بداية سعيدة ليوم جميل, الحرارة تتجاوز الأربعين بأشواط لكنها جيدة مقارنة بالأيام الفارطة, نزلت مسرعا على الدرج كي لا أتأخر عن العمل و استقليت السيارة و كأني دخلت غرفة السونا إنها تقارب 100 درجة أو هاكذا يخيل إلي, ربما هيا أكثر من ذلك. إنطلقنا في الطريق و الكل مسرع المئات أو الآلاف الكلها تستقل السيارات و أنواع من الصواريخ على شكل سيارات شاهدتها فقط في أفلام الخيال العلمي, و لك أن تتخيل أصوات تلك الكميات الهائلة من السيارات إنه تلوث سمعي و درجات عالية من الديسيبل, و في تلك الضوضاء .. كنت وحيدا منفردا .. وكنت بين ملايين الناس كأنني أجلس في زورق محطم تاه في المحيط, محيط الحياة, محيط الدنيا, محيط الغابة التي تظن هذه الكائنات أنها تعيش فيها, إنها المقبرة الدنيوية قبل المقبرة الكبرى. المحيط يتكون من تجانس الكائنات التي تسبح داخلها بينما على اليابسة يعيش ابليس بعد أن طرد من عرش الإله و نزل و تكاثر و قام بقتل سلالة آدم و عاش هو و تكاثر و الذين تشاهدهم الآن فوق الأرض هم من سلالة إبليس. من المستحيل أن نكون من سلالة آدم هذه الأفعال التي تشاهدها يوميا في التلفاز و على الأنترنت هي أفعال الشياطين. أشعلت سيجارة و أنا أنتظر الضوء الأخضر قريب جداا من الشغل كل يوم يتكرر بكل كلامه و صوره, حتى الرائحة هيا نفسها يوميا, نفس الرائحة في القهوة نفس رائحة الياسمين في العمل, نفس رائحة الأكل,, نفس الكلام و نفس اللكنة الهندية المختلطة بالإنقليزية لكنة دائما تضحكني و لا أعلم لماذا دون أن ننسى تلك اللكنة المصرية الغريبة جدااا, كلما أشاهد مصريا يتكلم أتخيل أن الفراعنة كانو يتكلمون مثلهم تنتابني موجة من الضحك.
ليست لي بعد الآن رغبة ولا حقد ، لقد فقدت كلَّ ما هو إنساني وتركته يضيع . والإنسان في حياته يجب أن يكون ملاكا أو إنسانا أو حيوانا ولم أصر أحدا منها قط, أنا في عقلي هايم و ضائع في الأفكار التي تزداد يوما بعد يوم حتى إني أصبحت أفكر في شكل الإله, في تاريخ الحياة و تاريخ الأرض, هل الله أرسل فعلا الرسل, لماذا الله إلى الآن يعطي الفرص إلى هؤلاء البشر.. بالطبع إذا إتفقنا إنهم بشر لأني أشك في ذلك.. لماذا الله علم آدم الأسماء و لم يعلمه شيء آخر, هل الله لديه وجه و يدين, لماذا الله سيعطينا الجنة و نحن لا نستحق حتى الأرض؟ هل الله حس بالرتابة و الملل فقام بخلقنا أم نحن كان حتميا أن نأتي؟ ضوضاء تجتاح عقلي بأفكار تريد دفعي إلى هاوية الجنون..
تفكر و تقول ماهذا الجنون؟ أخي أنا أريد أن أعرف , والمعرفة لاتجيء إلا من خلال الجنون والقلق والتعب , إن المعجزات لاتحدث هباءً, أو نتيجة تغير طارئ في الكون, لاتحدث لأنها صدفة أو عارض , بل يجب صقلها بجنون أسئلتنا, مانحسبه أمراً عديم الجدوى , يحمل في معناه أمراً آخر ذا جدوى .الله أول ما أنزل الوحي قال إقرأ و لم يقل أعبدني. يرتفع صوت السيارات التي خلفي وهي تخنق السماء بصوت الصافرات, ماهذا الهراء من أجل ثانيتين تأخير يكادون ينفجرون في وجهي من الحنق, تبا لقد عكرو مزاج الوحدة التي كنت أستأنسها مع نفسي. يبدو أني سأذهب للمقهى و تبا للعمل لا يوجد مشكل في التأخر لساعتين أو ثلاث أو أربعة أو حتى يوم كامل. ليست نهاية الدنيا و تبا لهذه الدنيا.
أتدرك ما معنى أن تشعر انك وحيد رغم وجود الجميع حولك ؟
ليست قضية غياب الإنسان الذي ترى فيه الحياة كلها لا... لا اقصد ذلك ؛أنا أرمي الى اللحظة الذي تخذلك فيها نفسك فتتخلى عنك! كأنها تعبت منك واستسلمت لهفوات غباءك.. كأنها تقول لك يكفيني ما قضيته معك.. اللحظة التي تفكر أن الجنون قد بدأ يسيطر عليك.. أرق أرق أرق الى أن يتحول الى ليالي نهارية لا تعرف للنوم طعم، هي حال النفس التي تهوي بعد ثباتها، ترى فضل الله على نفسها وهي تقابل نعم الله بالعصيان.. رغم أني في البعض الأحيان أعصي الله كطريقة للفت إهتمام الله طريقة يتبعها الأطفال الصغار لجذب إهتمام آبائهم .. إني أعصي الله و في داخلي أقول أين أنت أريني ذاتك أرسل علامة أنزل ملائكتك لتخبرني بوجودك.. إني أبحث عنك منذ مدة أبحث و أبحث ولم أجد لك طريق لماذا هذا العذاب. وحده الجنون، يأخذني إليك بلا عقل لأغوص في مكنوناتك فلا أصل إلا ... إلى عالمٍ من التيه, هل أنت مالك الكون فكيف تترك هذه البشرية تعيش؟ أطبق هذه الحياة و أفني هذه الكائنات. فلتشهد يا إلاهي و معك ليشهد الكون على ولادة جنوني.
جلست على المقعد و طلبت من العامل دوبل شوت إسبريسو و زجاجة ماء, رغم أنها ليست جيدة لكنها تبقى الأقرب إلى قهوة بلادي إنها الوحيدة التي لديها طعم القهوة التي ترجع إليا ذكريات إكسبريس الحي و حماقة سكان تلك المدينة, حماقة أصبحت أتمنى إسترجاعها.
اتخيل انه لم تكن هناك مصادفة تذكر في خلقنا , لكني ايضا افكر انه لابد ان شيئا مريرا مثل الوحدة , كان هو السبب في وجود هذا العالم على هذا النحو الموغل في الاوجاع و التناقضات و الجنون. لماذا نحن هنا؟ لماذا كل هذه الحروب و كل هذا القتل و نحن سنموت في النهاية؟ لماذا هذه العجلة في الموت و إفناء أنفسنا؟ الكل يتقاتل من أجل المال كي نبني مقابر مثل القصور كي نضع فيها بعض العضام الفانية و لحم عفن ستنهشه الديدان؟ الملل إجتاح حتى عباد الله و أصبحو يلهون بالأسلحة و الحروب, فعلا إني أتوقع أن الناس ملت من السلام و من كثرة الأموال و صغر الأراضي المحتلة فأصبحو يلهون فيما بينهم ببعض الحروب التي لن تمسهم منها إلا نتائجها.
يا إلاهي إنه يوم غريب آخر سيستمر فيه هذا الخراء الرهيب؟.. إلى متى سيتسامح الجسد والعقل مع هذا الجنون المميت؟ اصطكاك الأسنان، التصبب عرقا، صراخ الدم هذا في صدغيّ... أوردة صغيرة زرقاء فقدت صوابها أمام الأذنين، ستين أو سبعين ساعة بلا نوم... لكن الانهيار ليس خيارا مطروحا؛ ليس كَحل ولا حتى كبديلٍ رخيص، إنه غير مقبول. بالتأكيد. هذه لحظة الحقيقة، هذا الخط الرقيق والمصيري بن السيطرة والكارثة إنه الفارق أيضا بين أن أبقى طليقا وغريبا في الطرقات، أو في المقاهي أترشف هذه الأقداح من البذاءة التي تسمى ظلما قهوة, إنها لا تصلح حتى أن تسمى خراء الخراء. أشعلت السيجارة الأخيرة في العلبة و رميت العلبة فوق الطاولة و ألقيت نظري على الخلق المنتشرة في المقهى أمامي و على جانيبي من كل الجهات, مجانين ماتت منذ زمن تنتظر دورها لزيارة المقابر, نعم إنهم موتى منذ الولادة.
لكن لا تخف فأنت نفذت بجلدك من هذه الكآبة و التفاهة و الملل, الحياة لا تستحقك أنت فوق الأرض تعيش الألم حتى المماة فأيامك معدودة و قصيرة قصر أيام الخريف, تجد نفسك تعيش و تنحدر كانحدار الضلال عند تقوس الشمس, مالذي تريده من حياة المرض و الموت, حتى الصداقة تخونك, والرحمة تُعرض عنك، إلى أن تتركاك في طريق القبر وحيداً. و لكن تبقى الوحيدة التي ترضى بك هي الأرض, الأرض التي نشأت منها تتقبلك بعد مماتك رغم كل شيء قمت به ضدها طوال حياتك التافهة. تحضنك في داخلها و لا تتأثر بوجودك أو فراقك عنها, نفس الشمس ستشرق يوميا ولن يتغير لونها بمماتك, نفس الأرض ستبقى تدور و تلف و لن تقف بحياتك أو مماتك. يبدو أن السجائر قد أتلفت دماغي و أخذتني الهلوسات تبيد وعيي رغم أنها ليست سجائر مخدرة, الآن لا أسعد بحياتي ولا أشقى بها . أنا حي بلا إرادة بلا رغبة ، إن قوة فوق قوتي قد ألجمتني ، وقد شد وثاقي في سجن الحياة بسلاسل من فولاذ, لا أريد الموت لكني أريد الحياة ولكن بدون هذه البشرية المنتشرة في المقهى, كائنات متطفلة تعيش عالة على الأرض, أين العدل و الأرض تعطي هباتها لهؤلاء و الله يعدهم بالجنة و هم لا يستحقون حتى الوجود.
لقد استغرق الأمر مني زمنًا طويلًا لكي أدرك أن السنوات و العلاقات الإنسانية تأخذ مساحة كبيرة من عقلك و ليس لها أي فائدة في هذه الحياة, أصدقاء يفرق بينك و بينهم الزمن و المال, تحبهم و يحبونك لكن الزمن يقطع هذه العلاقة, الموت يقطع بينكم, المال يقطع بينكم, نحن كائنات دخيلة على هذه الدنيا, يمكنني أن أجلس مع أي شخص في هذا المقهى لكن ما الفائدة, لن نكون علاقة أقوى من قيس و ليلى, لن نعمر في هذه الأرض فآدم عاش 1000 سنة و توفي في الأخير, لسنا ميكروب كركدن الماء أو نجم البحر كي نعيش الأبدية.
لا أعلم هل أنا الوحيد الذي يفكر بهذه الطريقة لكن منذ أكثر من مئة سنة، والعالم، عالمنا، يموت. وخلال هذه المائة عام أو نحوها لم يظهر رجل واحد يكون من الجنون ما يجعله بحشر قنبلة في طيز الأرض وينسفها. العالم يتعفّن، يموت على مهل. لكنه يحتاج إلى الضربة القاضية، يحتاج إلى أن يُنسَف. ليس بيننا واحد سليم، كلكم مخادعون منافقون محتالون, جميعكم أيديكم ملطخة بالدماء, دماء الأرض تشهد على جريمتكم الشنعاء, العالم الذي مات ولم يُدفن بعد. نحن نسبح على سطح الزمن وكل ما عدانا غرق، أو يغرق، أو سيغرق. سيكون الكتاب هائلاً. ستكون هناك محيطات من الفراغ نتجوّل فيها، نجتاز المسافات، نغني، نرقص، نتسلق، نستحم، نتشقلب، ننتحب، نغتصب، نقتل. الأرض تبكي و تتلوى من جريمتنا و إلى الآن يدها ممدودة للغفران.
إنها تعاني الوحدة و لا تريد تكرار ما صار قبل وجود الإنسانية, إنها تستمتع بوجودنا لكنها ترى إعادة لنفس الكائنات التي كانت تحتل الأرض قبلنا, إننا نكرر نفس الحكاية من قتل و تدمير لكنها تستعين بالزمن لشذ الشوائب و الزوائد, مركبة الأيام تضيق بركابها فتنزلهم إلى المقابر أو في المحطات النائية, تجدهم متناثرين هنا و هناك نسيهم أهلهم و أقرب الناس لهم, تبكيك فقط أمك سنة و راء سنة حتى تلتحق بك و تتسامرون في البرزخ تتبادلون كؤس القهوة و حديث الليل الذي لا ينتهي, أما البقية فسينسونك بعد حين, الصديق و الأخ و القريب.
يا إلاهي هل نحن فعلا نستحق جنتك و رحمتك؟ إنسف ال{ض و أرسل ذلك الثقب الأسود فأهل الأرض لا يستحقون حتى قبرا على هذه الأرض. حتى القبور أصبحت تتحول إلى قصور, تبا طعم القهوة أصبح أسوء من قبل.
يقال أن القهوة التركية من أفضل أنواع القهوة ! يبدو أنهم لم يتذوقو بعد قهوة تونس, فرق كبير بين القهوة و هاذا الخراء الكوني الآتي من تركيا, يبدو أن المشكلة من لساني و من حليمات التذوق في لساني, لقد أصبحت تتذوق فقط طعم الملل في القهوة. لكن دائما و أبدا يبقى الطعم الوحيد الذي لا يتغير هو طعم السجائر, وفاء السجائر لا يمكن الشك فيه, يبدو أن الإله يعلم هاذا. شكرا لإله دائما يغفر لنا سجائرنا الليلية رغم عدم أهليتنا حتى للحياة.
الملل .. الملل ..
كل جديد يصبح قديما بمجرد تداوله .وكل لهفة تتحول إلى فتور ثم ضجر قاتل . وطريق الخلاص سيجارة و كأس مخدر. و تبا للعالم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق