، نائب القنصل، المبالغ التي انتزعتها الحكومة من الساحل فقط بــ 23 مليون ريال وذلك من أكتوبر 1864 إلى جانفي 1865 دون اعتبار حوالي مليون من الريالات انتزعها عمال الباي لحسابهم الخاص ”.
نظرا إلى أنّ قرض 1863 لم يحسّن الوضعية المالية للبلاد فقد اختار الباي ووزيره الأكبر الهروب إلى الأمام فكانا قد عقدا اتفاقا مع الصيرفي ايرلانجي لإبرام قرض جديد في مارس 1865. فاستدانت تونس بـ 36.78 مليون فرنك بشروط أسوأ بكثير ومخزية مقارنة بقرض 1863. في الواقع إذا كانت سندات ذات المقدرة بـ 500 فرنكا كانت قد بيعت في 1863 بثمن يساوي 480 فرنكا فإنّ السندات الجديدة تم بيعها بـ 380 فرنكا، أي بنسبة 76 % من قيمتها الاسمية.
يدفع مَن يشتري سهما قيمة 500 فرنك مبلغ 380 فرنكا. وللحصول عليه يتمّ كل سنة خصم قسيمة بـ 3 فرنكات طيلة 15 سنة ( ما يساوي 525 فرنكا) تنضاف إلى الـ 500 فرنك في استحقاق 1880. وبذلك يحصد مستثمر لـ 380 فرنكا 102 فرنكا أي يحصل على ربح مقدّر بـ 645 فرنكا وكان مغريا للغاية. لقد كانت نسبة الفائدة نظريا 7 % ولكن نظرا إلى القسيمة السنوية ترتفع كل عام بـ 35 فرنكا فإنّ العائد الفعلي هو 9.21 % (35 / 380).
إذا ما نظرنا إلى المسألة من وجهة نظر الدولة التونسية المقترضة، فإنّ الديون الجديدة المرتبطة بقرض سنة 1865 ترتفع إلى 36.78 مليون فرنك، غير أنها لم تحصل إلاّ على أقل من 20 مليون فرنك بقليل لأنّ مصاريف السمسرة والرسوم الموظّفة من طرف الصيرفي ايرلانجي وشركائه موربورغو – أوبنهايم ارتفعت إلى 18 %. ويجب أن نضيف إلى ذلك إلى أنّ حوالي 3 ملايين فرنك تمّ اختلاسها مباشرة ذهب نصفها إلى الصيارفة والنصف الآخر للوزير الأكبر وشركائه. ويمكننا تقييم الحصيلة في الأرقام الثلاثة التالية :
ارتفاع القرض الجديد الذي تمّ إبرامه سنة 1865 إلى 36.78 مليون فرنكا.
يقدّر المبلغ الذي تمّ الحصول عليه فعليّا بأقلّ من 20 مليون فرنك.
يبلغ مجموع ما يجب تسديده في 15 سنة 75.4 مليون فرنك.
لقد حقق الصيارفة صفقة جيّدة للغاية فدون أن يستثمروا شيئا كانوا قد جنوا عند الإصدار حوالي 6.5 مليون فرنك بعنوان مصاريف ورسوم السمسرة والسرقة بكل بساطة. وقد تم بيع كل السندات في بضعة أيام. لقد كانت تسود في باريس نشوة مصدرها سندات ديون البلدان المسلمة (تونس ومصر والامبراطورية العثمانية) التي كانت تعتبر بمثابة ”قيم العمامة”. لقد كان الصيارفة يدفعون للصحافيين على تحاريرهم لنشر الاخبار الجديدة المطمئنة تماما ففي حين كان الاقتصاد والمالية التونسيان في ركود تامّ كتبت الأسبوعية الباريسية ‘الأسبوع المالي’ حول قرض 1865 : ” إنّ باي تونس اليوم لهو اليوم تحت الحماية المعنوية لفرنسا التي من مصلحتها دعم ازدهار الشعب التونسي بما أنّ ذلك الازدهار يحقّق مزيدا من الأمن بالنسبة إلى الجزائر ”.
ولم تقف حيل الصيارفة ايرلانجي وموربورغو – اوبنهايم عند هذا الحدّ وليس لعدم الرضى بإقراض تونس بشروط قاسية بل كانوا قد تدخّلوا بنشاط ليتمّ إنفاق الأموال المقترضة في مجالات تحقّق لهم أرباحا. ويمكن أن نقدّم على ذلك مثالين : فقد أقنعوا الباي أن يشتري من سمسار من مرسيليا يدعى أوديبار سفينتين غير صالحتين للاستعمال بسعر أخريين جديدتين (250.000 فرنك). وحسب المتفقّد المالي فيكتور فيي فإن أيميل ايرلانجي الذي كان قد تعهّد بتسليم 100 مدفع من الطراز الجديد مقابل مليون فرنك، فإنّه لم يوفّر في الحقيقة ” إلاّ مدافع قديمة تمّ مضاعفة اسطوانتها بطريقة الغطاء الأنبوبي المكسوّ بالغراء. لقد كان الغشّ فضيحة كبيرة إذ نعلم جيّدا أنّ هذه المدافع لم تكلّف المزود ســــــــوى 200.000 فرنك تقريبا ”. فلا غرو إن قائمة اللوازم والإمدادات التي تتضمن علامات الاحتيال الواضحة هي قائمة طويلة. ومن جهة أخر فقد تحصّل ايرلانجي من الباي لزْمة مصنع القماش بطبربة كضمان على القرض.
الديون التي تمّت مراكمتها في الفترة الفاصلة بين 1863 – 1865 أدّت إلى وضع البلاد التونسية تحت الوصاية
لقد وضعت القروض المتراكمة طيلة السنوات 1863 – 1865 البلاد التونسية تحت رحمة الدائنين الخارجيين وفرنسا كذلك. فبكل بساطة لقد كان من المستحيل على تونس أن تنجح في تسديد المبالغ المطالبة بها. وقد مكّنت المداخيل الاستثنائية للجباية على إثر موجة القمع في نهاية 1864 وبداية 1865 من توفير مبلغ هام في الخزينة العامة (30 مليون ريالا وهو مبلغ يتجاوز أرفع كثيرا من موارد الدولة في السنة السابقة). ولكن لقد تمّ تبديده بسرعة في سداد الديون وكذلك في الإنفاق على مصاريف جديدة على كماليات وتتعارض مع مصالح المواطنين.
لقد كانت حصيلة الإنتاج الزراعي في سنة 1867 رديئة للغاية وبالإضافة إلى ذلك فقد اختار الباي تصدير منتجات فلاحية لتوفير الموارد وأفضى ذلك إلى نقص في المواد في مناطق كثيرة من البلاد وإلى انتشار وباء الكوليرا بسبب حالة الهشاشة لدى جزء من السكان (سحقتهم الجباية وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية) وغياب النفقات العمومية المخصصة للصحة. وهناك حديث عن 5000 حالة وفاة في العاصمة بسبب المجاعة بالأساس و20.000 في عموم مناطق تونس.
وعلى الصعيد الدولي أصبح المصرفيون مقرورين فجأة وكانوا في كلّ الأحوال يفرضون مبالغ أرفع من ذي قبل. وفي سنة 1866 ألحقت المكسيك بقوّة التدخّل الفرنسية هزيمة عسكريّة ساحقة وعقب ذلك كانت قد ألغت دفع الديون للصيارفة الفرنسيين ومالكي السندات المكسيكية (خصوصا تلك التي بيعت في باريس من طرف الصيرفي ايرلانجي سنة 1864 وفي سنة 1865) معتبرين تلك الديون كريهة. ونتيجة لذلك فلم ينجح الباي ووزيره الأكبر في التمكّن من إبرام قرض كبير جديد في باريس أو غيرها، فقد كانا يسعيان إلى الحصول على قرض بـ 100 مليون غير أنّ ذلك السعي انتهى إلى خيبة. وبالفعل، ففي فيفري 1867 وقّعا على قرض جديد مع الصيرفي ايرلانجي. ففي حين كان ايرلانجي يرجو أن يبيع بباريس 200.000 من السندات التونسية غير أنّه لم يبع منها بعد بضعة أسابيع سوى 11.033 فلم يعد له حماس للقيم التونسية. وفجأة التجأ الباي إلى القروض ” الصغرى” ذات نسب فائدة ربوية من صيارفة باريسيين مثل ألفونس بينار مدير كونتوار دي اسكونت بباريس الذي قدم في جانفي 1867 بباريس قرضا بـ 9 مليون فرنك. أما روتشيلد الذي تم الاتصال به فقد كان لا يريد أن يُقرض تونس أمّا اوبنهايم وآخرون فقد فرضوا نسبا بـ 15 %..
انطلاقا من 1867 كان الباي قد علّق جزئيّا سداد الديون الداخلية والخارجية. وقد أدّى ذلك ببينار، مدير كونتوار دي اسكونت بباريس إلى مقاضاة تونس لدى محكمة السان الجزائية بسبب عدم تنفيذ بنود عقد قرض الــ 9 مليون فرنك المبرم في جانفي 1867. وكان ألفونس بينار قد طلب أن يحوز على بالخصوص على عائدات الجمارك التونسية وكذلك العائدات المتأتية من صابة الزيتون. وصدر الحكم في شهر اوت 1867 بخسارة بينار الدعوى التي رفعا وتمّ تعليله بأنّ : الإيالة التونسية بلد أجنبي ولا يخضع اختصاص المحكمة.
استخدم ألفونس بينار وصيارفة آخرون استراتيجية أخرى تتمثّل في تكوينهم لنقابة ممتلكي السندات التونسية وفيها نجد الصيرفي جوزيف هولاندير مدير بنك هولندا الذي سيصبح لاحقا صهرا لبينار. وتكفّلت هذه النقابة بـ ”مساعدة” حكومة الباي على تسديد الوصول. ونجحت لاحقا فيما بين سنتي 1869 و1870 في أن تكون ممثّلة مباشرة في الكومسيون المالي الدولي الذي أصبحت المالية التونسية تحت تصرفه وحقق نجاحا تاما في إستحلاب تونس و الباي.
من الواضح أنّ الديون المبرمة فيما بين 1863 و1867 هي ديون كريهة بالنسبة إلى الشعب التونسي. فهي تطابق حرفيا التعريف الذي قدّمه سنة 1927، ألكسندر ناهوم ساك أستاذ القانون بباريس وصاحب نظريّة الديون الكريهة، يقول : ” إذا ما أبرمت سلطة استبدادية دينا لا يتماشى مع مصالح الدولة ولكن بهدف تعزيز نظامها الاستبدادي ولقمع المواطنين الذي يناضلون ضده فإنّ ذلك الدين كريه بالنسبة إلى عموم مواطني تلك الدولة. إنّ ذلك الدين ليس إلزاميا بالنسبة إلى الأمّة بل هو دين النظام ودين شخصي للسلطة التي أبرمته وتبعا لذلك فإنّه يسقط بمجرّد سقوط تلك السلطة”.
ويضيف في مكان آخر :” يمكننا أيضا أن ندرج ضمن هذه الفئة من الديون القروض المبرمة بشكل واضح لأهداف ومصالح شخصية لأعضاء الحكومة أو لأشخاص ومجموعات مرتبطة بالحكومة، أهداف لا علاقة لها بمصالح الدولة”. وينطبق هذا تماما على سلوك الوزير الأكبر مصطفى خزندار ومسؤولين آخرين في نظام البايات.
ويؤّكّد ساك كذلك على أنّ دائني هذه القروض حين يقرضون وهم على علم بحقيقة النظام فإنّهم ” قد ارتكبوا عملا عدائيا ضد الشعب فلا يمكنهم إذن يطالبوا أمّة تحررت من نظام استبدادي أن تتحمّل ديونا “كريهة” التي هي ديون شخصية لتلك السلطة”. ويعلم المصرفي ايميل ايرلانجي والمصرفي ألفونس بينار وشركائهما جيّدا أنّ المبالغ المقرضة لم تكن في خدمة المصلحة العامة وفضلا عن ذلك فقد كانوا، كما برهنا على ذلك، فاعلين مباشرين في عملية الاحتيال.
وفضلا عن سياسة إصدار ايميل ايرلانجي سندات عالية المخاطر على الصعيد المالي وكريهة على الصعيد القانوني فإنّه يجدر التذكير كذلك أنّه في نفس الفترة قد أصدر سنة 1864 و1865 سندات مكسيكية لحساب الدولة- الدمية التي ركزها الجيش الفرنسي في المكسيك وعلى راسها ماكسيميليان دوتريش الذي تمّت تصفيته في جوان 1867. وفي سنة 1863 أصدر ايرلانجي في باريس ولندن قرضا بـ 15 مليون دولار لفائدة الدول الداعمة للعبودية في الجنوب (الكونفيدراليون) معوّلا على القطن وقد مكّنه ذلك من تحقيق ربح فوري يقدّر بحوالي 4 مليون دولار.
لقد اعتبر القادة الفرنسيون منذ اندفاعهم نحو احتلال الجزائر سنة 1830، أنّ فرنسا من حقّها أن تبسط نفوذها الاستعماري على تونس. وكان عليهم أن يجدوا الدعوى التي سيتعلّلون بها والوقت المناسبيْن. ولقد كانت هناك أولويات أخرى سواء على الصعيد الداخلي أو في القارة الأوربية أو في أماكن أخرى من العالم. وفي العالم العربي كانت مصر أولوية لأسباب جيو – استراتيجية إذ توفّر إمكانية الوصول مباشرة إلى آسيا عبر فتح قناة السويس بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والوصول إلى إفريقيا السوداء عبر نهر النيل والقرب من الشرق عبر الطريق البرية إضافة إلى المقدرات الفلاحية لمصر فكان هناك تنافس بين بريطانيا العظمى وفرنسا حول مَن مِن القوّتين سيراقب مصر وهو ما يتيح له أسبقية استراتيجية على الآخر. وكان نابليون قد فهم ذلك وبدأ بتطبيقه عبر حملته على مصر سنة 1798.
لم يكن الاستيلاء على تونس يمثّل أوليّة خصوصا وأنّ استقرار الهيمنة الفرنسية على الجزائر كان باهظا نظرا إلى المقاومة التي وجدتها فرنسا. ولم يكن السند الشعبي في فرنسا للسياسة الاستعمارية الجديدة مضمونا بالمرّة ففي سنة 1860 انقلب إدارة الاستيلاء على المكسيك إلى كارثة وكما تمت الإشارة إلى ذلك أعلاه فإنّ لويس نابليون بونبارت اضطرّ إلى سحب الجنود الفرنسيين من الأراضي المكسيكية سنة 1866 إزاء انتصار الهجوم المضاد للقوى التقدميّة المكسيكية واضطر إلى مواجهة إلغاء الديون التي كانت تطالب بها البنوك الفرنسية في المكسيك (حوالي 60 مليون فرنك) وكان نابليون الثالث في نهاية 1867 منشغلا أيضا بتقدّم القمصان الحمر الجمهوريين لغاريبالدي التي تهدد بالسيطرة على روما التي كانت في حماية فرنسا
ومع ذلك، فإنّ القنصل الفرنسي في تونس وهو الوزير المفوّض لفرنسا لدى باي تونس، كان اهتمامه منصبا على البحث عن كيفية إخضاع تونس للحماية أو بكل بساطة غزوها والاستيلاء عليها ويعتبره أولوية بل كان ذلك بالنسبة إليه هاجسا رئيسيا. وتشهد على ذلك الأعمال والإجراءات التي قام بها مختلف القناصل الذين تعاقبوا على تونس. وكان القنصل الفرنسي شارل بوفال في أوج انتفاضة 1864 يناور على واجهتين فلئن كانت فرنسا تساند رسميا الباي فإنّ القنصل كان يتفاوض مع علي بن غذاهم القائد الرئيسي للانتفاضة في صورة إذا ما تقرر الإطاحة بالباي. وقد كتب في 30 ماي من سنة 1864 ما يلي :” سيكون جديرا بالإمبراطور أن يوحّد لاحقا كل قبائل تونس في كونفدرالية عربية صغيرة” وفي شهر سبتمبر 1865 وحسب المؤرخ جون قانياج فإنّ ” الشؤون التونسية كانت وضوع نقاش في مجلس وزاري تراسه الامبراطور وقد اقترح حاكم الجزائر الماريشال دي ماك ماهون بعد استشارته، إرسال قوّة تدخّل سريع إلى تونس وقدّم في ذلك مشروعا مفصّلا حول تنظيم قوة التدخل وسبل تسييرها. غير أنّ هذا المخطّط ذهب إلى ما هو أبعد بكثير من نوايا الحكومة ” وبعد ذلك بسنتيْن، وحسب جون قانياج دائما، فإنّ : ” القنصل بوتيليو لم يكن يرى حلا آخر غير احتلال فرنسا لتونس وإلحاقها نهائيا بالجزائر أو احتلالها مؤقتا بفرض معاهدة ”.
من ناحية أخرى كانت التصريحات العنصرية في مراسلات ممثلي فرنسا في تونس كثيرة للغاية كما تشهد على ذلك رسالة مؤرخة في 2 ديسمبر 1867 وجهها القنصل بوتيليو والتي استنكر فيها ” أخلاق العرب وعدم كفاءتهم في العمل وعاداتهم في النفاق والكذب والرشوة…”
إنّ اقتراح إنشاء كومسيون مالي دولي يراقب المالية التونسية تمت صياغة خطوطه العريضة من طرف الوزير الفرنسي للشؤون الخارجية المركيز موستيي في جانفي 1868 إذ صرّح : ” يبدو إذن أنّ جهودنا يجب أن تكون أهدافها، قبل كل شيء، إذا كان ذلك ممكنا ضمان الإدارة السليمة للموارد التي تعهدت بها حكومة الباي وذلك بالتمكّن من إقامة رقابة جدّية على عائدات الجباية التي أصبحت اليوم في تحت تصرف أيادي لا كفاءة لها أو غير وفية ويجب علينا أن نقطع خطوة كبرى إلى الأمام نحو الهدف الذي نسعى إليه. وفي صورة إذا ما تمّ قبول تطبيق هذا المبدإ فإنّه يمكننا أن نعهد بالعلاج إلى كومسيون تكون تونس مقرّه. ”
تبنّى الباي في أفريل 1868 وبأمر من ممثّلي فرنسا، مشروع مرسوم ينشئ الكومسيون المالي الدولي . وبعد ذلك بـ 15 شهرا وبعد أن حازت فرنسا على الموافقة النهائية من بريطانيا العظمى وإيطاليا، تمّ تبنّي المرسوم النهائي من طرف الباي. ويمثّل نصّ جويلية 1869 عمليا، مظهرا حقيقيا لإخضاع تونس للدائنين. وللفصل التاسع بصفة خاصة أهمية كبيرة لأنّه ينصّ صراحة على أنّ الكومسيون يحصل على كل إيرادات الدولة دون أدنى استثناء. ويضيف أنّه لا يمكن إبرام أيّ عقد اقتراض دون موافقة الكومسيون. أمّا الفصل الثالث فيؤكد بأنّ، في المجال الديبلوماسي، ممثل فرنسا هو الشخصية الأهمّ في الكومسيون المالي ويتمّ تعيينها من الامبراطور الفرنسي. ويكتفي الباي في الحقيقة بالمصادقة لا غير والكومسيون وحده هو مَن يحدّد مقدار الديون بدقّة. ويمثل ذلك من وجهة نظر البنوك الدائنة مسألة جوهرية لأنّ الكومسيون سيتولى إعادة هيكلة ديون تونس وهو الذي سيحدّد ما إذا سيكون هناك تخفيف في هذه الديون أم لا. ويحظى الفصل العاشر بدوره بأهمية كبرى بالنسبة إلى البنوك الفرنسية لأنّه يؤكد أنّ ممثليْن اثنيْن لهذه البنوك يكونان في تركيبة الكومسيون. وبالفعل، فما إن تمّ تأسيس الكومسيون في نوفمبر 1869 كانت نقابة أصحاب سندات الديون التونسية، والي يديرها المصرفي الباريسي ألفونس بينار، قد قد حصل على ممثل في الكومسيون وحصل نفس الشيء بالنسبة إلى المصرفي ايرلانجي وكان الدائنون الانكليز والايطاليون الحاصلون على سندات الديون الداخلية أيضا ممثلين في الكومسيون.
مرسوم باي تونس لتأسيس الكومسيون المالي الدولي
لقد رأينا أنّه من الضروري لمصلحة الايالة ورعايانا والتجارة، تنظيم كومسيون مالي متطابق مع مشروع المرسوم الصادر في 4 أفريل من السنة الفارطة والذي تمت المصادقة عليه في مرسومنا الصادر في 24 ماي من نفس السنة على النحو التالي :
الفصل الأول
يجتمع الكومسيون الصادر قرار إنشائه في مرسومنا لـ 4 أفريل 1868، في عاصمتنا في ظرف أقصاه شهر
الفصل الثاني
يتفرّع الكومسيون إلى لجنتيْن منفصلتين: لجنة تنفيذية ولجنة مراقبة.
الفصل الثالث
تتركّب اللجنة التنفيذية كما يلي : موظفان من حكومتنا نتولّى تسميتهما بنفسنا ومتفقّد مالي فرنسي نتولّى كذلك تسميته بنفسنا ويعيّن من طرف حكومة الامبراطور.
الفصل الرابع
تتكفّل اللجنة التنفيذية بمعرفة الوضع الحالي لمختلف ديون المملكة والموارد التي بواسطتها تكون الحكومة قادرة على سداد تلك الديون
الفصل الخامس
تفتح اللجنة التنفيذية سجلاّ تدوّن فيه كل الديون المبرمة داخل المملكة وخارجها على السواء والتي تتكوّن من تسكرة أو سندات الخزينة، كذلك التزامات قرض 1863 وقرض 1865. أمّا بالنسبة إلى الديون التي لن تراقبها العقود العمومية فإنه يتوجب على أصحاب السندات أن يتقدموا إلى اللجنة في أجل أقصاه شهرين. ولهذا الغرض تسهر اللجنة التنفيذية على أن يتمّ نشر إشعار في الجرائد التونسية وفي الخارج.
الفصل السادس
تسعى اللجنة التنفيذية إلى معرفة كل الوثائق الاصلية للموارد والمصاريف وتوفر لها وزارة المالية كل الوسائل لتحقيق ذلك.
الفصل السابع
تبحث اللجنة التنفيذية، واضعة ميزانية الموارد في مواجهة ميزانية الإنفاق وارتفاع حجم الديون، عن سبل إقامة توزيع منصف للموارد العمومية، آخذة بعين الاعتبار، في نسبة عادلة، كل المصالح. وتضع جدول الموارد التي يمكن اضافتها إلى جملة الضمانات التي تمّ منحها بعدُ إلى الدائنين.
الفصل الثامن
تتّخذ اللجنة التنفيذية كل الترتيبات المتعلّقة بالديْن العامّ وسنمنحها كلّ الدعم اللازم لضمان تنفيذ الإجراءات المتّخذة في هذا الشأن.
الفصل التاسع
تجمع اللجنة التنفيذية كلّ موارد الدولة دون استثناء ولا يمكن إصدار أيّ رقاع للخزينة أو أي قيمة كانت دون موافقة اللجنة المذكورة المخوّل لها من طرف لجنة المراقبة. وإذا ما كانت الحكومة مضطرة، بمشيئة الله، أن تبرم قرضا فإنّه لا يمكنها ذلك إلا بعد الموافقة المسبقة للجنتيْن.
كل التساكر التي يتمّ إصدارها بالمبلغ المخصّص من طرف الكومسيون لمصاريف الحكومة يجب أن تكون مسجّلة باسم الكومسيون وتتضمّن تأشيرة اللجنة التنفيذية. ولا يجب أن تتجاوز هذه التساكر المبلغ المثبت في ميزانية التصرّف.
الفصل العاشر
تتركّب اللجنة التنفيذية كما يلي : عضوان فرنسيان يمثّلان دائني قرضيْ 1863 و1868 وعضوان انجليزيان وعضوان ايطاليان يمثّلان مالكي رقاع الديون الداخلية.
سوف يتلقّى كل مندوب من هؤلاء مباشرة تفويضا من مالكي سندات القروض والتحويلات في مملكتنا تقدّم من طرفنا حسب الأصول تحت رقابة اللجنة التنفيذية.
الفصل الحادي عشر
تقرّ لجنة الرقابة كلّ العمليّات التي تقوم اللجنة التنفيذية. وتتكفّل بالتثبّت فيها والموافقة عليها إذا لزم الأمر. وستكون الموافقة عليها ضرورية لمنح التدابير ذات المصلحة العامة التي تصدرها اللجنة التنفيذية صبغة تنفيذية.
الفصل الثاني عشر
يُكلّف وزيرنا الأكبر بتنفيذ مضمون الفصول الاحد عشر السالفة الذكر. وسوف نسمي العضوين ونطلب مراقب المالية الفرنسي في أقرب أجل ممكن.
حررت هذه الفصول الاثنتي عشر بقصر حلق الوادي في 26 ربيع الأوّل 1286 ( جويلية 1869).
إعادة هيكلة الديون التونسية عام 1870
لقد كانت إعادة هيكلة الديون من بين المهام الأساسية والعاجلة. وكان فيكتور فيي، متفقد المالية الذي عيّنته فرنسا، يشتغل على ذلك، فهو كما أشرنا إلى ذلك سابقا الشخصية الرئيسية للكومسيون. وكان في ديسمبر 1869 قد اقترح على الكومسيون التخفيض إلى أكثر من النصف الديون التي تم تقدرها بالقيمة الاسمية بـ 121 مليون فرنك. وكان متوقعا أن تبلغ الديون المخفضة والمعاد هيكلتها 56 مليون فرنك.
رفض ممثلو البنوك اقتراح المتفقد المالي وتحصلوا على مساندة حكوماتهم وخصوصا موافقة حكومة لويس نابليون بونبارت المرتبط بعالم المال في فرنسا ارتباطا وثيقا. ولم يتم منح تونس أي تخفيض في ديونها بل بالعكس فقد تحصلت البنوك على رفعها بـ 125 مليون فرنك. إنّه انتصار تامّ للبنوك ممثلة في مندوبيْها ألفونس بينار وايميل ايرلانجي. فكانوا قد اشتروا من البورصة أسهم 1863 و1865 (تم إصدارها لحساب تونس) بـ 135 أو 150 فرنك وحصلوا بعد المضاربة للتخفيض في قيمتها وبفضل إعادة الهيكلة سنة 1870 على مبادلة تلك الأسهم بثمن 500 فرنك. عمليا فإنّ سهما قديما لسنة 1863 أو 1865 بقيمة 500 فرنك-كانوا قد اشتروه بـ 150 فرنك -تمّت مبادلته بسهم جديد بـ 50 فرنك. إنّها حقيقة لصفقة أفضت إلى ديْن كريه جديد.
ويتعلّق الأمر كما عبّر عن ذلك المؤرخ نيكولا ستوسكوبف بتشديد عقدة الحبل الذي التف حول عنق الباي نفسه فقد كتب ستوسكوبف معبّرا عن حصيلة عمل المصرفي بينار الذي كان يقود نقابة مالكي الأسهم : ” منذ 1867 مكّن إفلاس تونس من المرور إلى المرحلة الموالية. ففي المفاوضات القاسية والمناورات المتعاقبة لم يكفّ بينار عن جني الأرباح المنتظرة فالسخرية من المستثمرين الفرنسيين مثلما كان مصير التونسيين وكذلك عبر نجاعة مميزة لمستثمر مالي لا نظير له تمكّن في النهاية، أثناء توحيد الديون التونسية في 1870، من ربح 13 مليون على الـ 5 ملايين التي كان قد تمّ توظيفها من طرف النقابة”.
وقد كانت السلطات التونسية متواطئة بشكل كبير في هذا النهب للموارد العمومية. فقد تمكّن مصطفى خزندار ومسؤولون آخرون في النظام – دون أن ننسى بقيّة التونسيين الأثرياء الذين يملكون قسطا كبيرا من أسهم الديون الداخلية- من تحقيق أرباح طائلة أثناء إعادة هيكلة الديون. وكما هو الحال في أغلب البلدان فإنّ الطبقات المهيمنة المحليّة تكون متضامنة مع الدائنين الدوليين لأنّ قسطا من مواردها تجنيه هي نفسها من سداد الديون. لقد كان هذا صحيحا في القرن التاسع عشر وهو الحال كذلك في القرن الحادي والعشرين. وليس عليك تفكر كثيرا كي تعرف من خزندار تونس الآن من هو و من المستفيد من ديون تونس الآن.
قرّر الصيرفيان ألفونس بينار وايميل ايرلانجي الانسحاب من تونس فقد تمّ التعويض لهما وهما راضيين بذلك تمام الرضى. فقد نجح ايرلانجي في تكوين امبراطورية مالية بفضل عمليات في تونس خصوصا وقد وضع يده على بنك القرض العقاري بباريس وبعد سنوات من ذلك وضع يده على وكالة الانباء الدولية هافاس الشهيرة. أّمّا ألفونس بينار فقد واصل من جانبه أنشطته في فرنسا وخارجها في دول العالم مساهما بذلك في تكوين بنك السوسيتي جينرال (أحد أهمّ البنوك الفرنسية الثلاثة اليوم) وكذلك في إنشاء بنك آخر تحوّل بمرور الزمان إلى اسم بنك ب. ن. باريبا (BNP وهو أهمّ البنوك الفرنسية حاليا)
يلخّص هذا المقطع من كتاب رأس المال لكارل ماركس المنشور في 1867 جيّدا الدور الذي تلعبه المديونية العمومية : “إنّ نظام الإقراض العمومي، أي الديون العمومية، الذي وضعت أساسه البندقية وجنوة في العصور الوسطى اجتاح أوروبا نهائيا أثناء االعصر المانيفكتوري (…) إنّ الدين العمومي، بعبارة أخرى هو اغتراب الدولة سواء أكانت استبدادية أو دستورية أو جمهورية، إنّه ببصمته هذه علامة على العصر الرأسمالي (…) يشتغل الدين العمومي باعتباره أحد الفاعلين الأكثر حيوية للتراكم البدائي (…) ومع الدين العمومي وُلد نظام تداين عالمي يخفي غالبا أحد مصادر التراكم البدائي عند هذا الشعب أو ذاك”.
ويضيف : ” إنّ كبرى البنوك منذ نشأتها وهي مزدانة بالأسهم الوطنية، لم تكن سوى جمعيات للمضاربين الخواص قائمة إلى جانب الحكومات ووصل بها الأمر إلى أن تقرضها المال العام وذلك بفضل الامتيازات التي تحصّلت عليها (…) لقد منح الدين العمومي دفعا للشركات المساهمة وللمتاجرة بكل أشكال الأوراق المالية المتفاوض في شأنها وكل العمليات العشوائية والتكهنات وفي الجملة لكل ألعاب البورصة والبيروقراطية البنكية المعاصرة ”.
كما هو منصوص عليه في الفصل التاسع من مرسوم إنشاء الكومسيون المالي الدولي في جويلية 1869 فإنّ لأعضائه رقابة على موارد الدولة. ورغم ذلك فإنّ السياسة الاقتصادية المفروضة لسداد الديون قد أفضت إلى ركود اقتصادي لأنّ الدولة لم تنجز أي استثمار عمومي منتج ولم تنفق من أجل تنشيط الاقتصاد وسحقت الضرائب المنتجين الصغار المحليين سواء أكانوا ريفيين أو حضريين. ونتيجة لذلك لم تعد عائدات الضرائب كافية لتسديد الديون البالغة 125 ملون فرنك.
انسحب الأعضاء الممثلون للبنوك من الكومسيون المالي الدولي منذ 1871 لأنّهم نالوا مبتغاهم ولم تعد هناك أرباح يمكن جنيها من أشغال الكومسيون الذي واجه اخفاق السياسات التي أملاها منذ 1869. ومن علامات هذا الفشل طرد الوزير الأوّل مصطفى خزندار الذي شغل هذا المنصب منذ 36 سنة وأُلزم بالإقامة الجبرية لأنّ الاختلاسات والرشوة التي كان مسؤولا عنه تمّ إثباتها تحت ضغط فرنسا.
وكان خير الدين التونسي، معوّض مصطفى خزندار، قد حاول إجراء بعض الإصلاحات لكن دون جدوى وتم عزله سنة 1876 لأنه بالخصوص لم يفضّل مصالح المؤسسات الفرنسية بالقدر الكافي و كان يريد نفض يد فرنسا و الدائنين عن تونس. وكان خير الدين يرجو أيضا أن يحصل على تخفيض لفوائد الديون التي كان سيسددها لكن ذلك كان كثيرا.
لقد كانت أوضاع الحرفيين التونسيين كارثية لأنّهم لم يكونوا قادرين على منافسة البضائع المستوردة من أوروبا وذلك بعد اتفاقيات تحرير التجارة أما الفلاحون فقد كانوا يتدبرون امرهم ولم يكن يوجد أيّ مصنع هامّ ولم تتجاوز شبكة السكك الحديدية بضع عشرات الكيلومترات (تونس -حلق الوادي وتونس – المرسى) ولم تكن شوارع مدينة تونس معبدة ولا وجود لنظام الصرف الصحي.. يعني إنتهى دور جمع المال و إنتهى دور تونس و يجب المرور للهدف الذي يليه وهو مصر فانطلق المخطط و كانت نقطت البداية عندما أعلمت كلّ من ألمانيا وانجلترا فرنسا أثناء مؤتمر الأمم المنعقد ببرلين في جوان 1878، أنّه يمكنها أن تحصل على تونس كما كانت ترغب في ذلك.
وكانت ألمانيا بقيادة أتو فون بسمارك، الذي ألحق بفرنسا هزيمة ساحقة في 1870 – 1871 (كانت قد سجنت لويس نابليون بونبارت في سودان واحتلت الالزاس واللوران وحصلت على تعويضات)، تعتبر أنّه يجب تقديم هدية عزاء للقادة الفرنسيين الجدد. ولم تكن تونس تمثل أيّ إغراء بالنسبة على ألمانيا وكان بسمارك يعتبر أنّه إذا ما ركّزت فرنسا على غزو تونس بموافقته فستكون أقل طلبا فيما يخص استعادة الالزاس واللوران. أما بالنسبة إلى أنجلترا التي كانت تمنح الأولوية في البحر الأبيض المتوسط إلى المنطقة الشرقية (قبرص ومصر وسوريا…). إضافة إلى أن عيون فرنسا كانت منصبة على احتلال تونس. وكان اللورد ساليسبوري، ممثل أنجلترا، صرّح لنظيره الفرنسي قائلا : ” خذوا تونس إذا أردتم فإنّ إنجلترا لن تعارض ذلك وستحترم قرارتكم واضافة إلى ذلك فإنّه لا يمكن أن تتركوا قرطاج في أيدي البرابرة.” وكتب وزير الداخلية الفرنسي من جانبـــــــه : ” لقد أخبرنا بسمارك أنّ بإمكاننا أن نستولي على تونس دون أن يكون لديه أي مانع ” وقد ناقشت الحكومة الفرنسية المسألة مطوّلا لكن دون أن تمرّ إلى الأمور العملية لأنّه كان لديها أولويات أخرى. وفي ذلك الظرف بقي قنصل فرنسا في تونس يبحث عن الفرص السانحة كي يرتكب الباي زلّة من الزلاّت يمكنها أن تبرّر التدخّل العسكري لفرنسا.
وفي النهاية تم المرور إلى الأمور العملية سنة 1881 حين أعلنت الأغلبية في الحكومة الفرنسية عن موافقتها على غزو تونس وقد كان مبرّر هذا الغزو ”ابتزازات” قبيلة خمير.
وأقدم أصحاب البنوك الذين تمّ إعلامهم بنوايا الحكومة، على شراء أسهم الديون التونسية بكثافة في بورصة باريس فبعد أن كان سعر السهم في جانفي 1881 يساوي 330 فرنكا أصبح قبيل التدخل الفرنسي بـ 487 فرنكا.(بقيمة اسمية قدرها 500 فرنك) وهو مبلغ لم يصل إليه سعر السهم الواحد سابقا. وقد كان المنطق الذين يقود أصحاب البنوك غيرهم من الماليين بسيطا فإذا ما أصبحت تونس تحت الحماية الفرنسية فإنّ فرنسا ستعيد هيكلة الديون مرة أخرى وستعوّض للدائنين ولم يجانبوا الصواب في الحقيقة فقد تمت إعادة هيكلة الديون سنة 1884 أثناء الدورة الثانية من حكم جيل فيري وكان قد تم جعل الخزينة العمومية تساهم في إرضاء أصحاب البنوك.
وكانت وكالة هافاس التابعة للصيرفي ايرلانجي منذ 1879 تشارك في حملة إعلامية مساندة للتدخل الفرنسي واحتلال تونس.
لم تكن فرنسا إذن تنتظر فرصة مناسبة لتنفيذ هذا الاتفاق. غير أنّ الصعوبة بالنسبة إلى جيل فيري رئيس المجلس الحكومي أن ذلك يعني اجتياحا عسكريا وعليه يتوجب إذن اقناع مجلس النواب بذلك. لذلك فإنّ الديبلوماسية الفرنسية لم تكفّ عن افتعال حادث أو إيجاد فرصة من شأنها أن تبرّر التدخّل العسكري. وقد كان القنصل الفرنسي تيودور روستان يناور لتحقيق ذلك فقد كتب في سنة 1880 إلى البارون كورسال الذي كان شديد التأثير على الديبلوماسية الفرنسية. يقول : ”يجب علينا أن نعدّ دوافعنا للعمل قبل إعداد وسائل تحرّكنا وإنّ حماقة الحكومة التونسية ستساعدنا على ذلك ”. لقد منح الخلاف الذي نشب بين قبيلة أولاد نهدي الجزائرية وأبناء قبيلة خمير التونسية الفرصة لفرنسا لإطلاق تدخل عسكري ضخم. وفي نهاية فيفري 1881 وعلى إثر تفاقم المشاحنات بين القبيلتين هاجم أبناء قبيلة أولاد نهدي الجزائرية نجعا لقبيلة خمير التونسية وقتل في الأحداث 5 من أولاد نهدي و3 من خمير.
وقد عبّر القنصل الفرنسي مبتهجا فقال : ” لم نتمكن من العثور على فرصة أفضل من هذه للتحرك هنا ووحدنا لأنّها مسألة لا علاقة للقوى الأخرى بها ”.
وفي 30 و31 مارس هاجم ما بين 400 و500 شخص من قبيلة خمير مرتين قبيلة أولاد نهدي ثأرا لقتلاهم وكان الهجوم في الأراضي الجزائرية ولكن الفرق العسكرية الفرنسية دفعتهم إلى أراضيهم وقد أسفرت المواجهات عن مقتل 6 جنود فرنسيين.
وحصل جيل فيري على تزكية من البرلمان لــ ”إعادة بسط النظام” وإليكم الطريقة التي قدّم بها جيل فيري طلب الموافقة على الحرب يوم 11 أفريل 1881 وهي طريقة تنمّ بوضوح عن نفاق ومغالطات، يقول : إنّنا ذاهبون إلى تونس لمعاقبة المخالفات التي تعرفون وسنذهب إلى هناك أيضا لاتّخاذ جميع الإجراءات التي يمكن أن تكون ضرورية لمنع تجدّد مثل هذه التجاوزات. إنّ حكومة الجمهورية لا تبحث عن غزو فهي ليست في حاجة إلى ذلك (تصفيق حار من اليسار والوسط) لكنها حصلت على مرّ تعاقب الحكومات السابقة على هذه الملكية الرائعة للجزائر التي ضحت فرنسا من اجلها بالدماء وانفقت عليها كنوزها. سنخوض الضغط العسكري الذي سيبدأ وسيصل إلى الحدود التي يجب أن يصل إليها لضمان، بصفة جدية ودائمة ،أمن ومستقبل فرنسا الإفريقية (تصفيق من جديد) ”
و بهذا تمت المصادقة على اتفاقية باردو من طرف أغلبية ساحقة من مجلس النواب الفرنسي. وكان هناك نائب واحد ضد الاتفاقية وهو الاشتراكي الشجاع الفريد تالاديي. وقد تمّ توقيع هذه الاتفاقية يوم 12 ماي 1881 بين باي تونس والحكومة الفرنسية. وهي اتفاقية تنشئ حماية فرنسية في تونس. وخوفا من خلعه من طرف الفرنسيين الذين يعتبرون أخاه الطيّب بديلا له، فقد أقرّ الباي وسلّم للمقيم العام الفرنسي كل سلطاته في مجال الشؤون الخارجية والدفاع وإصلاح الإدارة وجدير بالذكر أنّه بعد بضعة أشهر من ذلك عزّزت فرنسا تحت قيادة جيل فيري تحرّكاتها العسكرية في الهند الصينية لتوسيع مجالها الاستعماري، وهو ما دفع فيري في صيف 1881 إلى طلب مصادقة الجمعية الوطنية على الهجوم العسكري على تونكين. وهنا استخدمت فرنسا أيضا ذريعة لتبرير مناوراتها الاستعمارية.
احتلت الجيوش الفرنسية تونس في أكتوبر 1881 واستولت على القيروان، المدينة المقدسة، في أواخر نفس الشهر. وأمام مقاومة السكان وخصوصا القبائل التونسية التي دخلت في تمرّد فإنّ التدخّل العسكري تنامى وقد بلغ عدد قوات التدخل السريع الفرنسية 50.000 جنديا. وقد جرّدت فرنسا عبر اتفاقية المرسى في جوان 1883، الباي من بقيّة سلطاته وركّزت في البلاد إدارة فرنسية مباشرة.
تجدر الإشارة إلى أنّ اتفاقية باردو (1881) وكذلك اتفاقية المرسى (1883) تتضمّنان إجراءات واضحة للغاية فيما يخصّ المديونية باعتبارها آلية نهب وإخضاع.، إذ ينصّ الفصل السابع من اتفاقية باردو على أنّ ” حكومة الجمهورية الفرنسية وحكومة سموّ باي تونس تتعهّدان، وفق اتفاق مشترك، بتثبيت أسس تنظيم مالي للإيالة تؤمّن طبيعته خدمة الدين العمومي ويضمن حقوق دائني تونس”. ويدقّق الفصل الثاني من اتفاقية المرسى ” تضمن الحكومة الفرنسية ، في ذلك العهد وحسب الشروط التي تراها الأفضل، قرْضا لتحويل الدين أو تسديده يصدره صاحب السموّ الباي ويصل هذا القرض إلى حدود مبلغ 125 مليون فرنكا ويصل كحدّ أقصى بالنسبة إلى الديون العائمة إلى 17.550.000 فرنكا. ويُمنع سموّ الباي في المستقبل من إبرام أيّ عقد اقتراض لفائدة الإيّالة دون ترخيص من الحكومة الفرنسيّة.”
يمكننا أن نؤكّد ودون أن نخشى مجانبة الصواب، وبعد هذا التحليل لانبثاق المديونية في تونس طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر أنّ تلك الديون كريهة وقد يسّرت الهيمنة الاستعمارية على البلاد.
وبعد ذلك ما فتئت المديونية تكون آلية هامة للهيمنة ونهب الثروات الطبيعية والإنسانية لتونس وبالتالي سببا أساسيا لـ ”تخلّفها” وتهميشها.
واستنادا إلى هذه الحصيلة فإنّه من حقّ الشعب التونسي أن يطالب بتعويضات من فرنسا التي عليها أن تدفعها بمساهمة البنوك (مثل ب. أن. ب باريبا والسوسيتي جينرال) والشركات الفرنسية التي استغلت المديونية لنهب الشعب التونسي.
ومن جهة أخرى فإنّ الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا التحليل هي من الأهمية بمكان لفهم الوضعية الراهنة لتونس.
مثلما كانت الديون المبرمة فيما بين 1863 و1867 كريهة فإنّ الديون التي تم إبرامها في عهد نظام ابن علي فيما بين 1987 و2010 هي كذلك كريهة إلى حدّ كبير ولا يخفى ذلك عن المؤسسات المالية الدولية ودائني الشمال (وبالدرجة الأولى فرنسا) فهم يعرفونه تمام المعرفة وما يبرهن على ذلك القرارات الصادرة عن مجلس الشيوخ البلجيكي في جويلة 2011 وعن البرلمان الأوروبي في ماي 2012.
إنّ السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تمّ تطبيقها من طرف سلطة الباي في القرن التاسع عشر لتسديد الديون هي شبيهة بشكل لافت للنظر بتلك التي حدّدتها شروط صندوق النقد الدولي منذ بروز مخطط التقويم الهيكلي في سنة 1986.
مثلما أدّت الزيادة في ضريبة المجبى في 1864 إلى انتفاضة شعبية هامّة، فإنّ التخلّي عن السياسات الاجتماعية بسبب عبء المديونية هو الذي قاد إلى اندلاع الثورة سنة 2010. وإذا ما كانت فرنسا قد أرسلت في 1864 سفنها الحربية لمواجهة الثورة فإنّها في جانفي 2011 اقترحت على نظام ابن علي مساعدة مادية لحفظ النظام وذلك عن طريق وزيرة الداخلية ميشال آليو ماري.
ختاما، إنّه كما استغلّ الدائنون الدوليون الأوضاع في القرن التاسع عشر لفرض اتفاقيات التجارة الحرّة فإنّ الاتحاد الأوروبي فرض على تونس منذ 1995 تحرير المبادلات الصناعية والذي هو بصدد التوسع ليشمل المواد الفلاحية والصيد البحري والخدمات والأسواق العمومية (اتفاقية التبادل الحر المعمّق والشامل) وهو ما أدّى إلى نفس النتائج الكارثية على المجتمع التونسي.
إنّ الإطاحة بنظام ابن علي سنة 2011 لم ينه نظام المديونية، بل بالعكس من ذلك فإنّ الحكومات المتعاقبة وبضغط من الدائنين لم تنقطع عن دفع تونس نحو المزيد من التداين.
وفي نفس الوقت فإن النضال ضدّ المديونية بصدد التنظم والتكثيف وهناك مشروع قانون يهدف إلى التدقيق في المديونية العمومية الخارجية والداخلية منذ 1986 سيتمّ ايداعه في مجلس نواب الشعب من طرف أكثر من 55 نائبا (من جملة 217 نائبا) في شهر جوان 2016.
ليس أمام تونس خيارا آخر للخروج من مأزق الهيمنة و’التخلّف’ عدا قطع سلسلة نظام المديونية.
مقال لاريك توسان المؤرخ البلجيكي بتصرف.

يوم جيد، أود أن أتقدم بطلب للحصول على تمويل، اسمي رويد عساف، أنا مطور عقاري من دبي، إحدى مدن الإمارات العربية المتحدة، أوصي بشدة بمؤسسات القروض الائتمانية إذا كنت تفكر في أي قرارات مالية أو لاقتراض أموال. هم الأفضل. أود أن أشكرهم على خدمة العملاء الممتازة وعلى أموال قرض المشروع البالغة 950.000.00 دولار التي تلقيتها منهم. إذا وجدت نفسك بحاجة إلى قرض لتمويل الأعمال التجارية أو الشخصية أو المشاريع أو الاستثمار أو توحيد الديون، فيرجى الاتصال بهم عبر البريد الإلكتروني: Loancreditinstitutions00@yahoo.com أو Whatsapp: +393512114999. أو +393512640785
ردحذفواتساب: +393509313766