Pages

قراءة تاريخية في المعارضة في الإسلام ج1





يقول الدكتور جابر قميحة صاحب كتاب المُعارَضة في الإسلام إن المُعارَضة كان لها مكان وصوت مسموع في صدر الإسلام، حسناً! طبعا هو كلام صعب تصديقه عندما ترى الفتاوى و الشيوخ و كلماتهم و فتاويهم عن السلطة و السياسة. لكن فعلا كان هناك العديد من المعارضات التي أدت إلى ثورات وحروب و انقلابات أو ترتيب للأمور و تحسين لحال البلد و رغم أن التاريخ يتذكر فقط السيء و المشؤوم منها فبعضها كان يتم من منطلق سلبي كثورة الزنج أو القرامطة التي انطلقت من أقليات عقائدية أو إيديولوجية مناقضة للأمة، وهناك أخرى لم يكتب لها النجاح وتركت مثلا سيئاً لدى الفقهاء، بينما يتجاهل البعض ثورات كتب لها النجاح . وابرزهم العباسيين الذين خططوا جيدا و صبرو كثيرا فانقلبوا على الأمويين في ضعفهم و أسسوا خلافة دامت أكثر من 600 سنة.
فحتى الدولة الإسلامية بالعراق و الشام (داعش) رغم اختلافي التام معها عقائديا و فكريا و دينيا و في كل الطرق إلا أنها تبقى ثورة على السائد والمتعارف عليه و سيذكرها التاريخ مثلها مثل سابقاتها في التاريخ الإسلامي. رغم عدم نجاحها بالنسبة لقادتها و مريديها.
و بعد هذه المقدمة البسيطة نعود لأصل المشكل الذي أريد الحديث عنه.
إذا كانت المعارضة و الثورات من أصل الإسلام و من حقوق المسلم فهناك العكس و الدعوة لعدم الخروج و المعارضة لذا أما الخروج على الحاكم الجائر حق مشروع أو غير مشروع.
قال النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي رواه مسلم: يكون بعدي أئمة لايهتدون بهداي ولايستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس قال حذيفة: قلت: كيف أصنع يارسول الله ؟ إن أدركت ذلك ؟؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع.
عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها ويحدثون البدع. قلت: فكيف أصنع؟ قال: تسألني يابن أم عبد كيف تصنع؟ لا طاعة لمن عصى الله.
لذا حسب رأيي المتواضع هناك لبس بين الحديثين هل أطيع أم لا أطيع. رغم تأكدي أنه لا طاعة لظالم و التاريخ يؤكد هذا الكلام فلست أعلم من علي كرم الله وجهه و إبنه الحسين حفيد الرسول صلى الله عليه و سلم.
لذا فإما أن الحديث الذي نقله مسلم فيه لبس أو شبهة أو أن الحديث له وضع زمني معين فقط.
لكن يبقى دائما هناك شك في أصل الحديث و ذلك لعدة أسباب سنذكرها تباعا التي أدت إلى ظهور مثل هذه الأحاديث و الأقاويل كي لا أقول كلمة أخرى.
كیف آلت الأمور بعد كل ھذا الجھاد والنضال ضد الاستبداد والظلم إلى "الجبریة" وكل ذلك التراث من تأصیل الاستبداد والتعامل معه باعتباره واقع لا یمكن تغییره فضلًا عن الدافع عنه والاستماتة دونه؟! نقطة التحوُّل: كان لهذه الهزیمة في "دیر الجماجم" أثر كبیر على الفكر السیاسي والعقائدي، حیث شاع القول بالإرجاء والجبر من جھة، ووجوب السمع والطاعة للإمام الجائر وإن كان مثل الحجاج من جھةٍ أخرى، إذ إن الله ھو الذي سلطھم، ولا یمكن رفع ھذا البلاء إلا بالدعاء، وھذا ھو القضاء الذي یجب التسلیم له والصبر علیه؟! وقد كان الحسن البصري رحمه الله ھو داعیة ھذا الفكر، فقد قیل له: ألا تخرج فتغیّر؟ فكان یقول: "إن الله إنما یغیّر بالتوبة ولا یُغیِّر بالسیف؟!". وقال لأخیه سعید بن أبي الحسن -وكان مع ابن الأشعث- فقال الحسن: "أیھا الناس إنما سلّط الله الحجاج علیكم إلا بعقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسیف، ولكن علیكم بالسكینة والتضرُّع". وكان شیوع ھذه الأفكار في نفوس أھل البصرة وغیرھا من الأقطار بسبب الهزیمة التي حدثت في دیر الجماجم، حتى قال الشافعي: "ظھر الإرجاء بعد ھزیمة القُرّاء"، وقال قتادة: "إنما أُحدِث الإرجاء بعد ھزیمة ابن الأشعث" كما شاع التصوف والزھد والعزوف عن الحیاة وشئونھا -ومنھا الشئون السیاسیة- بعد أن كان القُرّاء والعُبّاد ھم الذین یقودون حركات المقاومة ضد الانحراف، وقد أصبحت البصرة أشھر مركز لحركة التصوف والاعتزال عن شئون الحیاة. وكذلك سُجِن سعید بن المسیب بالمدینة لما أبى البیعة للولید بن عبد الملك وعُذِّب وطِیف به، وقد سُجِن خالد بن عبد الله القسري -أمیر مكة 89هـ- في عھد بني أمیة فقھاء مكة: (عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دینار، وطلق بن حبیب، وصھیب مولى ابن عامر، وسعید بن جبیر). وكل ھذه الحوادث تؤكد قیام الفقھاء بالتصدي للظلم -في بدایة ھذه المرحلة- وقد بلغ الأمر ذروته في حركة آل البیت السریة الداعیة لإسقاط دولة بني أمیة، وقد بدأت ھذه الدعوة سِرًا سنة 100هـ، عندما وجه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رسالة إلى العراق وخرسان للدعوة إلى آل البیت وإسقاط دولة بني أمیة، وقد اختار سنة 103هـ اثنى عشر نقیبًا من سبعین رجلًا اقتداءً بالنبي صلى الله علیه وسلم، لتنجح في الإطاحة بحكم الأمویین عام 132هـ. بالطبع انحرفت الدعوة العباسیة بعد ذلك عن منھج الشورى وكانت أكثر دمویة من بني أمیة، ولكن المھم أننا نلاحظ أن في ھذه المرحلة كان الأمر واضحًا جلیًا بأن الانحراف عن الشورى یجب مقاومته حتى "بالسیف" وقد قاد ھذه الحركة كبار الصحابة رضوان الله علیھم في ھذه الفترة كالحسین وابن الزبیر ثم العلماء والفقھاء كابن جبیر، ورأینا كیف أثرت معركة دیر الجماجم في شیوع أفكار الأرجاء والجبر من جھة، والسمع والطاعة للإمام الظالم من جھةٍ أخرى.
وفي ظل الأوضاع الراهنة التي يعيشها الوطن العربي من هزيمة نفسية ساحقة وضيق في الأفق وتحجر في الفكر والشعور بالنقص والضعف وسيطرة اليأس والإحباط من تغيير واقعها إلى الأفضل وانعدام الثقة بالله و بالسياسة واعتبار الذلة والواقع المخزي والمنحط الذي يعيشونه قدراً إلهياً يجب التسليم له والإيمان به والتعامل مع الأحداث العاصفة والفتن العاتية بالتجرد من المسؤولية وبنفسية اللامبالاة حتى أصبحت الأمة كالكرة تركلها الأمم الأخرى حسب أمزجتها وبعد كل ذلك يرجون الأجر من الله والثواب على هذا الوضع . ولأن الخلل في الأمة بدأ بالأفكار المنحرفة التي أصبحت فيما بعد ديناً وعقائد وتصورات للحياة حتى وصلت إلى جعلها من أصول الدين الإسلامي ووسيلة لعبادة الله سبحانه وتعالى وتجسدت في الواقع بما الأمة عليه من خنوع وتشتت ومسخ وتناقضه مع التعاليم الإلهية مثل الفكر الإرجائي المنتشر في العالم العربي منذ الخلافة الأموية الذي يتصور أن الحاكم إنما هو عقوبة من الله إن كان سيئاً، أو هو ظل الله إن كان صالحاً، وبالتالي ما على الناس إلا أن يدعو الله -سبحانه وتعالى- ويستغفروه من ذنوبهم، وكأن السكوت مثلاً عن المنكر ليس من الذنوب، أوكأن المشاركة في الخطأ أو الفساد ليس من الذنوب، معتبراً أن هذه الفكرة هي نوع من إقصاء الواقع عن القيم الدينية التي جاءت بمسؤولية الفرد حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام:"كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". أو الاحاديث التي تجعلني اشكك فيها لأنها واضحة في مصلحة أحد على حساب الاخر مثل "الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة" و غيرها من الاحاديث التي وضعت لسبب في نفس صاحبها. و إن كانت هذه المشكلة يمكن تلافيها و تجاوزها و من الممكن أن يأتي يوم على العالم العربي و نجد حل لهذه المشكلة في عقول الناس لكن المشكل الثاني مستعصي و صعب حله و لا أتفاءل حقيقة في أن يصل وعي المسلم درجة يتجاوز فيها هذا النقص.
وهو الفكرة او الفكر الذي يهيمن على الثقافة العربية حول الرؤية المثالية حول تاريخها السياسي. فرغم اختلاف الأسر الحاكمة من حقبة إلى أخرى، لا يزال كثيرون يتناولون التاريخ في إطار وحدة "الخلافة"، فتغيب عن البحث قضايا هامة جداً مثل خطابات مشروعية الوصول إلى السلطة، وخطابات معارضة السلطة.
فكل حقبة سياسية ظهرت على جوانبها خطابات سياسية تبرّر أحقية المتحكمين بالسلطة بها كما ظهرت خطابات فقهية تصبّ في خدمتها. ومن جانب آخر، كانت المعارضات تتبنى خطابات مغايرة لكسب الأنصار، ومجابهة السلطة.
القبيلة... المحدد الأول للسلطة والمعارضة
لم يعرف العرب الدولة إلا مع الإسلام، إذ نشأت لتواكب التغيير الذي حدث في بنية المجتمع، وظهر مفهوم "أخوة الإيمان" مقابل "القبيلة"، إلا أن الأخيرة كانت متجذّرة في بنية المجتمع العربي، وكان من الصعب أن تختفي.
وفي كتاب "العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته" يبيّن محمد عابد الجابري أن أساس معارضة دعوة النبي محمد كانت قبلية، في إطار التنازع على الشرف والسيادة بين بطون قريش.
ومع الهجرة وتحوّل العرب إلى الإسلام، لم ينتهِ دور القبيلة، بل ظل الانتماء إليها يأتي بعد الانتماء إلى الإسلام، بل إن الغزو وتوزيع الغنائم كانا يتمان عبر تقسيم الناس حسب انتماءاتهم القبلية.
وفي حياة النبي، تفوّقت أخوة الإيمان على القبيلة، ولكن بعد وفاته عادت الروح القبلية للظهور، وتجلّت بأقوى صورها منذ عهد عثمان بن عفان.
الإيمان والقبيلة... خطابا السلطة والمعارضة
فالصراع على السلطة بعد وفاة النبي تمثّل في ثلاثة أطراف: المهاجرون من قريش، والأنصار، والطرف الثالث تيار كان يرى أن السبق بالإسلام والقرابة من النبي يعطيان أصحابهما أحقية بالحكم، وهو تيار علي بن أبي طالب وبني هاشم".
فاجتمع زعماء الأنصار بعد وفاة النبي في السقيفة للتباحث بشأن إقامة سلطة جديدة في المدينة على أساس طبيعي قبلي، لا على أساس حكم ديني أو نظام شامل لجميع المسلمين.
وتشير كتب التاريخ إلى أن زعماء المهاجرين (أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح) سارعوا إلى المشاركة في اجتماع السقيفة رغم عدم دعوتهم إليه، ورغم عدم انتمائهم إلى بيت الزعامة في قريش (بني عبد مناف)، فأن تاريخهم الطويل مع الرسول، ومكانتهم منه أهّلتهم للدخول في السقيفة ومحاورة زعماء الأنصار لينتهي الاجتماع بنجاح المهاجرين في تولية أبي بكر، بعد أن تفتت صف الأنصار بسبب الخلافات الداخلية في ما بينهم.
ومع تولية أبي بكر الخلافة، تحوّل كل مَن رفض البيعة أو تأخر فيها إلى صف المعارضة. و عرض بني أمية المساعدة على علي بن أبي طالب للمطالبة بالحكم، إلا أنه رفض تشككاً في نواياهم، وحرصاً على وحدة المسلمين.
ثم استقرت السلطة لأبي بكر، وبايعه الجميع. و الأنصار مالوا إلى بيعة أبي بكر على حساب علي بن أبي طالب من منظور قبلي، فأبو بكر من بيت ضعيف في قريش عكس علي، وكان من عادة القبائل تفضيل المنافس الضعيف على القوي.
عثمان والقبيلة مقابل علي والروح الإيمانية
أما بالنسبة لعمر بن الخطاب، فحزمه ومراعاته للدين والعدل أدّيا إلى القبول الواسع بحكمه، لكن بالانتقال إلى عهد عثمان ظهرت معارضة سياسية أساسها شعور عموم المسلمين بأنه يوالي أقربائه من بني أمية، و يحابيهم بالمال والمناصب.
وتبنّت معارضة عثمان خطاب الشورى والعدل، فقد كانت الثورة على عثمان في جوهرها ثورة الأنصار والعرب والموالي ضد هيمنة قريش، وضد التهميش والإقصاء. وهذا ما يفسر مبادرة الثوار إلى انتخاب خليفة جديد بأنفسهم، إذ أخذ شعار الشورى يرتفع بعد مقتل عثمان، ويتسع ليشمل جميع المهاجرين والأنصار والمسلمين، بدل الاقتصار على نخبة معيّنة من قريش، وفق أحمد الكاتب.
وتولى علي بن أبي طالب السلطة بعد عثمان. ويقول الجابري في مرجعه المذكور إن اجتماع بطون عدة ضد عثمان ولّدت حاجة ملحّة لتأسيس شرعية غير القبيلة، فكانت بداية ظهور "التشيع" لأهل البيت ممثلين بعلي.
وبجانب ذلك، كان تيار من مؤيدي علي قد بنى تأييده على فكرة "أخوة الإيمان" وهي الفكرة التي كان أبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر يدعوان لها في الأمصار.
أما معارضة علي فمثلت الأغنياء ضد الفقراء والمهمشين، مجمل معسكر علي، وفق تفسير الجابري. ويقول الشيخ الكاتب: "عندما يئس طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام من أن يكون لهما وضع مميز في ظل خلافة علي راحا يفكّران في الخروج عليه، وادعيا أن بيعته كانت تحت الضغط والإكراه، ثم نكثا بيعتهما، وقادا جيشاً من أعوانهما إلى البصرة". وانتهت معارضة طلحة والزبير بالهزيمة في معركة الجمل.
أما الطرف الأقوى في المعارضة فكان معاوية بن أبي سفيان الذي بنى مشروعيته على عدة أسس يوضحها الكاتب بأنها المطالبة بدم عثمان، وحقه في الشورى، وعدم إلزامية البيعة له وهو في الشام.
فمعاوية وظّف قضية الثأر لعثمان، واستخدم العامل القبلي لتكتيل بني أمية حوله، وهو ما يجعله الخارج الحقيقي الأول.
ومثّل الخوارج فئة كبرى من معارضي علي، وقد كانوا في البداية جزءاً من فريقه، إلا أنهم انفصلوا عنه بعد قبوله بالتحكيم مع معاوية، وكانوا أصحاب عقل أحادي، لا يقبلون مهادنة في اعتقادهم بالحق، وكانت معارضتهم وفق هذا الاعتقاد.
القوة والجبر للأمويين وحرية الإرادة لآل البيت
انتهت الأمور لصالح معاوية بن أبي سفيان، وتنازل الحسن بن علي له عن الحكم، شريطة أن يجعل الأمر شورى بين المسلمين من بعده، إلا أن معاوية قدّم القبيلة على حساب الإسلام، مؤسساً دولة ملكية وراثية، واعتمد على القوة في مجابهة أيّة معارضة، وعلى مفاهيم دينية ظهرت لمواجهة خطابات المعارضة.
ومن هذه المفاهيم مفهوم "الجبر" الكارثة الحقيقية في تاريخ الإسلام وأحد أسباب حالتنا الآن,فمعناه أن كل شيء يحدث بقدر الله، دون تدخل من الإنسان، ومعنى هذا أن الحكم الأموي تم بقدر الله، وليس اختياراً من المسلمين ولا بإرادة من معاوية، وبالتالي فإن مَن يتمرد يتمرد على قدر الله.
وظهر مفهوم آخر يوضحه نصر أبو زيد في كتابه "الاتجاه العقلي في التفسير" وهو "الإرجاء"، ويبيّن أبو زيد كيف خدم هذا المفهوم بني أمية بقوله: "المرجئة، مفكرو الحزب الأموي، ناقشوا مسألة الإيمان، فجعلوا الإيمان هو المعرفة أو التصديق والإقرار باللسان دون شرط الاقتران بالعمل، وذلك رداً على الخوارج الذين قرنوا الإيمان بالعمل، فكانت الخوارج تكفّر بني أمية لظلمهم، بينما المرجئة ترى أنه مهما بلغ ظلم الإنسان فذلك لا يُخرجه عن الدين، مما مثل تبريراً لظلم بني أمية".
بجانب ذلك، يذكر الجابري في مرجعه السابق أن أيديولوجية الخوارج كانت تكفّر بني أمية لارتكابهم الكبائر، ومع الوقت تبلور فكر الخوارج حول شعار "الحكم للمسلمين"، لا في قريش أو أهل البيت أو العرب، وانضم إليهم كثيرون من الموالي الذين عانوا من التعصب الأموي للعرب.
وظهر مذهب "القدر" الذي يرى أن الإنسان مسؤول عن أفعاله، رداً على مبدأ الجبر الأموي، وارتبطت مقولة القدر بالمعارضة، والدعوة للثورة على بني أمية، ما أدى إلى قتل بني أمية لعدد من مفكري هذه الفئة، مثل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان.
أما معسكر أتباع علي بن أبي طالب فقد تبنى الصراع الفكري والعسكري مع بني أمية، مع تبلور مفهوم "آل البيت" والتشيع لهم. فلد كان الفكر الشيعي العام يقوم على أساس الولاء السياسي لأئمة أهل البيت، وكان هؤلاء يعتقدون بحق الأمة الإسلامية في اختيار أئمتها، وبضرورة ممارسة الشورى، ويدينون الاستيلاء على السلطة بالقوة".
وشهد العصر الأموي ثورات مسلحة قادها أهل البيت، على رأسها ثورة الحسين بن علي. وشهد معسكر الزبير وطلحة صعوداً على يد عبد الله بن الزبير، ولكنه لم يصغ خطاباً سياسياً، واعتمد على نصرة أهل الحجاز، وانتهى نفوذه بمقلته.
انقسام "آل البيت" بين عباسيين وعلويين
كان العباسيون جزءاً من فريق "آل البيت"، لكنهم لم يجاهروا بالعداء لبني أمية إلا عندما بدأوا يضعفون، فرفعوا شعار "الرضا لآل البيت" أي آل محمد، وحين نجحت الثورة ضد الأمويين، استأثروا بالحكم دون العلويين، وكان عليهم تبرير هذا التفرد.
ويبيّن الجابري أنه بعد سيطرة العباسيين على السلطة حدثت عملية بناء جديدة لمسألة الشرعية تعتمد القرابة من النبي، ولكن بدون توسط "الوصية" أو "العلم السري" كما في ميثولوجيا الإمامة الشيعية العلوية. فكان التوسط عند العباسيين عن طريق "إرادة الله"، وتبنوا خطاباً مفاده أن الله أراد النبوة في محمد، وأراد أن يكون وارثه هو عمه العباس، إذ مات وهذا العم حي، وأراد الله أن يفشل العلويين في استعادة حق آل البيت، وأن ينجح بنو العباس في ذلك، بنصرة شيعتهم من أهل خراسان.
ويقول الكاتب: "على عكس السلالة الأموية التي استولت على السلطة بالقوة الصريحة، ولم يكن يربطها برسول الله رابطٌ كبيرٌ، فان العباسيين كانوا يعتبرون أنفسهم من آل البيت. وبالتالي فإنهم قريبون جداً من الرسول الأكرم وعترته. وقد حاول سلفهم الادعاء بوجود نص على جدهم العباس من الرسول، واستعانوا بأحاديث موضوعة تصوّر دولة بني العباس وكأنها ذات مسحة دينية. وذهب أبو جعفر المنصور إلى اعتبار نفسه سلطان الله في أرضه".
وأدى ذلك إلى تحوّل العلويين إلى نخبة دينية تلتف حول المذهب الشيعي، وبدأ صراع بين الطرفين فكرياً، وعسكرياً، ونجحت فرقة الإسماعيلية الشيعية في إقامة الدولة الفاطمية في مصر.
ووُجدت فئات من المعارضة تبنّت خطاباً يقوم على أسس سياسية واجتماعية وترجمته بحركات ثورية كان منها ثورة الزنج و القرامطة.
وأحدث ظهور العنصر التركي تغييراً في معادلة السلطة، يوضحه الجابري قائلاً: "أدى ظهور العنصر التركي إلى إخماد نار الخصومة بين الفرس والعرب حيناً، وبين العلويين والعباسيين حيناً آخر، لأنه استأثر بالأمر دون الفريقيين، ولم يكن يحفل بأولئك أو بهؤلاء، ومن هنا بدأ ظهور الدول المستقلة وشبه المستقلة في أطراف الدولة العباسية".
و ترافقت مع الواقع الجديد تغيّرات على مستوى النظرية السياسية، بهيمنة الخطاب الديني الفقهي الذي شرّع إمامة المتغلب بالقوة، تماشياً مع الواقع الجديد الذي اعتمد على القوة العسكرية. إلا أن هذا الواقع احتفظ بالمكانة المقدسة لمنصب الخليفة، وإن كان احتفاظاً شكلياً فقط.
العثمانيون... الخلافة في مواجهة الصفويين والخطر الأوروبي
أما بالنسبة للعثمانيين كانوا جزءاً من العقلية المسلمة السنية، وأنهم اعتمدوا على الدين لتبرير التوسع العسكري، وحرصوا على نقل مكانة الخلافة الرمزية إليهم بعد غزوهم مصر، مما ساهم في جمع كل أفئدة العالم الإسلامي حول القوة العثمانية التي تبنت خطاب القتال ضد العالم الأوروبي الصليبي.
ومثّل ظهور الدولة الصفوية الشيعية في إيران عام 1501 مشروعية للعثمانيين بصفتهم حماة أهل السنة. فلقد استغل العثمانيون التطرف الصفوي لإعلان الحرب على الشيعة، وإصدار فتاوى بتكفيرهم. ثم خفت هذا الخطاب لاحقاً بفعل تراجع الصفويين عن التطرف، وزيادة الخطر الأوروبي. فأصبح الخطاب حرب الصليبيين هو الجاذب لعموم المسلمين حول الدولة العثمانية.
أما عن معارضة العثمانيين، فيذكر جورج أنطونيوس جانباً منها في كتابه "يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية" ويقول إن البلاد العربية شهدت قبل القومية الحديثة حركات سياسية فردية معارضة للعثمانيين إلا أنها كانت تهدف لأمجاد شخصية. كما ظهرت الحركة الوهابية في بلاد نجد بالجزيرة العربية عام 1747، وشكلت تهديداً للولايات العثمانية، حتى قضى محمد علي باشا عليها.
ويشير أنطونيوس إلى أنه نتج عن الحكم المصري في عهد محمد علي للشام، وما رافقه من تحديث، نمو للتعليم خصوصاً الأجنبي، فظهر خطاب سياسي متأثر بالقوميات الأوروبية.
ثم بدأت الدعوة للقومية العربية كخطاب معارض، مع فكرة الجمعيات الأدبية والعلمية في الشام (1847-1868)، التي غرست بذرة القومية والوطنية بدلاً من الطائفية الدينية، ودعت للثورة على الأتراك، وإقامة حكم عربي، وإطلاق الحريات، ونشر التعليم. ونمت هذه الحركة خصوصاً رداً على استبداد السلطان عبد الحميد الثاني، والدعوات المتعصبة للأتراك.
ويقول سالم: "نشأت الوطنية المصرية في القرن التاسع عشر ضد الخطر الأجنبي والعثمانيين، كنتيجة للوعي الذي نشأ عن حركة التعليم في عهد محمد علي، وتبلورت بشكل تام مع الثورة العرابية عام 1879".
السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني "الكبير"، آخر سلطان فعلي للدولة العثمانية
وبدأت الروح القومية التركية في الظهور مع الإصلاحات الحديثة على يد السلطان محمود الثاني، عام 1830، وتكوّنت طبقة وسطى مثقفة نجحت في عزل السلطان اللاحق عبد العزيز الذي تبنى الحكم الثيوقراطي، وتولية السلطان عبد الحميد الثاني (عام 1876) الذي قبل بالدستور، إلا أنه انقلب عليه لاحقاً، مدشناً خطاب "الجامعة الإسلامية" مقابل الخطاب القومي التركي، الذي دعا إلى الإصلاحات والتحديث، وفق ما ذكر سعد الحميدي في كتابه "الصراع بين القوميتين العربية والتركية".
ونشطت المعارضة القومية التركية ممثلة في جمعية "تركيا الفتاة"، وغيرها، ثم تكوّنت "جمعية الاتحاد والترقي" التي تحيّزت للعنصر التركي، وتبنت خطاباً عنصرياً ضد القوميات الأخرى، كما ذكر الحميدي.
وهيمن خطاب القوميات، والدعوة للتحديث، وبزغت القوميات العديدة في الدولة العثمانية، ثم لاحقاً مع الغزو الأجنبي، انحصرت الدولة العثمانية في تركيا الحديثة، وتبنت خطاباً قومياً تركياً صرفاً.
قد يكون حديثنا عن الطاعة وأنها دين وقربة وتآلف ووحدة قد أثار في أذهان البعض نبذ فكرة المعارضة في النظام الإسلامي على أساس أنها نبذ للطاعة وخروج عن الجماعة ، وقد يفهم البعض الآخر أن نظام الشورى لا يمكن تحقيقه عملاً إلا في ظل تعددية حزبية ، تسمح بقيام المعارضة وبتنظيمها .
والحق أن النظام السياسي الإسلامي لا يؤيد فكرة المعارضة ولا يرفضها في ذات الوقت ، وإنما ينظر إليها باعتبارها فكرة جديدة تخضع لضوابط المصلحة .
إن حديثا عن الطاعة لا يعنى نبذ فكرة المعارضة تماماً ، فالمعارضة لا تكون في كل صورها خلعاً للطاعة أو خروجاً على الجماعة ، بل إن آية الطاعة نفسها تفتح مجالاً واسعاً للمعارضة حين يأمر ولاة الأمور بما يخالف شرع الله تعالى ، وكذلك الأحاديث التي قيدت الطاعة بالمعروف ، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
لذلك إن كنت من مناصري هذا الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول:"مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَة، وَخَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، فَمَاتَ فَمِيتَتَهُ جَاهِلِية.
لذلك أريد أن أخبرك ببعض أ سماء الخوارج الذين ماتو ميتة الجاهلية حسب هذا الحديث.
علي ابن ابي طالب كرم الله وجهه
معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه
الحسين حفيد الرسول صلى الله عليه و سلم
طلحة
الزبير ابن العوام
الخلافة العباسية
الخلافة الفاطمية
الخلافة العثمانية
الأدارسة بالمغرب
الخلافة الأموية في الأندلس
المرابطون بالمغرب و الأندلس
و العديد العديد غيرهم في التاريخ الإسلامي حسب هذه الأحاديث هم خوارج و ربما كفار.
للحديث بقية و شرح.

MIB

مدونة لبعض الخربشات التي إحتلت عقلي فأردت لها أن تكون في صفحات هذه المدونة انشر هنا آرائي الخاصة وروابط لمقالاتي، يمكنك مراسلتي للتواصل لأي سبب كان أهوى الرسم و كذلك كل ما يتعلق بالأدب و الفنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق