Pages

أحلام و سيجارة



أعلم أن كتابتي دائما كئيبة وذلك لأني أكتب عندما تنتابني رغبة في إفساد مزاج الناس و نشر الكآبة بين الناس, إنه شعور رائع عندما تعكر مزاج الناس. فتحت العلبة و أخزت منها سيجارة من نوع بال مال وأغلقت العلبة و رميتها فوق المكتب. مكتب مليء فقط بعلب السجائر و الأقلام فقط. أشعلت السيجارة و إرتميت على السرير أريد أن أفكر في شيء مريح لكني لم أستطع أن أجد شيء بين ثنايا عقلي يمكنه أن يخفف عني هذه الكآبة. فابتسمت و قفزت من على السرير و أطفأت النور لأنه سيضفي على الحجرة مزيد من الكآبة على الغرفة و يجعلها مزيج من روعة الكآبة و التعاسة التي ستجعلك تبحر في أمواج الحزن بكل جدية.
فتحت اللابتوب و أبحرت على اليوتيوب وضعت قائمة من الأغاني بلغة لم أفهمها أتوقع أنها نرويجية أو هولندية أو ربما من كوكب آخر أرسلوها لنا عن طريق جواسيسهم المنشرين هنا و هناك. فمن غير المعقول أننا كلنا بشر نعيش على هذه الأرض فهناك أشياء أخرى تحيط بنا و تخفي أنفسها بمهارة لقد إستنتجت ذلك من الفيديوات الموجودة على اليوتيوب فمن المستحيل أن يكون بشر عاقل و مازال يفتح فيديوات سقوط فستان هيفاء وهبي و نحن في القرن 21 و فضائح علاء الشابي في الراديو.
إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة...  إنني أتعفن مللا لولا بعض الأوراق البيضاء التي أفسد بياضها ببعض الخزعبلات و الكتابات و أدعي أني كاتب و مثقف و أنزلها بعد حين على جدار الفايسبوك أنتظر بعض الإعجابات و التعليقات من فتياة جميلات أعزز بها ثقتي في نفسي و أتمرد قليلا على هذه الكآبة و الملل. نعم فأنا من فصيلة كلاب الثقفوت التي عج بها الفايسبوك و من أعطاهم مساحة كي ينفثو فيها تفاهاتهم هنا و هناك و يقلقو راحة المواطنين. كم أحسد أناس الماضي لا أعلم ماذا كانو يفعلون بدون أنترنت بدون تلفاز بدون هاتف بدون أي شيء.
أتذكر صورة جدي الذي كان لديه غرفة صغيرة على سطح بيته بدون باب أو جدار فقط عواميد و مسقفة من فوق يتوسطها كرسي طويل معد للإستلقاء و بجانبه طاولة صغيرة جدا تتسع بالكاد لمنفضة السجائر و إبريق الشاي و كأس فقط, يستلقي على الكرسي بعد صلاة الصبح و يحضر معه إبريق الشاي و علبة الحشيش و عبوة الغاز و يصعد الدرج, لقد كنت أسمع صوت طرق حذائه على الدرج يوميا كنت أريد الصعود معه لكن لم أستطع إنه يستيقظ باكرا جدا بينما أنا أسهر الليل بطوله كالجرو الذي أطلق سراحه أجري هنا و هناك و أنام إلي قريب الفجر, لكني بعد الظهر عند إشتداد الحر و بعد الغداء أصعد كي أجلس معه لقد كان كريما معي يسقيني بعض الشاي بينما جدتي و أقاربي يمنعوني منه كإنه شراب الوسكي, صعدت الدرج أجري قبل أن يكتشفني أحد صعدت و معي علبة بلاستيكية أعتقد أنها كانت في ما مضى علبة زبدة أو سمن لقد تلاشت الكتابة التي عليها أخذتها و جلست بجانب الطاولة الصغيرة و أخذت أراقب جدي و أراقب خروج الدخان من بين شفتيه و من خلال شاربه مشكلا أشياء الله أعلم عن ماهيتها جدي بقد حليق الذقن فلم يكن يدعي أنه من شيوخ التقوى و الورع حتى الصلواة لم يكن يصلي إلا الصبح و العشاء أما البقية فصلاته كانت السجائر و الشاي, الدين كان في قلبه و لم يهتم بأقوال الناس, حتى إنه لا يهتم بأي شيء إلا كرسيه و سجائره التي تنتهي بسرعة, أردت أن آخذ منه سيجارة و أجرب طعمها لكنه طلب مني عدم لمس سجائره, وضحك عندم شاهد تذمري فضحك و قال لي هل تريد أن تجرب؟ فأجبته بالموافقة بدون كلام لقد أومأة له برأسي, أدخل يده لجيبه و أعطاني ورقة نقدية و طلب مني الذهاب لمحل يقع في آخر الشارع و أعطاني ورقة رسم فيها بعض الحروف التي لم أستطع أن أستوعبها لقد كانت لغة جديدة عني أنا الذي لا أفهم إلى الرياضيات و العربية و ضرب فتيان الحي. وصلت لعم صالح البائع أعطيته الورقة و دفعت له المال فأعطاني كيس مليء بعلب السجائر رجعت أجره و أنا أتصبب عرقا من الحر و ثقل الكيس ولكني كنت مبتسم إني سأجرب أخيرا السجائر, إبتسامة يخيل إليا إنها ممتدة من بين أذنيا حتى إني أحسست أن فمي يكاد يمزق. لم أعلم لماذا يتم منعي من السجائر لا أعلم حتى إني شارفت على الثلاثسن من عمري و إلا الآن لا أعلم لماذا, من منكم يريد أن يعمر على سطح هذه الأرض؟       كآبة تحيط بك من كل زوايا الأرض رتابة تغمرك حد النخاع من كل أنحاء الأض, غباء يلفحك من  كل أنحاء الأرض. فتحت الباب صعدت على الدرج على أطراف أصابعي وصلت للسطح و بسرعة أفرغت محتويات الكيس و مددت يدي أرجع ما تبقى من المال لجدي لكنه أار لي كي أحتفظ به, فازددت سعادة و حبا لهذا الملاك, أخذ كل العلب و وضعها في علبة كرتونية كانت موضوعةتحت الطاولة الصغيرة و أعطاني علبة وحيدة من كل الكيس أحسست في البداية بخيبة أمل لكني لاحظت أنها مختلفة في الألوان و الشكل عن بقية العلب, شاهدت جدي كيف فتح العلبة الخاصة به فقلدته و فتحت أنا علبتي أول ما أعترضني النظام الذي رصفت عليه السجائر عددتها كانت عشرين سيجارة شكل يحمل هيبة تعطيك إحساسا أنها ملوك تحمل تيجان ذهبية على رؤوسها رسمت عليها صورة تاج بحجم صغير لا يكاد يلمح, لكني لاحظتها, وضعت السيجارة في فمي و لكن جدي سحبها بسرعة و قلب السيجارة و قال لي إسحب من الجهة الذهبية, أعدت السيجارة لفمي و قربت فمي لطرف النار المشتعلة من تحت إبريق الشاي الذي يصرخ من الحر الذي ألهب قاعدته, و لكن لم يحصل شي, لم تشتعل النار, حزنت حتى إني كدت أبكي, لم أفهم الخدعة فالنار لم تمسك في السيجارة و لا الدخان دخل صدري و لا خرج منه, إلتفت إلى ملك السجائر و الحزن بادي في وجهي, ما الحكاية فالسيجارة لم تشتعل.؟
ضحك جدي و هو يعتدل على الكرسي و كأنه جالس على السرير أمال نفسه إلا الأمام واضعا رجله على طرف الكرسي و و إستند بإبطه على ركبته و مد يده يشير لي بالإهتمام, وضع السيجارة في فمه, أشعل طرفها و قال لي الآن تسحب النفس عندما تقرب السيجارة إلى النار, هذه هيا الخدعة, الخدعة كلها السيجارة لا تشتعل لحالها فأنت تجعلها تشتعل بسحب الهواء من داخلها.
ألقية السيجارة الأولى لقد كانت محاولة فاشلة فالسيجارة إسودت من الأمام حتى إنها أصبحت قاسية من الأمام و رائحتها كشواء جلد الخروف في يوم عيد الإضحى, لقد هجمتني ذكريات عيد الإضحى لكن دعنا منها الآن.
سحبت سيجارة جديدة وضعتها في فمي من الجهة الذهبية كالمعتاد قربتها من النار و سحبت بقوة, حسنا إحساس غريب يعتريك أتمنى لو أعيش به طوال حياتي التي لا يدور في تلافيف مخي الآن كلمة معبرة أقدر بها أن أصفها, حرارة حارقة تهجم على حلقي في نزول سريع جدا كاد يحطم حاجز الصوت مقتحما الأوعية في رئتي, لقد إرتفعت حرارتي و إحمر وجهي, حالة إختناق و سعال حتى إني كدت أحرق إصبع بالسيجارة و أنا أشاهد و أسمع ضحكات جدي التي إزدادت إرتفاعا, لقد أنزل الدمع وهو يضحك و يحاول عدلي في جلستي لقد كدت أقع من على العلبة البلاستيكية, أسقطت السيجارة و أنا أحاول مسح عيني من هجوم الدموع الذي دك حصون عينيا و أفاض منهما, وقفت أبحث عن السيجارة لكن لم أستطع إيجادها يبدو أنها هربت مني لكني شاهدتها وهي تجري تحاول الهرب أغفلت عنها النظر ليس خوفا لكن لم أهتم بها فلازال عندي مثلها الكثير مازال عندي ثمانية عشر سيجارة ستكفيني حتى يوم مماتي.
إستفسرت جدي ما الحكاية مالذي ألم بي هل قمت بخطء ما؟, فبادرني جدي بالنفي و هو يميل وجهه في علامة النفي, كلا يا بني كلا يابني فالإنسان يخاف و يرفض كل ماهو جديد.
الإنسان لا يحب المنعطفات التي تأتي فجأة من المجهول, الحياة لا تحب المقامرة و تدفعك للعيش حسب المخطط, الحياة هي تجربة يجب أن تعيشها و تسعى نحو المجهول و اللامجهول, لكن يجب أن تقامر فعقلك لا يقبل الأشياء الغير معتادة لذا تجده يحاول جاهدا أن يخبرك أن ذلك جيد و ذلك سيء, العقل هو مجموعة معلومات لا تعلم شيء و لا تفهم في شيء هي أشياء و صور و أفكار تشكلت من خلال أكاذيب المحيطين بك فلا تخف و تلا تصدق أي شي إنطلق و كون أفكارك و خبراتك, كون أشيائك و حياتك فالمجهول هو إكتشاف شخص أنار المنطقة الجديدة. إن المجهول هو حيث يوجد "الجديد" والجديد هو المكان الوحيد الذي يمكنك فيه أن تجد المحتمل,وكل انسان مصمم بحيث يركض نحو الاحتمال والإمكانية في حياته.
بالتأكيد أنا لم أفهم أي شيء و لم أستوعب أي شيء لكن من وراء عقلي كانت فكرة واحد أحسست أنني إستوعبتها وهي لا تستسلم فقط جرب مرة ثانية, هنا جلست مرة ثانية و سحبت سيجارة جديدة و أشعلتها وسحبت بكل هدوء, و نفثت ماكان برئتيا بكل ثقة في الهواء.
أحسست كأن كائنا خرافيا إندمج و إحتل جسدي, حواس جديدة إكتشفتها تظهر و تبرز أمامي عينايا إتسعت و أنا أشاهد عوالم جديدة و عوالم موازية لقد إستطعت مشاهدة بعد جديد, قوانين جديدة تظهر الحقيقة الكاملة تبرز عارية أمامي لقد أبرزت وجهها أمامي يبدو إني حطمت الجدار الذي كن فاصلا أمامي بسيجارتي, معلومات كثيفة تحتل عقلي حتى إني أحسست بالدوار ولكني صمدت في مكاني و أنا مازلت أشاهد الدخان يتصاعد حاملا معه كل ألعاب الطفولة, لقد حمل معه حتى أحلام المستقبل التي أسستها طوال ليالي طويلة.
النفس الأول و الثاني و الثالث و أنا أسحب من السيجارة و كأني أستنشق الهواء بعد غصرة و كأني أسد كان مسجون في الحديقة و تم إطلاق سراحه في الغابة, أسحب و أسحب حتى خيل إلي أن طرف السيجارة توهج و كاد ينير المنطقة.
لقد كاد الحلم أن يصبح حقيقة, لقد تهت بعد هذه السيجارة اضعت خارطة العودة, إني أرى جدي يبتعد و يرجع لكرسيه و السيجارة بين شاربيه و يلتفت ناحية الساحة الأمامية ينظر و يسرح بخياله إنه يشاهد الطريق الطويل الذي لا تلوح نهايته قريبة ويعود لصمته و أنا أصارع آخر أنفس السيجارة لقد إنتهت السيجارة و عادت تلك الكآبة و الملل الذي لم أجد له مخرجا إلا سيجاراتي.
أنهض من السرير و عيني تحترق من النوم و في عقلي تداعبني بعض السعادة فمنذ مدة لم أقابل جدي, يبدو أني أصبحت أهرب إلى أحلامي كثيرا هذه المدة أحياناً أتسائل ، من أين لنا ذلك اليقين بواقعية الواقع و خيالية الحلم ؟ أنت لن تدرك هذا حتى لو كنت أنت صانع الآلة. فالحلم، هو واقع لا نعيشه, هو نسخة محسنة نتمناها هيا الحياة.
هممت بالنهوض و الذهاب للعمل فتذكرة جثة الرجل الذي يعيش معي في جسدي حملته على كتفي و هممت أن أرميه في أقرب وادي, لقد أتعبني و أصبح مصدر إزعاج لي, لكمت جدي طلبت معونته فحملناه و رميناه, لكن عند عودتي للبيت وجدته مرميا يطلب مني سيجارة.
هل ستصدقني لو قلت لك أنه في الأحلام يمكنك أن تكون بطلا, يمكنك أن تعيش مع فتاة أحلامك حتى إنه يمكنك أن تكون نبيا نعم يمكنك أن تصير نبيا. نبي اللاشيء، نبي العبثية و المتاهة. تنشر دعوتك بسهولة و دون أعداء، يسألك الواحد منهم" إلام تدعو" فتجيب: "إلى اللاشيء و الملل". "ماذا تفعل؟". "لا شيء". ماذا تريد؟ لا شيء.
أسحب سيجارة جديدة من درج المكتب أنفث بعض الدخان الصادر من بين شفتي والملوث بكآابتي والمتجدد.
لا أظن أن الأنبياء وجدوا وقتا للملل، ربما قاربهم اليأس، وطالتهم الجروح في معرفة جوهر ما أراده الله. لكن ما أن اعتدنا الملل وتوقف الصخب، وغاب الإيقاع والحركة، حتى انكشفت لنا حيواتنا السابقة كخديعة.
آه كم أريد أن ألتقط صورا لأحلامي.

MIB

مدونة لبعض الخربشات التي إحتلت عقلي فأردت لها أن تكون في صفحات هذه المدونة انشر هنا آرائي الخاصة وروابط لمقالاتي، يمكنك مراسلتي للتواصل لأي سبب كان أهوى الرسم و كذلك كل ما يتعلق بالأدب و الفنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق