Pages

سليمان الحلبي بطل أم ماذ؟


سليمان الحلبي شخص ضاع في التاريخ العربي و تم نسيانه و طي صفحته, شخص جعلني أراجع نفسي و أراجع معتقداتي الأدبية و الفكرية, ليس لأنه فيلسوف أو مخترع أو مفكر فهو شخص بسيط و يشبه بشر اليوم يلهث يوميا من أجل قوته و قوت عائلته قبل أن تتغير حياته 180 درجة.
قصة بسيطة ستجعلك تراجع مبدأيا مصادر إستسقائك للتاريخ الذي يسهل اللعب به بدون توثيق أو أرشيف يؤكد الأخبار و الأحداث.
نعود بالتاريخ لسنة 1800 و حسب المصادر العربية العثمانية الإسلامية أو أطلق عليها الإسم الذي تريده, سافر سليمان الحلبي من حلب إلى القدس عندما عاد الوزير العثماني بعد هزيمته أمام الفرنسيين وبعد 10 أيام سافر من غزة في قافلة صابون ودخان، ووصل القاهرة بعد 6 أيام. ذهب إلى الأزهر وسكن هناك عرف بعض الساكنين معه وهم من مدينة حلب أنه حضر لمقاومة الاحتلال الفرنسي.
الآن نذهب لنستقي القصة حسب مصادر المؤرخين الإسلاميين في ذلك الزمن وهو عهد الخلافة العثمانية أو ما تبقى منها.
تقول الكتب أن سليمان الحلبي هو شاب سوري درس بالأزهر عدة سنوات ثم رحل عن القاهرة و عاد إلى دمشق للعمل و لما علم بقيام الفرنسيين بغزو مصر و أن كليبر قد اقتحم الأزهر بالخيول و عبث بالمكتبة الدينية, ثارت في نفسه الغيرة الإسلامية, و قرر اغتيال الجنرال كليبر الذي أصبح قائدا للحملة الفرنسية بعد رحيل نابليون عن مصر إلى فرنسا وأعد سليمان الحلبي عدته و سافر إلى القاهرة التي يعرف دروبها و شوارعها و نزل برواق الشوام في الأزهر وانتظم في سلك التعليم بالأزهر, ثم شكل خلية طلابية من اربعة من الطلبة و من خلال هذه الخلية الطلابية قام سليمان الحلبي و رفاقه بمراقبة الجنرال كليبر جيدا و معرفة تحركاته و مواعيده, و تم إعداد الخطة لإغتيال كليبرو و في يوم 14 جوان 1800 قام سليمان بالتنكر بزي متسول و طعن كليبر بخنجره عدة طعنات في حديقة دار القيادة العامة الفرنسية بالأزبكة مما أدى إلى مصرع كليبر.
و تمت محاكمة سليمان الحلبي و رفاقه الأربعة وصدرت الأحكام بإعدام سليمان الحلبي على الخازوق بعد حرق يده اليمنى, وترك جثته لتأكلها الطيور, وإعدام رفاقه الأربعة بقطع رؤوسهم و إحراق جثثهم بعد الإعدام.
هنا نقرأ قصة لبطل عربي أراد الدفاع عن الإسلام و بلاد الإسلام من الغزاة.
لكن للقصة بقية أو أسطر مخفية.
المصادر الغربية لها صورة أخرى للقصة مختلفة تماما, الحكومة الفرنسية لديها أرشيف موثق يرجع تاريخه لما قبل هذه الحادثة بكثيير, تقول الوثائق الفرنسية أن الحلبي لم تأخذه الحمية الإسلامية و الأشياء هذه.
فالوثائق تقول حرفيا كان كليبر ذهب في صباح ذلك اليوم إلى جزيرة الروضة لتفقد عرض عسكري لكتيبة من الأروام انضمت للجيش الفرنسي في مصر، عاد بعدها بصحبة المهندس المعماري "بروتان" لمتابعة أعمال ترميم مقر القيادة العامة ودار إقامته في الأزبكية الذي أصيب بأضرار خلال انتفاضة القاهرة الثانية، وانصرفا معا إلى دار الجنرال "داماس"، رئيس الأركان، لتناول الغداء مع مجموعة من القادة وأعضاء المجمع العلمي.
عاد الاثنان إلى مقر القيادة العامة وكانت حديقة القصر تجاور منزل داماس، وبينما كان كليبر وبروتان يسيران في الحديقة خرج عليهما رجل اقترب من كليبر مستجديا شيئا، فلم يخالج كليبر ارتياب من نوايا الرجل فمد إليه يده، فطعنه سليمان الحلبي طعنة في قلبه، وأسرع بروتان للإمساك به فكان نصيب المعماري ست طعنات سقط بها على الأرض.
وعاد الحلبي إلى كليبر مرة أخرى وطعنه ثلاث طعنات للتأكد من قتله، على الرغم من أن الطعنة الأولى كانت القاضية على حياة الجنرال وفقا لتقرير كبير أطباء وجراحي الحملة الفرنسية "ديجنيت".
تلقى أهالي القاهرة نبأ اغتيال كليبر بخوف وحذر من ثأر الفرنسيين، بينما تلقاه الفرنسيون بحزن وحذر من اندلاع انتفاضة ثالثة من الأهالي، وهددوا بالثأر وإحراق المدينة انتقاما لمقتل قائدهم، وأُطلقت دوريات عسكرية للبحث عن الجاني.
عثر الجنود بعد ساعة واحدة من الاغتيال على الحلبي مختبئا خلف جدار في حديقة مجاورة، وأدركه اثنان من حرس مقر القيادة وعثرا على الخنجر الذي طعن به كليبر وبروتان مدفونا في المكان وعليه أثر دماء، وتعرّف عليه بروتان بعد وضعه وسط مجموعة من العمال بغية التأكد من عدم الخلط بينه وبين شخص آخر.
ساءت الحالة المعنوية في الجيش فور إعلان نبأ اغتيال كليبر كما يتضح من وصف شاهد عيان هو الضابط جوزيف- ماري مواريه في "مذكرات عن حملة مصر" التي نشرها عام 1818 :
"أي غم وأسى أصابنا حينما علمنا بنبأ وفاة كليبر مغتالا بيد آثمة. ولو أن أبا عزيزا علينا هو الذي فقدناه ما كنا بكيناه بالمرارة التي بكينا بها هذا القائد العزيز صديق الجنود. من لنا بخليفة بمثل قدره يكن لنا نفس القدر من الود كهذا القائد الكريم؟ أين نجده؟"
وقال شهود عيان إن الحلبي كان يقتفي أثر كليبر، فقد رأوه في الجيزة يسعى إلى دخول مقر القيادة بحجة تقديم شكوى، لكن الضابط "بيروس"، سكرتير كليبر، رفض السماح له بالمقابلة. وفي صباح يوم الاغتيال تسلل وسط جماعة من الخدم ورآه الضابط "ديفوغ"، ياور كليبر الخاص، وحسبه من العمال لكنه ارتاب في أمره وأمر بطرده من الحديقة.
بدأت التحقيقات مع الحلبي وتعذيبه للاعتراف ومعرفة دوافعه وتبين أنه طالب من حلب، 24 عاما، اسمه سليمان والده تاجر يدعى محمد أمين، غادر سوريا وذهب إلى القدس وحضر خصيصا إلى القاهرة تمهيدا لقتل كليبر بتحريض من ضباط في الجيش العثماني.
كان الحلبي قد شكا من والي حلب إلى ضابط يعرفه جيدا يدعى أحمد أغا، وطلب من الضابط أن يتوسط له من أجل رفع مظالم عن كاهل والده، فوافق الضابط بشرط أن يسافر الحلبي ويقتل قائد الجيش الفرنسي، ربما ثأرا لهزيمة العثمانيين في معركة هليوبوليس على يد كليبر، فوافق على ذلك الشرط دون تردد.
لم تكن القاهرة غريبة عنه نظرا لأنه درس في الأزهر لمدة ثلاث سنوات من قبل، وتشير التحقيقات إلى أن سليمان نفذ جريمته بمفرده واكتفى بكشف مشروعه لأربعة من طلاب الأزهر يثق بهم هم : محمد الغزي وعبد الله الغزي وعبد القادر الغزي وأحمد الوالي، الذين حاولوا منعه من تنفيذ خطته.
تشكلت محكمة عسكرية يومي 15 و 16 يونيو/حزيران 1800 للنظر في القضية، ونُشرت تفاصيل التحقيقات في قضية مقتل كليبر بثلاث لغات، الفرنسية والتركية والعربية، وحملت النسخة العربية نصا اسم "مجمع التحريرات المتعلقة إلى ما جرى بإعلام ومحاكمة سليمان الحلبي قاتل صاري عسكر العام كلهبر"، وهي نسخة كتبها مترجمو الحملة أنفسهم ونُشرت بمطبعة الجمهورية الفرنسية في مصر عام 1800، اعترف فيها الحلبي بتفاصيل الخطة كهذا المقتطف المنقول نصه من التحقيق الأول معه (دون تدخل لغوي):
"انسأل كام يوم له في مصر، فجاوب أن له واحد وثلاثين يوما، وأنه حضر من غزة في ستة أيام على هجين. انسأل لأي سبب حضر من غزة، فجاوب لأجل يقتل صاري عسكر العام (قائد الجيش). انسأل من الذي أرسله لأجل يفعل هذا الأمر، فجاوب أنه أُرسل من طرف أغات الإنكشارية وأن حين رجعوا عساكر العثملي من مصر إلى بر الشام أرسلوا إلى حلب بطلب شخص يكون قادر على قتل صاري عسكر العام الفرنساوي، وأوعدوا لكل من يقدر على هذه المادة يقدموه في الوجاقات (الجنود) ويعطوه دراهم ولأجل ذلك هو تقدم وعرض روحه لهذا".
لم يكتف الفرنسيون باعترافات الحلبي في التحقيق الأول، بل أعادوا طرح الأسئلة في تحقيق ثان بعد مواجهته بالشهود وتكرار الأسئلة كما في المقتطف النصي المنقول من الترجمة العربية لوقائع التحقيقات (دون تدخل لغوي):
"انسأل المذكور على قصة قتل صاري عسكر، فجاوب أنه حضر من غزة مع قافلة حاملة صابون ودخان وأنه راكب هجين... ثم أن أحمد أغا وياسين أغا أغوات الإنكشارية بحلب وكلوه في قتل صاري عسكر العام بسبب أنه يعرف مصر طيب بحيث أنه سكن فيها سابق ثلاثة سنوات وانهم كانوا وصوه أنه يروح يسكن في جامع الأزهر وأن لا يعطي سره لأحد كليا بل يوعى لروحه ويكسب الفرصة في قضي شغله لانها مادة تحب السر والنباهة ثم يعمل كل جهده حتى يقتل صاري عسكر."
ويضيف في اعترافه أنه عندما ذهب إلى الضابط أحمد أغا ليشفع له عند الوالي : "قال له (أحمد أغا) إنه محب لإبراهيم باشا (والي حلب) وإنه ما يقصر ويوصيه في راحة أبوه ولكن بشرط أنه يروح يقتل أمير الجيوش الفرنساوية".
وأضافت وثائق التحقيقات : "انسأل هل يعرف الخنجر ملغمط دم الذي به قتل صاري عسكر، فجاوب إنه يعرفه وأن هذا هو بذاته الذي قتل به صاري عسكر. انسأل من أين أحضر هذا الخنجر وهل أحد من الأغوات أعطاه له أم أحد خلافهم، فجاوب أن ما أحد أعطاه له وإنما بحيث أنه كان قاصد قتل صاري عسكر، توجه إلى سوق غزة واشترى أول سلاح شافه".
أسفرت التحقيقات عن توجيه اتهام للحلبي والأزهريين الأربعة الذين أفضى إليهم بعزمه على تنفيذ خطته، رغم إنكارهم، وشخص آخر يدعى "مصطفى أفندي البرصلي" وهو تركي ومعلم سابق للحلبي، وطلب القاضي "سارتلون" من المتهمين أن يستعينوا بشخص يدافع عنهم أمام المحكمة، فلم يستطيعوا فندبت المحكمة المترجم "لوماكا" للدفاع عنهم.
حكمت المحكمة بإحراق اليد اليمنى لسليمان الحلبي وإعدامه على خازوق مع ترك جثته للطير، وإعدام شركائه بقطع رؤوسهم وإحراق جثثهم بعد تنفيذ الإعدام ومصادرة أموال المتهم الهارب عبد القادر الغزي، وبراءة مصطفى البرصلي وإطلاق سراحه.
ويبدو من وصف المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" أن محاكمة سليمان الحلبي والمتهمين في هذه القضية كانت غريبة على المصريين في ذلك الوقت، كما يظهر من نبرة وصفه لإجراءات التحقيقات كما يلي:
"ألفوا في شأن ذلك أوراقا ذكروا فيها صورة الواقعة وكيفيتها وطبعوا منها نسخا كثيرة باللغات الثلاث الفرنساوية والتركية والعربية... لتضمينها خبر الواقعة وكيفية الحكومة (إصدار الحكم)، ولما فيها من الاعتبار وضبط الأحكام من هؤلاء الطائفة (الفرنسيين) الذين يحكمّون العقل ولا يتدينون بدين، وكيف وقد تجارى على كبيرهم ويعسوبهم رجل آفاقي أهوج وغدره وقبضوا عليه وقرروه (جعلوه يعترف)، ولم يعجلوا بقتله وقتل من أخبر عنهم بمجرد الإقرار بعد أن عثروا عليه".
نقطة إستفهام كبيرة جدااا تعزف في عقلي و تطرح سؤالا ملح بحكم أن المؤرخين في تاريخنا كله هو شيوخ بلاط حسب المفهوم الحالي و هم مؤرخون مع النظام لذا يجب مراجعة التاريخ لربما هناك مشكلة كي لا أقول كلمة أخرى.

MIB

مدونة لبعض الخربشات التي إحتلت عقلي فأردت لها أن تكون في صفحات هذه المدونة انشر هنا آرائي الخاصة وروابط لمقالاتي، يمكنك مراسلتي للتواصل لأي سبب كان أهوى الرسم و كذلك كل ما يتعلق بالأدب و الفنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق