الفصل الأول: ليلة المطر
كانت الليلة مظلمة كقلب الهاوية، والسماء تمطر بغزارة كأنها تحاول غسل خطايا المدينة التي طال أمدها. قطرات الماء الثقيلة تهطل بلا هوادة، تتساقط على أسطح المنازل المتهالكة في الحي الشعبي المنسي، وتتحطم على الأرض الترابية لتتحول إلى برك صغيرة تعكس وهج المصابيح الكهربائية الباهتة المعلقة على أعمدة خشبية متآكلة. الشوارع الضيقة، المزدحمة بالأزقة المتعرجة، كانت غارقة في الوحل، والجدران الطينية القديمة تتشقق تحت ضغط الماء المتسرب. رائحة التراب المبلل تملأ الجو، ممزوجة بنكهة الخوف التي تفوح من البيوت المتلاصقة كجثث متراصة في مقبرة مهجورة.
الحي لم يكن سوى ظل باهت لما كان عليه يوماً. بيوت متواضعة من الطوب اللبن، أبوابها خشبية متصدعة، ونوافذها مغلقة بستائر رقيقة ترفرف كأرواح مضطربة خلف الزجاج المكسور. كان السكان يعيشون تحت وطأة عصابة سالم الضبع منذ سنوات طويلة، عصابة لا تعرف الرحمة، تجمع "الضرائب" من الفقراء بقبضات حديدية وأسلحة نارية. كل ليلة كانت تحمل معها تهديداً جديداً، وكل يوم كان يزيد من يأسهم. لكن تلك الليلة كانت مختلفة. كان هناك شيء في الهواء، شيء أثقل من المطر، أكثر قتامة من الظلام.
في الشارع الرئيسي الضيق، اخترق هدير محرك سيارة دفع رباعي سوداء الصمت المشوب بالتوتر. كانت السيارة مغطاة بطبقة من الوحل، وأضواؤها الأمامية تسلط شعاعين قويين يمزقان الظلام كشفرتين حادتين. توقفت فجأة، وانفتحت أبوابها لتخرج منها خمسة أشكال مظلمة، كأنهم جنود جحيم أطلقوا من أغلالهم. كانوا رجالاً مسلحين، يرتدون معاطف جلدية سوداء لامعة تحت المطر، ووجوههم مغطاة بأقنعة سوداء تخفي ملامحهم، لكن عيونهم تلمع ببريق الشراسة. في أيديهم مسدسات وقضبان حديدية، وخلف أحزمتهم خناجر لامعة تبرز كلما تحركوا.
"افتحوا الأبواب، يا كلاب!" صرخ أحدهم، صوته خشن كصوت المطر وهو يضرب الأرض. كان طويل القامة، ذو بنية قوية، وسار نحو أقرب بيت بثقة المعتاد على السيطرة. طرق الباب بقوة بمقبض مسدسه، حتى اهتز الخشب الضعيف. "الليلة تدفعون أو تموتون! سالم الضبع لا ينتظر!"
"هيا، تحركوا! لا وقت للتسكع!" رد عليه رجل آخر، أقصر قليلاً ولكنه أكثر بدانة، وهو يلوح بقضيب حديدي في يده. كان يقف عند زاوية الشارع، يراقب الأزقة كأنه يتوقع مقاومة قد لا تأتي. "هؤلاء الفلاحون لا يتعلمون أبدًا. لو كان لهم عقل، لدفعوا دون كلام."
في الزقاق المجاور، كان اثنان آخران قد بدآ العمل بالفعل. أمسكا بشاب نحيف، لا يتجاوز العشرين، يرتدي قميصاً ممزقاً وبنطالاً قديماً. كان يحاول الهرب، لكنه تعثر في الوحل وسقط. "أرجوكم، ليس لدي شيء!" صرخ الشاب، صوته يرتجف وهو يرفع يديه ليحمي وجهه. لكن الرجل الأول، ذو الندبة العميقة على ذراعه، ضربه بقوة في بطنه بقضيب حديدي، بينما الثاني، الذي كان يحمل مسدساً، وجهه إلى رأسه.
"لا شيء؟" قال الثاني بسخرية، وهو يضغط فوهة المسدس على جبهة الشاب. "إذاً سنأخذ حياتك بدلاً من المال. سالم لا يحب الخاسرين." ضحك ضحكة خافتة، لكنها كانت تحمل وعيداً أكثر من المرح.
"دعه، يا حسام!" تدخل الرجل ذو الندبة، وهو يمسح الماء عن وجهه. "إذا قتلناه الآن، لن يدفع أحد غداً. اركله وخلّصنا." ثم التفت إلى الشارع الرئيسي، حيث كان الرجل الطويل لا يزال يطرق الأبواب ويصرخ: "اخرجوا، يا جبناء! أم تريدون أن نحرق بيوتكم؟"
فجأة، توقف المطر للحظة، كأن السماء كانت تحتجز أنفاسها. الهواء أصبح أثقل، والظلام أعمق، وصوت الريح بدأ يعوي بين الأزقة كتحذير لشيء قادم. ثم ظهر. من بين الظلال، تحرك شبح أسود بصمت مخيف، كأنه جزء من الليل نفسه. رداء طويل أسود يرفرف خلفه كجناحي غراب، قلنسوته الكبيرة تغطي وجهه بالكامل تقريباً، لا يظهر منه سوى عينين حادتين تلمعان كنجمتين في سماء سوداء. كان يرتدي جينز أسود ضيقاً يكشف عن بنية رياضية مشدودة، وحذاء أسود ثقيل يترك آثاراً خافتة في الوحل. في يده اليمنى، مسدس مزود بكاتم صوت، يحمله بثبات يعكس خبرة طويلة، وفي جيب ردائه، خنجر صغير منحنٍ يبرز طرفه اللامع قليلاً.
لم يكن هناك تحذير، ولا كلمة واحدة. الرجل الطويل، الذي كان يطرق الباب، لم يشعر إلا بلحظة عندما اخترقت رصاصة جبهته بدقة قاتلة. صوت خافت كالنفس الأخير خرج من كاتم الصوت، "فشش"، ثم سقط الرجل كالجذع المقطوع، وجهه يصطدم بالباب قبل أن يستقر جسده في بركة من الدم والماء. الدم بدأ ينتشر بسرعة، يرسم خطوطاً سوداء تحت ضوء المصباح الخافت.
في الزقاق، التفت الرجلان اللذان كانا يضربان الشاب بسرعة، لكنهما لم يروا شيئاً سوى ظل يتحرك بسرعة البرق. الظل قفز إلى صندوق قديم بجانب الحائط، مستخدماً إياه كنقطة ارتكاز، ثم أطلق رصاصتين متتاليتين من مسدسه. الرصاصة الأولى اخترقت صدر الرجل ذو الندبة، فتحت فجوة دامية في معطفه الجلدي، وألقته إلى الخلف ليرتطم بالحائط قبل أن ينهار. الرصاصة الثانية أصابت "حسام" في عنقه، فانفجر الدم كالنافورة، وهو يمسك بحلقه في محاولة يائسة لإيقاف النزيف قبل أن يسقط ميتاً.
صرخة قصيرة انطلقت من الشاب النحيف، لكنه سرعان ما زحف بعيداً، مختبئاً خلف برميل صدئ. الرجلان المتبقيان عند السيارة، السمين والذي كان يحرس الزاوية، فتحا النار بشكل عشوائي. الرصاص مزق الجدران الطينية، وأصاب بعض النوافذ، مما أثار صراخاً خافتاً من داخل البيوت. "أين هو؟ أين ذلك اللعين؟" صرخ السمين، وهو يلوح بمسدسه في كل اتجاه، بينما كان الآخر يحاول الاختباء خلف السيارة.
لكن الظل لم يكن هناك. كان قد اختفى في الظلام مرة أخرى، يتحرك كشبح بين الأزقة. استغل الضباب الخفيف الذي بدأ يتشكل تحت المطر، وانزلق بصمت خلف كومة من الصناديق المهملة. ثم، بسرعة خاطفة، ظهر خلف الرجل السمين. يده اليسرى امتدت كالكماشة، سحبت رأسه للخلف بحركة عنيفة، وكسرت رقبته بلمح البصر، صوت الطقطقة يختلط بصوت المطر المتجدد. في نفس اللحظة، أطلق رصاصة من مسدسه على الرجل الآخر، الذي كان لا يزال مختبئاً خلف السيارة. الرصاصة اخترقت الباب المعدني واستقرت في قلبه، فتهاوى على الأرض وهو يتشنج لثوان قبل أن يتوقف عن الحركة.
الهدوء عاد إلى الحي للحظة، لكن الدم كان يغطي الأرض الآن، خطوط سوداء وحمراء تتدفق مع الماء في الشوارع. تقدم الظل ببطء نحو السيارة، خطواته ثابتة وهادئة كمن يعرف أن الوقت في صالحه. فتح الباب الأمامي بهدوء، وأخرج خنجره الصغير المنحني من جيب ردائه. كان الخنجر قديماً، مقبضه مزخرف بنقوش عربية دقيقة، لكنه حاد كشفرة القدر. حفر به علامة على غطاء المحرك: دائرة سوداء بداخلها قطرة دم، رمزاً لما بدأه هنا.
ثم التفت إلى البيوت المحيطة. كانت الأنظار تترقبه من خلف النوافذ المغلقة، عيون مملوءة بالخوف والدهشة، وبعضها بالأمل. رجل عجوز، يرتدي جلباباً باهتاً، خرج من أحد الأبواب، متكئاً على عصا خشبية. اقترب خطوة مترددة، ورفع صوته المرتجف: "من أنت، يا غريب؟ من أرسلك إلينا؟"
توقف الظل للحظة، قلنسوته ترفرف قليلاً تحت الريح الباردة. ثم رد بصوت خافت كالهمس، نبرته باردة كالصلب: "العدالة." لم يضف كلمة أخرى، استدار ببطء، واختفى في الظلام كما ظهر، تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً وأجساداً متناثرة تحت المطر.
في تلك اللحظة، كان الشيخ مروان يراقب من نافذته الصغيرة في بيته المتواضع على طرف الحي. كان رجلاً في الستينيات، وجهه متغضن كخريطة قديمة، وعيناه الضعيفتان تلمعان ببريق غريب. أمسك كتاباً قديماً بين يديه، صفحاته صفراء ومتهالكة، وهمس لنفسه: "كأنه عاد من أساطير الماضي... محارب الظلال الذي تحدث عنه الرواة." أغلق النافذة ببطء، وعاد إلى كرسيه الخشبي المهترئ، حيث كان الكتاب مفتوحاً على صفحة تتحدث عن بطل عربي نسيته الأيام، قاتل الظلم في ليالٍ مثل هذه.
في الصباح التالي، كانت الشوارع لا تزال مبللة، لكن المطر قد توقف أخيراً. الدم غسله التيار إلى المجاري، لكن الجثث بقيت كشاهد صامت على ما حدث. السيارة السوداء، متروكة في منتصف الشارع، كانت تحمل علامة الظل، محفورة بعمق في المعدن كتحذير لا يمحوه الزمن. لم يكن أحد يعلم من هو هذا الشبح، أو من أين جاء، أو لماذا اختار هذه الليلة ليظهر. لكن شيئاً واحداً كان واضحاً للجميع: تلك الليلة لم تكن سوى البداية لحرب لم يروا مثلها من قبل.
الفصل الثاني: شائعات الشبح
كان الصباح التالي لـ"ليلة المطر" يحمل معه هواءً باردًا ورطوبة متبقية من العاصفة. شوارع المدينة، التي تمتد كشبكة عنكبوتية من الأحياء الفقيرة إلى المباني الحديثة في وسطها، بدت هادئة بشكل غير طبيعي. الشمس كانت تحاول اختراق الغيوم الرمادية الثقيلة، لكنها لم تستطع أن تمحو الظلال التي تركتها تلك الليلة. في الحي الشعبي، كانت آثار الدم قد اختفت تحت الماء المتدفق إلى المجاري، لكن السيارة السوداء المتروكة في منتصف الشارع، بعلامتها المحفورة - دائرة سوداء تحيط بقطرة دم - ظلت كشاهد صامت على ما حدث. الناس بدأوا يخرجون من بيوتهم بحذر، يتجمعون في مجموعات صغيرة، يتهامسون بصوت خافت كأنهم يخشون أن يسمعهم أحد.
"رأيته بعيني، كان كالشبح!" قال رجل عجوز ذو لحية بيضاء متفرقة، وهو يشير بيده المرتجفة نحو السيارة. "تحرك بسرعة لم أرَ مثلها من قبل، وأولئك الأوغاد سقطوا كالذباب." امرأة شابة، تحمل طفلاً يبكي بهدوء، أضافت بنبرة مختلطة بالخوف والإعجاب: "قتلهم جميعًا ولم يترك أثراً سوى تلك العلامة. من يكون هذا الرجل؟" الشائعات بدأت تنتشر كالنار في الهشيم، تنتقل من فم إلى فم، من حي إلى آخر، حتى وصلت إلى أطراف المدينة كقصة أسطورية جديدة تولد من رحم اليأس.
في وسط المدينة، حيث تتداخل المباني الزجاجية الحديثة مع الأسواق القديمة، كانت نورا العامري تجلس في مكتبها الصغير في مقر صحيفة "النور". كان المكتب متواضعاً، جدرانه مغطاة بأوراق صحفية قديمة وصور فوتوغرافية مثبتة بدبابيس، ومكتبها الخشبي مليئاً بالأوراق المبعثرة والأقلام المكسورة. كانت نورا في أوائل الثلاثينيات، شعرها الأسود القصير يتدلى على جبهتها، وعيناها البنيتان تلمعان بمزيج من الفضول والعناد. كانت ترتدي جاكيت جلدياً بنياً وقميصاً أبيض بسيطاً، وأمامها كوب قهوة بارد نسيته منذ ساعات. جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بها، وهو الشيء الوحيد الحديث حقاً في الغرفة، كان مفتوحاً على صورة ضبابية التقطتها كاميرا مراقبة قديمة في الحي الشعبي.
الصورة كانت غامضة، لكنها كانت كافية لتجعل قلب نورا ينبض بسرعة. كان هناك شبح أسود، رداؤه الطويل يرفرف كجناحين، وقلنسوته تخفي وجهه تماماً. كان يقف فوق جثة أحد أفراد العصابة، مسدسه في يده، والدم يتدفق حوله كخطوط سوداء في الوحل. "من أنت، يا ترى؟" همست نورا لنفسها، وهي تكبر الصورة على الشاشة. كانت الصورة ضبابية للغاية، والإضاءة السيئة جعلت من المستحيل تمييز أي تفاصيل واضحة عن وجهه أو حتى بنيته. لكن شيئاً في تلك الصورة جذبها، شيء يتجاوز مجرد قصة صحفية عابرة. كانت تشعر أن هذا "الشبح" يخفي أكثر مما يظهر، وأن هناك قصة كبيرة وراءه.
نهضت نورا من كرسيها، وأمسكت هاتفها المحمول لتتصل بصديقها القديم عمر، وهو هاكر هاوٍ يعمل في متجر إلكترونيات صغير. "عمر، أحتاج مساعدتك في شيء," قالت بصوت حاد وهي تضع الهاتف بين أذنها وكتفها، بينما تبحث في أدراج مكتبها عن كابل USB. "لدي صورة ضبابية لرجل غامض، وأريدك أن تستخدم برامجك السحرية لتحسينها. يمكنك فعل ذلك؟" رد عمر بنبرة متعبة: "نورا، أنا أصلح الهواتف، لا أصنع المعجزات. لكن أرسليها لي، سأرى ما يمكنني فعله."
بعد دقائق، كانت الصورة قد وصلت إلى بريد عمر الإلكتروني. في متجره الصغير المزدحم بالأجهزة المكسورة والكابلات المتشابكة، فتح الصورة على شاشة حاسوبه القديم وبدأ يعمل. استخدم برنامج تحليل صور متقدم، معززاً التباين وضابطاً الإضاءة، لكن النتائج كانت مخيبة للآمال. "لا شيء هنا، نورا," قال عبر الهاتف بعد ساعة من العمل. "الصورة سيئة للغاية، كل ما أستطيع قوله هو أنه رجل طويل، يرتدي رداءً أسود وقلنسوة. لا وجه، لا تفاصيل. من هذا الرجل على أي حال؟" أجابت نورا بنبرة مليئة بالإصرار: "هذا ما سأكتشفه. شكراً، عمر."
في الوقت نفسه، على الجانب الآخر من المدينة، كان سالم الضبع يجلس في مكتبه الفاخر داخل فيلته المحصنة. كانت الفيلا تقع في ضاحية راقية، محاطة بجدران عالية وكاميرات مراقبة حديثة، لكن تلك الليلة جعلته يشعر أن كل هذه الحماية لم تكن كافية. كان سالم رجلاً في الأربعينيات، ذو مظهر أنيق يخفي طباعاً وحشية. شعره الأسود المصفف بعناية، وربطة عنقه الحمراء الداكنة تضيفان لمسة من الرقي إلى بدلته السوداء المصممة خصيصاً له. لكنه الآن كان يبدو مضطرباً، عيناه تلمعان بالغضب والخوف، وهو ينظر إلى صور الجثث التي أرسلها أحد أتباعه من الحي الشعبي.
"خمسة رجال!" صرخ سالم، وهو يضرب مكتبه الخشبي بقبضته حتى اهتزت الأوراق والكأس الزجاجي فوقه. كان يقف أمامه ثلاثة من أتباعه المقربين، رجال ذوو وجوه خشنة وندوب تحكي قصص معارك سابقة. "خمسة من أفضل رجالي، ذبحوا كالخراف في أقل من دقيقة! من هذا الشبح اللعين؟" صوته كان يرتجف قليلاً، ليس من الخوف فقط، بل من الغضب الذي بدأ يغلي داخله.
"لا نعرف، سيدي," قال أحد الرجال، وهو رجل ضخم الجثة يدعى راشد، ذو لحية كثيفة وعين واحدة مغطاة بضمادة سوداء. "كل ما وجدناه هو الجثث والسيارة. لم يترك أثراً، لا بصمات، لا شيء سوى تلك العلامة الغريبة." أشار إلى صورة السيارة التي التقطتها كاميرا هاتفه، حيث كانت العلامة - دائرة سوداء بقطرة دم - محفورة بعمق في المعدن.
"علامة؟" سأل سالم، وهو يميل إلى الأمام، عيناه تضيقان كعيني ضبع يشم رائحة فريسة. "إنه يترك رسالة، إذاً. يريدنا أن نعرف أنه قادم." جلس مرة أخرى، وأخرج سيجاراً من علبة فضية على المكتب، أشعله ببطء وهو يفكر. "مضاعفة الحراسة على جميع المستودعات والشحنات. أريد رجالاً مسلحين في كل زاوية، وكاميرات إضافية، وطائرات مسيرة إذا لزم الأمر. لن أدع هذا الوغد يفاجئني مرة أخرى."
"لكن، سيدي," تدخل رجل آخر يدعى طارق، نحيف ولكنه سريع الحركة، "إذا كان بهذه السرعة والقوة، كيف سنوقفه؟ خمسة رجال لم يروا حتى وجهه!" نظر إليه سالم بنظرة حادة جعلت طارق يتراجع خطوة إلى الخلف. "سنوقفه بالقوة والعدد," قال سالم ببرود. "كل رجل له نقطة ضعف، وسأجدها."
فجأة، رن هاتف محمول أسود على المكتب، صوت الرنين يقطع التوتر في الغرفة. سالم رفع الحاجب، ثم أمسك الهاتف وأجاب بحذر. "نعم؟" لم يكن هناك رد في البداية، فقط صوت تنفس خافت على الجانب الآخر. ثم جاء صوت عميق، هادئ، ولكنه يحمل تهديداً خفياً: "إنه ليس مجرد مجرم عادي، يا سالم."
تجمد سالم للحظة، عيناه تتسعان قليلاً. "الصقر؟" همس، وهو يشد قبضته على الهاتف. "ماذا تعني؟ هل تعرف من هو هذا الشبح؟" الصوت على الجانب الآخر ضحك ضحكة خافتة، باردة كالريح في ليلة شتوية. "أعرف أكثر مما تظن. لكنه ليس شيئاً يمكنك التعامل معه بسهولة. احترس، يا سالم. لديه أسباب تجعله يفعل هذا، وأنت لست سوى البداية." ثم انقطع الاتصال، تاركاً سالم ينظر إلى الهاتف بنظرة مزيج من الغضب والقلق.
"من كان ذلك؟" سأل راشد بحذر، لكن سالم لم يجب. وضع الهاتف على المكتب، وأخذ نفساً عميقاً من سيجاره، الدخان يتصاعد حوله كسحابة سوداء. "استعدوا," قال أخيراً، صوته منخفض وخطير. "لن أدع هذا الشبح يدمر كل شيء بنيته."
في تلك الأثناء، عادت نورا إلى مكتبها بعد أن أنهت مكالمتها مع عمر. جلست أمام حاسوبها، وبدأت تكتب ملاحظاتها بسرعة: "شبح أسود، رداء طويل، مسدس كاتم صوت، قتل خمسة من رجال العصابة في الحي الشعبي. علامة: دائرة سوداء بقطرة دم. من هو؟ بطل أم قاتل؟" توقفت للحظة، ثم أضافت: "يجب أن أذهب إلى الحي بنفسي." أغلقت الحاسوب، وأمسكت كاميرتها وحقيبتها الصغيرة، عيناها تلمعان بإصرار الصحفي الذي يشم رائحة قصة كبيرة.
في شوارع المدينة، كانت الشائعات
تتضخم مع كل ساعة تمر. الناس بدأوا يطلقون على الشبح اسم "الظل"، والبعض
قال إنه روح انتقامية من الماضي، بينما رآه آخرون كبطل يحارب الفساد الذي أغرق
المدينة. لكن لا أحد كان يعرف الحقيقة، ولا أحد كان مستعداً لما سيأتي بعد ذلك.
كانت الشوارع خارج مكتب نورا تعج بالحركة المعتادة للمدينة في الصباح. عربات الباعة الجائلين تصطف على الأرصفة، تحمل الخضروات والتوابل التي تفوح منها رائحة قوية تمتزج بدخان عوادم السيارات. أصوات البوق تخترق الهواء، وأحاديث الناس تملأ الفراغ بين المباني المتلاصقة. لكن تحت هذا الروتين اليومي، كان هناك توتر خفي. الناس كانوا يتحدثون بصوت أقل، ينظرون حولهم بحذر، كأنهم يتوقعون ظهور ذلك الشبح الأسود في أي لحظة. في أحد الأزقة القريبة، كان شاب يرتدي قبعة سوداء يرسم على جدار علامة الظل بالفحم، وهو يهمس لصديقه: "رأيته في أحلامي الليلة الماضية. إنه قادم لهم جميعاً."
داخل مكتبها، كانت نورا تضع خطة ليومها. كانت تعرف أن الصورة الضبابية وحدها لن تكفي لكتابة تقرير يستحق النشر. كانت بحاجة إلى شهود، إلى أدلة، إلى شيء ملموس. أخرجت مفكرة صغيرة من حقيبتها، وبدأت تكتب: "الخطوة الأولى: زيارة الحي الشعبي. الخطوة الثانية: مقابلة السكان. الخطوة الثالثة: البحث عن أي سجلات عن عصابة سالم الضبع." توقفت للحظة، ونظرت إلى صورة معلقة على الحائط: صورة لها مع والدها، وهو يبتسم بفخر يوم تخرجها من كلية الصحافة. كان والدها صحفياً أيضاً، لكنه قتل قبل عشر سنوات أثناء تحقيق عن الفساد في الحكومة. "لن أترك هذه القصة تمر، يا أبي," همست، ثم أغلقت المفكرة بقوة.
في فيلته، كان سالم الضبع قد انتهى من إعطاء أوامره الأولية، لكنه لم يشعر بالارتياح. نهض من كرسيه، وسار نحو نافذة كبيرة تطل على حديقته المحاطة بأسوار عالية. كان المنظر هادئاً - أشجار النخيل تتمايل برفق، وبركة ماء صغيرة تعكس السماء الرمادية - لكن عقله كان مضطرباً. "الصقر يعرف شيئاً," فكر في نفسه. "لكنه لا يقول كل شيء. لماذا؟" عاد إلى مكتبه، وفتح درجاً سرياً أسفل الطاولة، أخرج منه مسدساً ذهبياً صغيراً، وضعه بجانب الهاتف. "إذا كان هذا الشبح يريد حرباً، سأعطيه حرباً لن ينساها."
"راشد، طارق، اسمعاني جيداً," قال سالم، وهو يستدير لمواجهة أتباعه مرة أخرى. "أريد عشرة رجال إضافيين في كل مستودع بحلول الليل. جهزوا الأسلحة الثقيلة - الرشاشات، القنابل اليدوية، كل شيء لدينا. وأحضروا لي أفضل المرتزقة من السوق السوداء. سأدفع أي ثمن." توقف للحظة، ثم أضاف: "وأريد طائرة مسيرة مسلحة تحلق فوق الحي الشعبي الليلة. إذا ظهر هذا الشبح مرة أخرى، سأحرقه حتى الرماد."
"لكن، سيدي," قال طارق بحذر، "إذا استخدمنا كل هذه القوة، قد نجذب انتباه الشرطة أو الحكومة." رد سالم بابتسامة باردة: "الشرطة في جيبي، والحكومة لا تهتم بأحياء الفقراء. افعلوا ما آمركم به، ولا تعودوا إليّ إلا إذا كان رأس هذا الشبح بين يديكم."
غادر الرجال الغرفة بسرعة، تاركين سالم وحيداً مع أفكاره. أمسك الهاتف مرة أخرى، ونظر إليه كأنه يتوقع مكالمة أخرى من "الصقر". لكنه لم يضغط على أي زر. بدلاً من ذلك، أشعل سيجاراً آخر، وترك الدخان يملأ الغرفة كسحابة من الظلام تحيط به.
في تلك اللحظة، كانت نورا قد غادرت مكتبها، متجهة نحو الحي الشعبي بسيارتها القديمة. كانت تعرف أن هذه القصة قد تكون الأكبر في حياتها، لكنها كانت تشعر أيضاً أنها تدخل منطقة مجهولة، منطقة قد تغير كل شيء. الشائعات عن "الظل" كانت تزداد، والمدينة كانت على وشك الانفجار. لكن ما لم يكن أحد يعرفه بعد هو أن الظل نفسه كان يراقب، ينتظر، ويخطط لضربته التالية.
الفصل الثالث: الكمين
كانت ضواحي المدينة منطقة موحشة، حيث تتلاشى الحياة تدريجياً مع كل خطوة تبتعد فيها عن قلب المدينة النابض. الأراضي القاحلة تمتد كبحر من الرمال والحجارة، تتخللها بقايا مبانٍ صناعية مهجورة تقاوم الانهيار بصعوبة. المستودع المهجور، الذي اختاره سالم الضبع ليكون مسرح كمينه، كان أشبه بقلعة من العصر الحديدي المنسي، بناء ضخم من الخرسانة الرمادية المتشققة، جدرانه مغطاة بطبقات سميكة من الغبار والصدأ المتآكل. النوافذ المحطمة كانت كعيون فارغة تطل على أرض مليئة بالحشائش اليابسة التي تتمايل كأشباح تحت الريح الباردة، وأكوام النفايات المتناثرة تضيف إلى الجو رائحة العفن والزمن الضائع. السقف الحديدي، المثقوب في عشرات الأماكن، كان يصدر أصوات طقطقة خافتة مع كل هبة ريح، وثقوبه تسمح لضوء القمر الشاحب بالتسلل إلى الداخل، مرسلاً خيوطاً فضية رقيقة ترقص على الأرضية المتسخة.
في تلك الليلة، كان الهواء يحمل شيئاً أكثر من البرد والرطوبة. كانت هناك رائحة خفية للبارود والدم المقبل، رائحة لم يشمها أحد بعد، لكنها كانت تتسرب إلى الجو كتحذير من عاصفة قادمة. سالم الضبع، الرجل الذي كان يقف وراء هذا الكمين الضخم، لم يكن موجوداً في المستودع بنفسه. كان يجلس في مكتبه الفاخر داخل فيلته المحصنة على الجانب الآخر من المدينة، بعيداً عن الخطر المباشر، لكنه كان يتحكم في كل شيء عبر شبكة من شاشات المراقبة المتصلة بكاميرات المستودع وأجهزة الاتصال اللاسلكي. كان في الأربعينيات، ذو مظهر أنيق يخفي عقلاً ملتوياً ومجنوناً: شعره الأسود المصفف بعناية فائقة، بدلته السوداء المصممة خصيصاً له، وربطة عنقه الحمراء التي تبدو كجرح مفتوح على صدره. لكنه لم يكن هادئاً تلك الليلة. كان مضطرباً، أصابعه تضرب على سطح المكتب الخشبي بإيقاع عصبي متقطع، وعيناه تلمعان ببريق مختل كمن فقد جزءاً من عقله بعد "ليلة المطر".
"سأقتله," همس لنفسه، صوته يحمل نبرة هستيرية تتردد في الغرفة الفارغة. "سأمحوه من الوجود، سأجعله يندم على كل نفس أخذه في هذه المدينة اللعينة!" نهض فجأة من كرسيه، وسار نحو النافذة الكبيرة التي تطل على حديقته المحاطة بأسوار عالية. كان المنظر هادئاً - أشجار النخيل تتمايل برفق، وبركة ماء صغيرة تعكس القمر - لكنه لم يرَ شيئاً من ذلك. كان عقله غارقاً في بحر من الخطط والشكوك. "إذا لم يمت في المستودع، سأحرق الحي الشعبي. وإذا نجا من ذلك، سأمسح المدينة كلها! لن أترك له مكاناً يختبئ فيه!" ضحك ضحكة مجنونة، لكنها انقطعت فجأة عندما تذكر مكالمة "الصقر". "يريدونني أن أموت," فكر، وهو يضيق عينيه. "يعرفون من هو هذا الشبح ويخفون ذلك عني. هل أنا الفريسة الحقيقية هنا؟"
لم يكن سالم الضبع رجلاً يعتمد على خطة واحدة. كان قد أعد طبقات من المخططات، كل واحدة أكثر جنوناً وتدميراً من سابقتها، لضمان أن الظل لن يخرج حياً من هذه الليلة. الخطة الأولى كانت الكمين في المستودع نفسه. كان قد جمع فرقة من عشرين رجلاً، ليسوا مجرد أتباع عاديين، بل قتلة محترفين جندهم من أخطر الأسواق السوداء في المنطقة. كانوا مسلحين بأسلحة ثقيلة: رشاشات آلية من طراز AK-47 وM16، قنابل يدوية، قاذفات صواريخ محمولة على الكتف، وحتى متفجرات C4 تم توزيعها في نقاط استراتيجية حول المستودع. كان المكان قد تحول إلى حصن حربي: صناديق خشبية وبراميل معدنية متراصة كحواجز دفاعية، مصابيح كاشفة محمولة تضيء الداخل بضوء أبيض قاسٍ يكشف كل زاوية، وكاميرات صغيرة مثبتة في كل مدخل ومخرج تراقب كل حركة. فوق المستودع، كانت طائرتان مسيرتان تحلقان في دوائر، كل واحدة مزودة بكاميرا حرارية وصواريخ صغيرة يمكنها تفجير أي هدف في ثوانٍ.
"راشد!" صرخ سالم عبر جهاز الاتصال اللاسلكي، صوته يتردد في المستودع كالرعد. "الخطة الأولى يجب أن تكون مثالية. إذا ظهر هذا الشبح، أريد رأسه على طبق قبل أن يرفع يده!" في المستودع، كان راشد، الرجل ضخم الجثة بعينه الواحدة المغطاة بضمادة سوداء، يقود الفرقة. وقف في وسط المكان، رشاشه الثقيل بين يديه، وهو ينظر إلى رجاله المنتشرين كالذئاب في كل زاوية. "اسمعوا جيداً، يا كلاب!" صرخ بهم، صوته يهز الجدران. "هذا الشبح يظن نفسه لا يُقهر، لكنه سيموت هنا الليلة. أول من يقتله سيأخذ مكافأة من سالم شخصياً، وسأضمن أن يعيش كملك!"
"أتمنى أن يظهر بسرعة," قال طارق، الرجل النحيف السريع، وهو يفحص قنبلة يدوية في يده بنظرة ماكرة. "كرهت الانتظار في هذا القبر المهجور." ضحك رجل آخر، يدعى زيد، ذو وجه مليء بالوشم، وهو يمسح سكينه الكبيرة بقطعة قماش متسخة. "أريد أن أقطع ذراعيه أولاً. سمعت أنه سريع، لنرى كم هو سريع بدون أطراف!" رجل ثالث، يدعى كريم، قناص ذو عينين حادتين، أضاف بنبرة باردة: "سأضع رصاصة بين عينيه قبل أن يرمش. بندقيتي لا تخطئ أبداً."
لكن سالم لم يكتفِ بذلك. كانت الخطة الثانية جاهزة في حال فشل الكمين الأول. "راشد، إذا لم تقتلوه في الداخل، أريدكم أن تفجروا المستودع بأكمله," قال سالم عبر الاتصال، صوته يحمل نبرة هستيرية. "المتفجرات C4 في كل زاوية، وأنا أراقب من هنا. إذا نجا من الرصاص، لن ينجو من النيران!" توقف للحظة، ثم أضاف: "ولدي شاحنات محملة بالمتفجرات في الضواحي، ستصل خلال ساعة إذا احتجنا إليها. لن يخرج حياً، أفهمتم؟"
راشد أومأ برأسه، وهو يشير إلى رجل يدعى حسام، ذو بنية قوية وندبة طويلة على خده. "جهز المتفجرات، حسام," قال راشد. "ضع جهاز التحكم في مكان آمن، وكن جاهزاً للتفجير بإشارتي." حسام ابتسم ابتسامة شريرة، وهو يمسك جهاز التحكم الصغير. "سيصبح هذا المكان قبراً له، سيدي."
لكن سالم لم يتوقف عند هذا الحد. كانت الخطة الثالثة هي الأكثر جنوناً، وكانت تعكس مدى اختلاله العقلي. كان قد أرسل فرقة احتياطية من عشرة رجال آخرين إلى الحي الشعبي، مزودين بشاحنات محملة ببراميل وقود ومتفجرات كيميائية يمكنها إشعال حريق يمتد لأميال. "إذا نجا من المستودع، سأحرق الحي بأكمله," قال لنفسه، وهو ينظر إلى خريطة المدينة على شاشته الكبيرة. كان قد وضع علامات حمراء على كل زقاق في الحي الشعبي، وخطوطاً تشير إلى مسارات الشاحنات. "سأجعل كل بيت يشتعل، كل شارع يذوب، وسأدفنه تحت الرماد! لن يبقى له مكان يختبئ فيه!"
ثم جاءت الخطة الرابعة، وهي الأكثر تدميراً. كان قد اتصل بتاجر أسلحة غامض في السوق السوداء، وطلب قنبلة كيميائية صغيرة ولكنها فتاكة، يمكنها مسح المدينة بأكملها إذا لزم الأمر. "إذا فشل كل شيء، سأضغط على الزر بنفسي," همس، وهو يمسك جهاز تحكم صغير أسود أرسله التاجر عبر ساعي سري. "سأقتل الجميع - الشعب، العصابات، الحكومة، الجميع - قبل أن أدعه يفوز!" ضحك ضحكة عالية مجنونة، لكن عيناه كانتا مليئتين بالشك. "الصقر يعرف من هو، ويخفي ذلك عني. هل يخططون لقتلي؟ هل أنا مجرد أداة في لعبتهم؟" أمسك مسدسه الذهبي من الدرج، ووضعه أمامه على المكتب، ينظر إليه كأنه يتوقع خيانة في أي لحظة, ثم قال في نفسه "أنا لن أموت لوحدي أيها المجانين".
في المستودع، كان الرجال يتحركون كالنمل في عش مضطرب، يرتبون الصناديق والبراميل كحواجز دفاعية، ويوزعون الأسلحة بينهم بحركات سريعة ومنسقة. "ضعوا القنابل هناك!" أمر راشد، وهو يشير إلى زاوية قرب الباب الرئيسي. "إذا حاول الدخول من هنا، سنفجره إلى أشلاء!" اقترب زيد، الرجل الموشوم، من كومة من الصناديق، ووضع قنبلتين يدويتين بعناية، وهو يضحك: "سيصبح لحماً مفروماً قبل أن يعرف ما أصابه!"
كريم، القناص، كان يتسلق دعامة حديدية في السقف، يثبت بندقيته القناصة على حامل صغير يطل على الباب الرئيسي. "من هنا سأراه أولاً," قال بنبرة باردة، وهو يضبط عدسته. "رصاصة واحدة، وينتهي كل شيء." في الزاوية المقابلة، كان طارق يفحص رشاشه الآلي، ويضع قنبلة يدوية إضافية في جيبه. "إذا اقترب مني، سأجعله يتمنى ألا يولد," قال بابتسامة شريرة.
حسام، الذي كان مسؤولاً عن المتفجرات، كان يتحرك بين النقاط الاستراتيجية، يثبت شحنات C4 على الجدران والأعمدة. كان يحمل جهاز التحكم في يده، وهو يتأكد من أن كل شحنة في مكانها. "إذا أعطيتني الإشارة، سيدي، سأحول هذا المكان إلى جحيم," قال عبر جهاز الاتصال، وهو يبتسم ابتسامة عريضة تكشف عن أسنانه الصفراء.
راشد التفت إلى رجاله، ورفع صوته: "لا أحد يتراخى! هذا الشبح قتل خمسة من رجالنا في ثوانٍ، لكنه لن ينجو من عشرين منا وكل هذه الأسلحة. انتبهوا لكل صوت، كل ظل!" لكنه كان يشعر بتوتر خفي. كان قد سمع شائعات عن سرعة الشبح وقوته، وكان يعلم أن هذه الليلة لن تكون سهلة.
كان الظلام في ضواحي المدينة كثيفاً كالحبر، يغطي كل شيء خارج دائرة الضوء الباهت التي ألقتها المصابيح الكاشفة داخل المستودع المهجور. الريح الباردة كانت تعوي بين الجدران المتشققة، تحمل معها أصوات خافتة من الحشائش اليابسة وهي تتكسر تحت أقدام غير مرئية. الظل، تلك الشخصية الغامضة التي أصبحت كابوساً لعصابة سالم الضبع، كان يتحرك في هذا الظلام كجزء منه. رداؤه الأسود الطويل كان يرفرف خلفه كجناحي غراب، قلنسوته الكبيرة تخفي وجهه بالكامل، لا يظهر منه سوى عينين حادتين تلمعان كنجمتين في سماء سوداء. كان يرتدي جينز أسود ضيقاً يكشف عن بنية رياضية مشدودة، وحذاء أسود ثقيل يترك آثاراً خافتة في التراب. في يده اليمنى، مسدس مزود بكاتم صوت، وفي جيب ردائه، خنجر منحنٍ قديم بنقوش عربية دقيقة، وقنابل دخان صغيرة، وحبل قصير مع خطاف مثبت في حزامه.
كان الظل قد قضى الساعة الماضية يراقب المستودع من بعيد، مختبئاً خلف كومة من الإطارات المهملة على بعد مائة متر. كان يستخدم منظاراً صغيراً متطوراً مثبتاً على معصمه، يرصد تحركات الطائرتين المسيرتين وهما تحلقان في دوائر فوق المبنى، ويحسب مواقع الرجال داخل المستودع من خلال الضوء المتسرب عبر النوافذ المحطمة. كان يعلم أنهم ينتظرونه، وكان يعلم أن الكمين مصمم لقتله. لكنه لم يكن خائفاً. كان هادئاً بشكل مخيف، كأن الموت نفسه لا يعني له شيئاً. "لن يوقفونني," همس لنفسه، صوته خافت كالهواء الذي يمر بين الأشجار.
بدأ هجومه بتكتيك ذكي وجريء. تسلل إلى عمود كهرباء قديم قريب من المستودع، متجنباً أضواء الطائرات المسيرة بحركات دقيقة كالقط. تسلق العمود بحركات بهلوانية سريعة، مستخدماً قوته الجسدية الفائقة ليصل إلى الأعلى في ثوانٍ. أخرج خنجره المنحني من جيب ردائه، وفي حركة حادة ودقيقة، قطع الأسلاك الرئيسية المغذية للمستودع. شرارات كهربائية صغيرة انطلقت في الهواء، ثم انطفأت المصابيح الكاشفة فجأة، وغرق المستودع في ظلام دامس، لا يقطعه سوى ضوء القمر المتسلل من السقف المثقوب.
"ما الذي يحدث؟" صرخ راشد داخل المستودع، وهو يرفع رشاشه الثقيل بحذر. كان الضوء الوحيد الآن يأتي من مصابيح يدوية صغيرة يحملها بعض الرجال، ترتعش في أيديهم وهي تكافح لاختراق الظلام. "تحققوا من المولد الاحتياطي، الآن!" أمر راشد، لكنه كان يشعر بتوتر متزايد يتسرب إلى صوته. "زيد، كريم، اذهبوا!" لكن قبل أن يتحرك أحد، ألقى الظل ثلاث قنابل دخان صغيرة متتالية عبر نوافذ مختلفة، كل واحدة تنفجر بصوت خافت وتملأ المكان بدخان رمادي كثيف يعمي الرجال ويخنق أنفاسهم.
"إنه هنا!" صرخ طارق، وهو يسعل ويطلق النار عشوائياً في الدخان، رصاصه يرتد عن الجدران الحديدية بأصوات معدنية حادة. "أين هو؟ أين ذلك اللعين؟" رد زيد بنبرة متشنجة: "لا أرى شيئاً! الدخان يقتلني!" لكن الظل لم يكن ينتظر دعوة. كان قد بدأ هجومه، وكان كابوساً يتحرك بسرعة البرق.
ظهر الظل كشبح من الدخان، تحركاته سريعة ومميتة كالسم. اقترب من رجل يحمل قاذفة صواريخ، كان يقف قرب الباب الرئيسي، يحاول رؤية شيء في الضباب الكثيف. في حركة مجنونة، قفز الظل من فوق صندوق خشبي مرتفع، أمسك رأس الرجل بين ذراعيه كالكماشة، ولف عنقه بحركة عنيفة حتى انكسر بصوت مروع كالخشب المتكسر. الرجل سقط كالدمية المكسورة، وقاذفة الصواريخ تسقط بجانبه بصوت معدني. التقطها الظل بسرعة خارقة، وأطلق صاروخاً صغيراً نحو مجموعة من أربعة رجال يختبئون خلف حاجز من البراميل. الانفجار هز المستودع كالزلزال، مزق البراميل إلى شظايا متطايرة اخترقت أجسادهم كالسهام، وأرسل جثثهم المحترقة تتطاير في الهواء، دماؤهم ترسم قوساً أحمر في الدخان قبل أن تسقط على الأرض كأكوام مشوهة.
"قتلوه! قتلوه الآن!" صرخ راشد، وهو يطلق رذاذاً من الرصاص من رشاشه الثقيل في كل الاتجاهات، لكن الرصاص لم يجد هدفاً سوى الجدران والصناديق. الظل كان قد اختفى في الدخان مرة أخرى، يتحرك كشبح لا يمكن إيقافه. قفز إلى كومة من البراميل، ثم رمى نفسه في الهواء بحركة بهلوانية مذهلة، هبط خلف زيد، الرجل الموشوم الذي كان يلوح بسكينه الكبيرة في الدخان. قبل أن يستدير زيد، أمسك الظل ذراعه الحاملة للسكين، وكسرها بحركة حادة حتى خرج العظم من الجلد كشظية بيضاء ملطخة بالدماء. زيد صرخ في ألم، لكن الظل لم يعطه فرصة للتنفس. طعنه بخنجره في صدره بحركة عمودية، ثم سحب الشفرة للأسفل بقوة وحشية، شاقاً بطنه كالذبيحة. الأحشاء تساقطت على الأرض ككتلة دموية لزجة، وزيد انهار وهو يتلوى في بركة من دمه، صراخه يتحول إلى أنين مكتوم قبل أن يتوقف تماماً.
في فيلته، كان سالم الضبع يشاهد المشهد عبر شاشات المراقبة، لكن الصورة بدأت تضطرب مع انتشار الدخان وانقطاع بعض الكاميرات. "ما الذي يحدث هناك؟" صرخ في جهاز الاتصال، وهو يضرب المكتب بقبضته حتى سقط كأس زجاجي وتحطم على الأرض. "راشد، أجبني! قتلوه الآن!" لكن الرد جاء متقطعاً من راشد: "سيدي... إنه... يذبحنا... لا نراه!" ثم انقطع الاتصال للحظة، وصوت طلقات نارية وصراخ يملأ الخلفية.
الظل لم يتوقف. تحرك نحو كريم، القناص الذي كان لا يزال مختبئاً على دعامة حديدية في السقف، يحاول تحديد موقعه من خلال عدسة بندقيته. لكن الظل كان أسرع من أن يُرى. تسلق دعامة أخرى بسرعة خارقة، مستخدماً قوته ليقفز بين القضبان الحديدية كالقرد، ثم ألقى حبله بخطاف نحوه. الخطاف التف حول ساق كريم، وفي حركة مجنونة، جذب الظل الحبل بقوة، مما جعل كريم يسقط من مكانه، يصطدم بالأرض بقوة تكسر ظهره بصوت عالٍ. قبل أن يستعيد أنفاسه، هبط الظل من السقف بحركة خاطفة، وأطلق رصاصة من مسدسه كاتم الصوت اخترقت جبهته، فتحت ثقباً صغيراً في الأمام وفجوة كبيرة في الخلف، ورذاذ من الدم والدماغ تناثر على الدعامة خلفه.
طارق، الذي كان يحمل قنبلة يدوية، حاول التصرف بسرعة. "سأفجره!" صرخ، وهو يسحب المسمار من القنبلة ويرميها نحو الظل. لكن الظل كان يتحرك كالبرق. ركل برميلاً معدنياً صغيراً مليئاً بالمسامير القديمة بقوة خارقة، أرسله يتدحرج بسرعة ليصطدم بالقنبلة في الجو، مما أعادها إلى طارق. انفجرت القنبلة أمامه مباشرة، مزقت جسده إلى أشلاء في لحظة، ورذاذ من الدم واللحم تناثر على الجدران والصناديق المحيطة كالمطر الأحمر. قطعة من ذراعه سقطت قرب راشد، الذي كان يشاهد المشهد بذعر متزايد.
"اللعنة عليه!" صرخ راشد، وهو يطلق رذاذاً جديداً من الرصاص في الدخان. "حسام، فعّل المتفجرات الآن!" حسام، الذي كان يحمل جهاز التحكم بالمتفجرات C4، هرع إلى زاوية المستودع، يحاول الضغط على الزر. لكن الظل كان قد رأى الأسلاك الممتدة إلى الشحنات المتفجرة. تحرك بسرعة خاطفة، قفز إلى دعامة حديدية أخرى في السقف، واستخدم حبله ليتأرجح كالبهلوان عبر المستودع، هبط خلف حسام بحركة صامتة. أمسك رأسه بين يديه، وكسره بحركة جانبية سريعة كالبرق، صوت العظام المكسورة يتردد في الدخان. التقط جهاز التحكم من يده المتشنجة، ورماه بقوة نحو برميل وقود قريب. انفجر البرميل في وميض من النيران، أحرق ثلاثة رجال آخرين كانوا يحاولون الاقتراب، صراخهم يملأ المكان وهم يحترقون أحياء، جلودهم تذوب كالشمع تحت اللهب.
في تلك اللحظة، كان سالم يشاهد الشاشات في فيلته، لكن الكاميرات بدأت تتعطل واحدة تلو الأخرى بسبب الدخان والنيران. "لا! لا! لا!" صرخ، وهو يضرب الشاشة بقبضته حتى تصدعت إحداها. "راشد، أجبني! ما الذي يحدث؟" لكن الرد كان صوتاً متقطعاً مليئاً بالذعر: "سيدي... إنه يقتلنا... لا نستطيع إيقافه!" ثم انقطع الاتصال تماماً، تاركاً سالم في حالة من الجنون.
في المستودع، كان راشد قد فقد السيطرة. من عشرين رجلاً، بقي اثنا عشر فقط في غضون دقائق. الدخان كان يزداد كثافة، والنيران بدأت تنتشر من برميل الوقود المحترق. "تراجعوا إلى الباب الخلفي!" صرخ راشد، لكنه كان يعلم أن الخطة الأولى قد فشلت. الظل كان أسرع، أذكى، وأكثر وحشية مما توقعوا. أمسك جهاز الاتصال الاحتياطي، وصرخ: "سيدي، الخطة الأولى فشلت! نفعل الخطة الثانية الآن!"
سالم، في فيلته، أغلق عينيه للحظة، ثم فتحهما وهما تلمعان ببريق مختل. "افعلوا ذلك," قال بنبرة باردة ومجنونة. "فجروا المستودع بأكمله. إذا لم يمت بالرصاص، سيموت تحت الأنقاض!" لكنه لم يكن متأكداً. شكه في "الصقر" وزعمائه كان يتزايد. "يعرفون من هو، ويتركونني أواجهه بمفردي," فكر، وهو يمسك مسدسه الذهبي بقوة. "لن أموت قبل أن أعرف الحقيقة!"
في المستودع، كان الظل يواصل هجومه. اقترب من رجل يحمل رشاشاً، وفي حركة مجنونة، ركض نحو دعامة حديدية، قفز إليها، وتأرجح باستخدام حبله، ثم هبط خلف الرجل بحركة خاطفة. أمسك ذراعه، وأجبره على توجيه الرشاش نحو رجل آخر قريب، ثم ضغط على الزناد بيده، مما جعل الرصاص يمزق صدر الرجل الثاني كالورق. في نفس اللحظة، طعن الرجل الأول بخنجره في بطنه، وسحب الشفرة للأعلى بقوة، شاقاً جسده من الأسفل إلى الأعلى حتى تساقطت أحشاؤه على الأرض ككتلة دموية. الرجل سقط وهو يتلوى في ألم مروع، صراخه يخفت تدريجياً وهو يموت.
كان المستودع الآن ساحة حرب: دماء تغطي الأرض، جثث ممزقة متناثرة، ونيران صغيرة تلتهم الصناديق. لكن الظل لم يكن قد انتهى. كان يعلم أن الخطر لم ينتهِ، وكان مستعداً لما هو قادم.
كان المستودع المهجور قد تحول إلى ساحة مذبحة حقيقية. الدخان الرمادي الكثيف كان يملأ الجو، يختلط برائحة البارود والدم الطازج، بينما النيران الصغيرة التي اندلعت من برميل الوقود المحترق بدأت تنتشر ببطء، تلتهم الصناديق الخشبية وتطلق ألسنة لهب برتقالية تضيء الظلام بشكل متقطع. الجثث كانت متناثرة على الأرض كالدمى المكسورة، أطراف ممزقة، ودماء تسيل في خطوط سوداء وحمراء تتجمع في برك صغيرة على الأرضية الخرسانية. من عشرين رجلاً، بقي اثنا عشر فقط، يتحركون في حالة من الفوضى والذعر، أسلحتهم مرفوعة، عيونهم تبحث في الدخان عن ذلك الشبح الأسود الذي حول كمينهم إلى كابوس.
راشد، القائد ضخم الجثة بعينه الواحدة، كان يقف وسط المستودع، رشاشه الثقيل في يديه، وهو يصرخ بصوت مختنق بالغضب والخوف: "تراجعوا إلى الباب الخلفي! الخطة الأولى فشلت!" كان يمسح العرق والدم عن جبهته، يحاول استعادة السيطرة على رجاله الذين بدأوا يفقدون أعصابهم. "حسام مات، لكن المتفجرات لا تزال موجودة! جهزوا الشحنات الآن!" التفت إلى رجل قريب، يدعى جمال، ذو بنية نحيفة ولكنه سريع، وأشار إليه: "أنت! خذ جهاز التحكم الاحتياطي من حقيبة حسام وفعل الـC4! سنفجر هذا المكان بأكمله!"
جمال، الذي كان يرتجف من الخوف، اندفع نحو جثة حسام الممدة قرب زاوية المستودع. كان الدخان يحجب الرؤية، والنيران تقترب، لكنه وجد الحقيبة بسرعة، فتحها بأيدٍ مرتعشة، وأخرج جهاز تحكم صغير أسود بأزرار حمراء. "وجدته!" صرخ، وهو يرفع الجهاز في الهواء كأنه يحمل مفتاح الخلاص. لكنه لم يرَ الظل يتحرك خلفه.
الظل، الذي كان مختبئاً خلف كومة من الصناديق، ظهر فجأة كشبح من الدخان. كان رداؤه الأسود ملطخاً بالدماء، لكنه لم يبدُ متأثراً بالفوضى المحيطة به. تحرك بسرعة خارقة، قفز إلى برميل معدني قريب، ثم ألقى نفسه في الهواء بحركة بهلوانية مذهلة، هبط خلف جمال قبل أن يضغط على الزر. أمسك ذراعه الحاملة للجهاز، وكسرها بحركة حادة حتى انكسر العظم بصوت مروع، ثم انتزع الجهاز من يده وهو يصرخ في ألم. في حركة مجنونة، ركل الظل جمال بقوة في صدره، أرسله يتطاير للخلف ليصطدم بجدار خرساني، رأسه يتحطم كالبطيخ، ودماغه يتناثر على الحائط كرذاذ أحمر.
"لا!" صرخ راشد، وهو يرى جهاز التحكم في يد الظل. أطلق رذاذاً من الرصاص نحوه، لكن الظل كان أسرع. قفز إلى دعامة حديدية في السقف، تسلقها بسرعة كالقرد، ثم ألقى جهاز التحكم بقوة نحو كومة من براميل الوقود على الجانب الآخر من المستودع. الانفجار الذي تسبب فيه الجهاز عند اصطدامه أشعل البراميل، مما أدى إلى انفجار هائل هز المبنى، أرسل شظايا متطايرة وألسنة نار في كل اتجاه. ثلاثة رجال كانوا قريبين من الانفجار احترقوا على الفور، صراخهم يتحول إلى عويل مكتوم وهم يذوبون في اللهب، جلودهم تتقشر كالورق المحترق.
في فيلته، كان سالم الضبع يشاهد الشاشات التي بدأت تتعطل واحدة تلو الأخرى. "ما الذي يحدث؟" صرخ، وهو يضرب المكتب بقبضته حتى تناثرت الأوراق حوله. "راشد، أجبني! فجروا المستودع الآن!" لكن الرد جاء متقطعاً من راشد عبر جهاز الاتصال الاحتياطي: "سيدي... الجهاز... لقد أخذه... لكنه أشعل النيران... سنحاول مرة أخرى!" ثم سمع سالم صوت انفجار عبر الجهاز، تلاه صراخ رجال آخرين.
راشد، الذي كان يحاول جمع رجاله المتبقين، أشار إلى رجل آخر يدعى ياسر، ذو وجه مليء بالندوب وقوة بدنية واضحة. "ياسر، هناك جهاز تحكم ثانٍ في الصندوق الأحمر قرب الباب الخلفي! اذهب الآن!" ياسر أومأ برأسه، وركض عبر الدخان والنيران، متجنباً الجثث والشظايا المتطايرة. وصل إلى الصندوق، فتحه بسرعة، وأخرج جهازاً مشابهاً للأول. "وجدته!" صرخ، وهو يرفع الجهاز ويضغط على الزر الأحمر بكل قوته.
في تلك اللحظة، بدأت شحنات الـC4 المثبتة على الجدران والأعمدة تنفجر واحدة تلو الأخرى. الانفجارات هزت المستودع كسلسلة من الزلازل، مزقت الجدران الخرسانية إلى أشلاء، وأرسلت أعمدة النار والدخان إلى السقف. السقف الحديدي بدأ ينهار، قطع معدنية ضخمة تسقط على الأرض بقوة مدمرة، تسحق رجلاً كان يحاول الهرب، رأسه يتحطم تحت قطعة حديدية كبيرة، ودماؤه تتناثر كالمطر. النيران انتشرت بسرعة، تلتهم كل شيء في طريقها، والدخان الأسود الكثيف بدأ يملأ السماء فوق الضواحي.
لكن الظل لم يكن قد مات. في اللحظة التي ضغط فيها ياسر على الزر، كان قد رأى الضوء الأحمر يومض على الجهاز. ببرود قاتل وحركة مذهلة، قفز إلى نافذة محطمة قريبة، ألقى حبله بخطاف ليلتف حول دعامة خارجية، وتأرجح بعيداً عن المستودع بسرعة خارقة، هابطاً على الأرض خارج المبنى قبل أن تبدأ الانفجارات. الانفجار الأول ضرب المستودع خلفه وهو يركض، موجة الصدمة تكاد تلقي به أرضاً، لكنه تدارك نفسه بحركة جانبية، تدحرج على الأرض، ثم نهض وهو ينظر إلى الجحيم الذي خلّفه وراءه.
داخل المستودع، كان راشد وياسر والرجال التسعة المتبقون يحاولون النجاة، لكن الانفجارات كانت أسرع. قطعة من السقف سقطت فوق رجلين، سحقتهما كالحشرات، أجسادهما تتحول إلى كتلة مسطحة من اللحم والعظام. ياسر، الذي كان لا يزال يحمل جهاز التحكم، حاول الركض نحو الباب الخلفي، لكن شحنة C4 قريبة انفجرت فجأة، مزقته إلى أشلاء، ذراعه التي كانت تحمل الجهاز تتطاير في الهواء وتهبط وسط النيران. راشد، الذي كان يطلق النار بشكل هستيري، أصيب بشظية معدنية في ساقه، ألقته أرضاً وهو يصرخ في ألم: "اللعنة عليه! لن أموت هنا!"
خارج المستودع، وقف الظل على بعد آمن، رداؤه الأسود يرفرف في الريح الحارة الناتجة عن الانفجارات. كان ينظر إلى المبنى وهو ينهار، النيران تتصاعد إلى السماء كبركان صغير، والدخان الأسود يغطي الأفق. لم يكن متفاجئاً، ولم يكن خائفاً. كان يعلم أن سالم الضبع لن يتوقف عند هذا الحد، وكان مستعداً لما هو قادم. أخرج منظاره الصغير من معصمه، ورصد الطائرتين المسيرتين وهما تحلقان فوق المستودع المحترق، تحاولان تحديد موقعه بالكاميرات الحرارية. ببرود، أطلق رصاصتين من مسدسه كاتم الصوت، كل رصاصة تُسقط طائرة مسيرة في انفجار صغير في السماء، قطعها المحترقة تسقط على الأرض كنجوم متهاوية.
في فيلته، كان سالم يشاهد انهيار خطته الثانية عبر آخر كاميرا متبقية خارج المستودع، قبل أن تتعطل هي الأخرى. "لا يمكن أن ينجو من هذا!" صرخ، وهو يمسك رأسه بيديه كالمجنون. "لكنه نجا... لكنه نجا!" نهض فجأة، وأمسك جهاز الاتصال الاحتياطي، صارخاً: "الخطة الثالثة! أرسلوا الشاحنات إلى الحي الشعبي الآن! أحرقوا كل شيء! لا أهتم بمن يموت، فقط اقتلوه!" بعده نظر إلى مسدسه الذهبي على المكتب. شكه في "الصقر" كان يأكل عقله. "يعرفون من هو، ويتركونني أواجهه بمفردي," فكر. "هل أنا الهدف الحقيقي؟ هل يريدونني أن أحرق المدينة ثم يتخلصوا مني؟"
في تلك اللحظة، كان فريق الاحتياط الذي أرسله سالم قد بدأ بالتحرك. عشرة رجال في ثلاث شاحنات محملة ببراميل وقود ومتفجرات كيميائية كانوا يتجهون نحو الحي الشعبي، أوامرهم واضحة: إشعال حريق يمحو الحي بأكمله إذا لزم الأمر للقضاء على الظل. قائد الفريق، رجل يدعى ناصر، ذو وجه خشن وصوت أجش، تحدث عبر جهاز الاتصال: "سيدي، نحن في الطريق. سنحرق الحي إذا أعطيتنا الإشارة." رد سالم بنبرة مختلة: "افعلوا ذلك! لا أهتم بالعواقب! فقط اقتلوه!"
كانت الضواحي لا تزال تتردد فيها أصداء انفجارات المستودع المحترق، النيران تتصاعد إلى السماء كبركان صغير، والدخان الأسود يغطي الأفق كسحابة موت. الظل، الذي نجا من الخطة الثانية بحركاته المذهلة، كان يتحرك الآن نحو الحي الشعبي، رداؤه الأسود الطويل يرفرف خلفه كعلم الانتقام كعلم الموت، ملطخاً بالدماء والرماد لكنه لا يزال يحمل تلك الهالة الغامضة التي تجعله شبحاً لا يُقهر. كان يعلم أن سالم الضبع لن يتوقف، وكان قد رصد تحركات الشاحنات الثلاث المحملة بالوقود والمتفجرات وهي تتجه نحو الحي الشعبي عبر منظاره الصغير. لم يكن لديه وقت للراحة. كان عليه أن يوقفها قبل أن تحول الحي إلى رماد.
في تلك الأثناء، كانت الشاحنات تقترب من حدود الحي الشعبي، عجلاتها الثقيلة تسحق التراب والحجارة في الطرق الضيقة، وأضواؤها الأمامية تخترق الظلام كعيون وحش جائع. قائد الفريق، ناصر، ذو الوجه الخشن والصوت الأجش، كان يقود الشاحنة الأولى، يمسك جهاز الاتصال في يده وهو يصرخ: "انتبهوا جيداً! إذا رأيتم ذلك الشبح، أطلقوا النار دون تردد! سيدي يريد الحي يحترق إذا لزم الأمر!" في الشاحنتين الأخريين، كان تسعة رجال آخرون، مسلحون برشاشات وقنابل يدوية، يجلسون بجانب براميل الوقود والمتفجرات، عيونهم تبحث في الظلام بتوتر متزايد.
الظل وصل إلى نقطة على مشارف الحي، مختبئاً خلف بيت مهجور على حافة الطريق. كان الحي هادئاً في تلك الساعة المتأخرة، الأضواء خافتة في البيوت الطينية، وصوت المطر الخفيف الذي بدأ يهطل يملأ الجو برذاذ بارد. لكنه لم يكن هنا لينقذ الحي بعد - كان يركز على الشاحنات. أخرج حبله بخطاف من حزامه، وتسلق بسرعة إلى سطح البيت المهجور، متحركاً كالقط على الأسطح المتآكلة. من هناك، رأى الشاحنة الأولى تقترب، أضواؤها تكشف الطريق أمامها كشفرتين لامعتين.
لم ينتظر. في حركة مجنونة، ألقى حبله بخطاف نحو شجرة عالية على جانب الطريق، التف الخطاف حول فرع قوي، وتأرجح الظل في الهواء كالصقر المنقض، هابطاً مباشرة على سقف الشاحنة الأولى بقوة هزت المعدن. ناصر، الذي كان يقود، شعر بالصدمة وصرخ: "إنه فوقنا!" لكن الظل كان أسرع. أخرج خنجره، وطعن السقف المعدني بحركة حادة، شاقاً فتحة صغيرة، ثم ألقى قنبلة دخان داخل الشاحنة. انفجرت القنبلة، ملأت المقصورة بدخان كثيف، مما جعل ناصر يسعل ويفقد السيطرة مؤقتاً، الشاحنة تتمايل على الطريق.
قفز الظل من السقف إلى الخلف، حيث كان اثنان من الرجال يحرسان براميل الوقود. قبل أن يرفع أحدهما رشاشه، أطلق الظل رصاصة من مسدسه كاتم الصوت، اخترقت جمجمته، ورذاذ من الدم تناثر على البراميل. الرجل الثاني حاول رمي قنبلة يدوية، لكن الظل ركله في صدره بقوة خارقة، أرسله يتطاير للخلف ليصطدم ببرميل، ثم طعنه بخنجره في عنقه، ساحباً الشفرة بسرعة ليقطع الشريان، الدم يتدفق كالنافورة وهو ينهار ميتاً. ألقى الظل جثتيهما من الشاحنة، ثم قفز إلى الأرض، تاركاً الشاحنة تتمايل وهي تتجه نحو الشاحنة الثانية.
في الشاحنة الثانية، كان الرجال قد رأوا ما حدث. "إنه هنا!" صرخ أحدهم، وهو يطلق النار من رشاشه نحو الظل الذي كان يركض على الطريق. لكن الظل تفادى الرصاص بحركات جانبية سريعة كالبرق، ثم ألقى حبله مرة أخرى، التف الخطاف حول عمود كهرباء قديم، وتأرجح في الهواء، هابطاً على سقف الشاحنة الثانية. أطلق رصاصتين من مسدسه عبر السقف، كل رصاصة تقتل رجلاً داخل المقصورة، ثم قفز إلى الخلف، حيث كان رجلان يحاولان فتح برميل وقود لإشعاله. في حركة مجنونة، أمسك أحدهما من رقبته، وكسرها بحركة عنيفة، ثم استخدم جسده كدرع بشري ليصد رصاص الرجل الثاني، قبل أن يطعن الثاني بخنجره في بطنه، ساحباً الشفرة للأعلى ليشق صدره كالورق، الأحشاء تتساقط على أرضية الشاحنة.
الشاحنة الأولى، التي كان ناصر لا يزال يحاول السيطرة عليها، اصطدمت بالشاحنة الثانية بسبب الدخان والفوضى، مما تسبب في انفجار صغير عندما تسرب الوقود من برميل متضرر. النيران بدأت تلتهم الشاحنتين، وناصر قفز من المقصورة، يحترق جزء من ذراعه وهو يصرخ: "سأقتلك بنفسي!" لكن الظل كان قد اختفى في الظلام مرة أخرى، تاركاً الشاحنة الثالثة تتوقف فجأة، رجالها يترجلون في حالة ذعر.
بينما كانت النيران تلتهم الشاحنتين في الحي الشعبي، عاد الظل بسرعة إلى المستودع المحترق. كان يعلم أن هناك شيئاً مهماً داخله، شيئاً قد يعطيه مفتاحاً لخطط سالم الضبع القادمة. تسلل عبر الباب الخلفي الذي كان لا يزال واقفاً جزئياً، متجنباً النيران والدخان الأسود الكثيف. كان المستودع في حالة خراب: الجدران متصدعة، السقف منهار في أجزاء كبيرة، والجثث المحترقة متناثرة كبقايا حرب قديمة. لكنه لم يتوقف. تحرك نحو مكتب صغير في زاوية المستودع، كان قد لاحظه أثناء المعركة.
النيران كانت تقترب، والحرارة كادت تحرق جلده، لكنه لم يهتم فهذه ليسة أول مرة يحس بهذه النيران و حطم قفل المكتب بخنجره بحركة سريعة، وفتحه ليجد كومة من الأوراق المبعثرة. بينها، برزت وثيقة واحدة، مكتوبة بخط يدوي وتحمل ختماً غريباً - رمز صقر يحلق فوق دائرة. قرأها بسرعة، عيناه تضيقان تحت قلنسوته. كانت تشير إلى صفقة كبيرة قادمة: شحنة أسلحة ضخمة ستصل إلى ميناء المدينة خلال أيام، مع ملاحظة غامضة تقول: "الصقر يراقب". لم يكشف الظل تفاصيلها لنفسه، بل وضع الوثيقة في جيب ردائه، واستدار ليغادر.
قبل أن يخرج، توقف عند جثة راشد، الذي كان لا يزال حياً بالكاد، يتلوى على الأرض، ساقه ممزقة ووجهه محترق. "من... أنت؟" همس راشد بصوت ضعيف، لكن الظل لم يجب. أخرج خنجره، وحفر علامته - دائرة سوداء بقطرة دم - على صدره المحترق، ثم طعنه في قلبه بحركة باردة، منهياً معاناته. "هذه مجرد البداية," همس الظل، ثم خرج من المستودع وهو يشاهد النيران تأكل ما تبقى منه.
في فيلته، كان سالم الضبع في حالة انهيار عصبي. كان قد تلقى تقريراً من ناصر عبر جهاز الاتصال: "سيدي، الشاحنتان الأولى والثانية تحترقان! الشبح هاجمنا، وقتل خمسة من رجالنا!" سالم ألقى جهاز الاتصال على الحائط، محطماً إياه، وصرخ: "لا يمكن أن يستمر هكذا!" نهض، وسار ذهاباً وإياباً في غرفته كالمجنون، شعره الأسود المصفف بعناية أصبح مبعثراً، وعيناه تلمعان بالهوس والخوف. "الخطة الثالثة لن تكفي!" فكر. "إذا نجا من الحي الشعبي، سأستخدم الخطة الرابعة. سأمسح المدينة بأكملها بالقنبلة الكيميائية!"
أمسك جهاز التحكم الأسود الصغير الذي أرسله تاجر الأسلحة، ونظر إليه كأنه يحمل مصير العالم بين يديه. "إذا لم أقتله، سأقتل الجميع," همس، ضحكته المجنونة تتردد في الغرفة. لكنه توقف فجأة، ونظر حوله بشك. "الصقر يعرف من هو هذا الشبح ويخفي ذلك عني. هل يريدونني أن أدمر المدينة ثم يتخلصوا مني؟ هل أنا مجرد أداة في خطتهم؟" أمسك مسدسه الذهبي، ووجهه نحو الباب كأنه يتوقع خيانة في أي لحظة، عيناه تلمعان بالرعب والجنون.
في تلك الأثناء، كان الظل قد عاد إلى
مشارف الحي الشعبي. كان يقف على تلة صغيرة تطل على الشاحنة الثالثة، التي كانت لا
تزال متوقفة، رجالها يحاولون إعادة تنظيم أنفسهم بعد الهجوم. كان المطر يهطل بقوة
الآن، يغسل الدماء عن ردائه الأسود، لكنه لم يكن يهتم. كان يفكر في الوثيقة في
جيبه، وفي الكلمات "الصقر يراقب". كان يعلم أن الحرب لم تنتهِ، وأن سالم
الضبع سيذهب إلى أبعد من ذلك. لكنه كان مستعداً. التفت إلى المدينة الممتدة أمامه،
وهمس بصوت خافت: "لن أتوقف حتى أنتهي منكم جميعاً." ثم اختفى في الظلام
تحت المطر، تاركاً خلفه وعداً بالمزيد من الانتقام.
الفصل الرابع: صوت التراث
كان الحي الفقير يغرق في صمت ثقيل بعد ليلة طويلة من الفوضى والخوف. المطر الخفيف الذي بدأ يهطل في الساعات الأخيرة كان قد توقف، تاركاً وراءه رذاذاً بارداً يتراكم على الأسطح الطينية المتشققة والشوارع الضيقة المغطاة بالوحل. البيوت المتلاصقة، المبنية من الطوب اللبن والخشب القديم، كانت تبدو كأطلال حية، أبوابها مغلقة بإحكام، ونوافذها الصغيرة مغطاة بستائر رقيقة ترفرف كأرواح مضطربة تحت الريح الخافتة. كانت رائحة التراب المبلل تملأ الجو، ممزوجة ببقايا دخان بعيد يحمل معه ذكرى النيران التي التهمت المستودع في الضواحي. لكن في تلك اللحظة، كان الحي يبدو هادئاً بشكل مخادع، كأنه يحبس أنفاسه منتظراً ما سيأتي بعد ذلك.
نورا العامري وصلت إلى الحي في سيارتها القديمة، وهي تحمل كاميرتها وحقيبتها الصغيرة التي تحتوي على مفكرة وقلم. كانت في أوائل الثلاثينيات، شعرها الأسود القصير مبلل قليلاً من المطر، وعيناها البنيتان تلمعان بمزيج من الفضول والإصرار. كانت ترتدي جاكيت جلدياً بنياً وقميصاً أبيض بسيطاً، وبنطال جينز أسود يتناسب مع الجو البارد. توقفت سيارتها قرب الشارع الرئيسي، حيث كانت السيارة السوداء المتروكة من "ليلة المطر" لا تزال واقفة كشاهد صامت على ما حدث. كانت العلامة المحفورة على غطاء محركها - دائرة سوداء بقطرة دم - لا تزال واضحة، رغم الصدأ الذي بدأ يتسلل إلى المعدن.
نزلت نورا من السيارة، وألقت نظرة حولها. كانت الشوارع خالية تقريباً، باستثناء بعض الأطفال الذين كانوا يلعبون في زقاق جانبي، وامرأة عجوز تجلس على عتبة بيتها، تحمل سلة خضروات ذابلة. كانت تعلم أن السكان يخافون من الحديث، لكنها كانت مصممة على جمع أي معلومات عن "الظل"، تلك الشخصية الغامضة التي أصبحت حديث المدينة. أخرجت مفكرتها، وكتبت بسرعة: "الحي الشعبي، اليوم التالي للمستودع. الناس خائفون، لكن الشائعات كثيرة. يجب أن أجد شاهد عيان." ثم أغلقت المفكرة، واتجهت نحو بيت صغير في نهاية الشارع، كانت قد سمعت عنه من أحد مصادرها: بيت الشيخ مروان.
كان بيت الشيخ مروان متواضعاً بكل معنى الكلمة. كان مبنياً من الطوب اللبن، جدرانه متصدعة ومغطاة بطبقة رقيقة من الطين الجاف، وسقفه من القش والخشب يبدو كأنه قد ينهار في أي لحظة. الباب الخشبي كان قديماً، متآكلاً من الأطراف، لكنه كان مفتوحاً قليلاً، يكشف عن ضوء خافت ينبعث من الداخل. طرقت نورا الباب بحذر، وسمعت صوتاً خافتاً من الداخل: "ادخل." كان الصوت ضعيفاً ولكنه يحمل دفئاً غريباً، كأنه ينتمي إلى زمن آخر.
دخلت نورا، ووجدت نفسها في غرفة صغيرة ذات أرضية ترابية مغطاة بسجادة قديمة مهترئة. كان الشيخ مروان جالساً على كرسي خشبي بسيط، أمامه طاولة صغيرة تحمل مصباحاً زيتياً ينشر ضوءاً أصفر باهتاً في الغرفة. كان في الستينيات، وجهه متغضن كخريطة قديمة تحكي قصص سنوات طويلة، وعيناه الضعيفتان تلمعان بحكمة هادئة. لحيته البيضاء كانت قصيرة ومرتبة، وكان يرتدي جلباباً رمادياً باهتاً يتناسب مع بساطة المكان. على الطاولة أمامه، كان هناك كتاب قديم مفتوح، صفحاته صفراء ومتهالكة، وبجانبه كوب شاي زجاجي فارغ.
"السلام عليكم," قالت نورا بحذر، وهي تقترب بخطوات بطيئة. "أنا نورا العامري، صحفية من النور. هل يمكنني التحدث إليك؟" ابتسم الشيخ مروان ابتسامة خفيفة، وأشار إليها بالجلوس على وسادة قديمة أمام الطاولة. "وعليكم السلام، يا بنتي," قال بصوته الهادئ. "اجلسي، لا حاجة للتردد. قد لا أملك الكثير لأقدمه، لكن لدي أذن تصغي وعقل يتذكر."
جلست نورا، ووضعت حقيبتها بجانبها. أخرجت مفكرتها وقلمها، لكنها لم تكتب شيئاً بعد. "سمعت عن ما حدث هنا قبل ليلتين," بدأت، وهي تنظر إليه بعينين متسائلتين. "رجل غامض، يرتدي الأسود، قتل خمسة من رجال العصابة وترك علامة غريبة على سيارتهم. الناس يسمونه 'الظل'. هل رأيته؟ هل تعرف شيئاً عنه؟"
الشيخ مروان أغلق الكتاب أمامه ببطء، وتنهد تنهيدة طويلة كأنه يستعيد ذكرى بعيدة. "رأيته," قال أخيراً، صوته يحمل نبرة غامضة. "من نافذتي الصغيرة، شاهدته وهو يتحرك كالشبح في تلك الليلة الممطرة. كان سريعاً كالريح، حاداً كالسيف، لا يرحم ولا يتردد. قتل أولئك الأوغاد وترك علامته، ثم اختفى كما ظهر." توقف للحظة، ونظر إلى نورا بنظرة عميقة. "لكن ليس هذا ما تريدين معرفته حقاً، أليس كذلك؟ أنتِ تسألين من هو، ولماذا يفعل هذا."
أومأت نورا برأسها، وكتبت بسرعة في مفكرتها: "الشيخ مروان شاهد الظل." ثم رفعت عينيها إليه. "نعم، أريد أن أعرف من هو. الناس خائفون، لكنهم يتحدثون عنه كأنه بطل. هل هو مجرم أم مُنقذ؟ هل سمعت شيئاً قد يساعدني؟" الشيخ مروان لم يجب على الفور. نهض ببطء من كرسيه، واتجه إلى رف خشبي صغير في زاوية الغرفة، أخرج منه صندوقاً قديماً مغطى بالغبار. وضعه على الطاولة أمام نورا، وفتحه ليكشف عن سيف عربي قديم، مقبضه مزخرف بنقوش دقيقة، وشفرته تلمع رغم الزمن الذي مر عليها.
"هذا السيف," قال الشيخ، وهو يمرر يده على المقبض بحنان، "ينتمي إلى تاريخ هذا الحي. قبل مئات السنين، كان هناك محارب أصيل من هذه الأرض، ولد بين هذه البيوت الطينية، نشأ بين هذه الشوارع الضيقة. كانوا يسمونه 'سيف الظلال'، لأنه كان يظهر في الليل، يقاتل الظلم والفساد الذي كان يخنق الناس." جلس مرة أخرى، وعيناه تلمعان بحماس خافت. "كان رجلاً لا يعرف الخوف، يحمل سيفاً كهذا، ويترك علامة على أعدائه: دائرة تحيط بقطرة دم، رمزاً للعدالة التي يسفكها من أجلها دماء الفاسدين."
نورا كانت تستمع باهتمام شديد، قلمها يتحرك بسرعة على الورق وهي تكتب: "سيف الظلال - محارب أسطوري من الحي الفقير. علامة مشابهة." ثم رفعت عينيها إليه. "هل تقول إن 'الظل' هذا قد يكون مرتبطاً بهذا المحارب؟ هل هو سليل له أو شيء من هذا القبيل؟" الشيخ مروان ابتسم ابتسامة خفيفة غامضة. "لا أعرف، يا بنتي. التاريخ يترك أصداء، والأرواح العظيمة لا تموت بسهولة. لكن عندما رأيته تلك الليلة، شعرت بشيء في قلبي. كأنه عاد من الماضي، كأن 'سيف الظلال' نفسه يمشي بيننا مرة أخرى."
كانت نورا تشعر بشكوك تتصاعد في ذهنها. أخرجت هاتفها، وعرضت صورة ضبابية للظل التقطتها كاميرا مراقبة في "ليلة المطر". "هل يشبه هذا ما رأيته؟" سألت، وهي تمد الهاتف إليه. نظر الشيخ إلى الصورة بعناية، ثم أومأ برأسه ببطء. "نعم، هذا هو. الرداء الأسود، القلنسوة الكبيرة، السرعة التي لا تُصدق. لكن هناك شيء آخر... شيء في طريقته، في عزيمته، يذكرني بتلك القصص القديمة."
الشيخ مروان عاد إلى الكتاب القديم على الطاولة، وفتحه على صفحة معينة، أشار إلى رسم بسيط في الهامش: دائرة تحيط بقطرة دم، مرسومة بحبر أسود باهت. "هذه العلامة," قال، "كانت رمز 'سيف الظلال'. كان يتركها على أعدائه ليذكرهم أن العدالة لا تنسى. كان يقاتل الظالمين الذين نهبوا هذا الحي، سرقوا قوته، وتركوا أهله يتضورون جوعاً. قيل إنه مات في معركة كبيرة، لكن البعض يقول إن روحه بقيت، تنتظر من يحمل رايته من جديد."
نورا شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. كتبت في مفكرتها: "ارتباط محتمل بين الظل وسيف الظلال؟ رمز تاريخي." ثم سألت: "هل تعتقد أنه يفعل هذا لنفس السبب؟ لمحاربة الظلم؟" الشيخ مروان تنهد مرة أخرى، ونظر إلى السيف بجانبه. "لا أعرف دوافعه، يا بنتي. لكن هذا الحي يعاني منذ زمن. عصابات مثل عصابة سالم الضبع تسحقنا، تسرق منا كل شيء. إذا كان هذا 'الظل' يقاتل من أجلنا، فهو يحمل عبءً ثقيلاً، سواء كان سليلاً للماضي أو مجرد رجل اختار طريق العدالة."
نهضت نورا، وألقت نظرة أخيرة على السيف. كانت تشعر أن القصة أكبر مما توقعت، وأن "الظل" ليس مجرد قاتل عشوائي. "شكراً، يا شيخ مروان," قالت، وهي تجمع أغراضها. "سأعود إذا احتجت إلى المزيد من المعلومات." ابتسم الشيخ، وأشار إلى الباب. "كوني حذرة، يا بنتي. من يبحث عن الحقيقة قد يجد أكثر مما يتوقع."
خرجت نورا من البيت، ووقفت تحت سماء مظلمة بدأت تتلبد بالغيوم مرة أخرى. كانت تشعر بثقل غريب في قلبها، كأنها لمست شيئاً أكبر من مجرد قصة صحفية. أخرجت مفكرتها، وكتبت: "الظل قد يكون مرتبطاً بتاريخ الحي الفقير. سيف الظلال - أسطورة أم حقيقة؟ يجب أن أتحقق أكثر." ثم نظرت إلى الشارع الرئيسي، حيث كانت السيارة السوداء لا تزال واقفة، علامتها تلمع تحت ضوء القمر.
في تلك اللحظة، بعيداً عن الحي، كان الظل يتحرك في الظلام، الوثيقة التي وجدها في المستودع لا تزال في جيبه. كان يعلم أن المعركة القادمة ستكون أصعب، وأن سالم الضبع سيذهب إلى أبعد الحدود لقتله. لكنه كان مستعداً. كان صوت التاريخ يتردد في ذهنه، وإن لم يكن يعرف كل أسراره بعد، كان يشعر أن هذا الحي - حي الفقير - يحمل مفتاحاً لما هو قادم.
الفصل الخامس: مطاردة على الأسطح
كان وسط المدينة مزيجاً غريباً من القديم والحديث، حيث تتداخل المباني القديمة ذات الأسطح الطينية المتآكلة مع ناطحات السحاب الزجاجية التي تعكس أضواء الشوارع المزدحمة. الأسواق الصغيرة، بأكشاكها المليئة بالتوابل والأقمشة، كانت تصطف على جانبي الطرق الضيقة، بينما كانت السيارات تملأ الشوارع الرئيسية، أبواقها تخترق الهواء بصخب لا يتوقف. كان الليل قد حل، والسماء مظلمة بغيوم ثقيلة تحجب القمر، تاركة المدينة تحت وهج مصابيح النيون والمصابيح الصفراء القديمة المعلقة على أعمدة متصدعة. الجو كان بارداً ورطباً، رذاذ خفيف من المطر السابق لا يزال عالقاً في الهواء، يترك الأسطح لامعة وزلقة.
سالم الضبع كان في حالة من الجنون المطلق بعد فشل خططه السابقة. كان يجلس في مكتبه الفاخر داخل فيلته المحصنة، شاشات المراقبة أمامه تعرض صوراً متقطعة من الحي الشعبي حيث كانت شاحناته تحترق. كان شعره الأسود المصفف بعناية قد تحول إلى فوضى مبعثرة، وعيناه تلمعان ببريق مختل كأنهما نار تشتعل في ظلام داخلي. "لن أدعه يفوز!" صرخ، وهو يضرب المكتب بقبضته حتى تناثرت الأوراق والأقلام حوله. "إذا لم أقتله في الحي، سأقتله هنا، في قلب المدينة!" أمسك جهاز الاتصال الاحتياطي، وصرخ فيه: "ناصر! أرسل الطائرة المسيرة المسلحة إلى وسط المدينة! ابحثوا عنه على الأسطح، اقتلوه مهما كلف الأمر!"
في تلك اللحظة، كان الظل يتحرك عبر الأزقة الضيقة في وسط المدينة، متجهاً نحو منطقة المباني القديمة التي كان يعلم أنها ستكون ملعبه التالي. كان رداؤه الأسود الطويل يرفرف خلفه كجناحي الموت، ملطخاً بالدماء والرماد من معاركه السابقة، وقلنسوته الكبيرة تخفي وجهه بالكامل، لا يظهر منه سوى عينين حادتين تلمعان ببرود قاتل. كان يرتدي جينز أسود وحذاء أسود، وفي يده مسدس كاتم صوت، بينما كان يحمل في جيب ردائه خنجراً منحنياً وقنابل دخان صغيرة، وحبل قصير بخطاف مثبت في حزامه. كان قد أضاف إلى ترسانته قاذفة صواريخ صغيرة محمولة على الكتف، استولى عليها من إحدى الشاحنات في الحي الشعبي، وكان يعلم أنها ستكون سلاحه الرئيسي في هذه المواجهة.
كان الظل قد سمع هدير طائرة مسيرة تقترب من بعيد، صوت محركها يتردد بين المباني كزمجرة وحش ميكانيكي. توقف للحظة في زقاق مظلم، وأخرج منظاره الصغير من معصمه، راصداً الطائرة وهي تحلق فوق الأسطح. كانت طائرة مسيرة متقدمة، مزودة بكاميرا حرارية وصواريخ صغيرة مثبتة تحتها، قادرة على تتبعه حتى في الظلام. "سالم يريد لعبة جديدة," همس الظل لنفسه، صوته خافت كالهواء البارد. لم يكن خائفاً. كان مستعداً. تسلق جدار مبنى قديم بسرعة خارقة، مستخدماً الشقوق والنوافذ المحطمة كنقاط ارتكاز، حتى وصل إلى السطح الأول، حيث بدأت المطاردة.
كانت أسطح المباني القديمة في وسط المدينة متلاصقة تقريباً، مفصولة بفجوات ضيقة أو ممرات صغيرة مليئة بالحبال المعلقة للغسيل والأطباق الفضائية الصدئة. كانت الأسطح غير متساوية، بعضها مغطى بالطين المتشقق، وأخرى بألواح معدنية متآكلة، وبعضها مليئ بالأنقاض والخردة. الظل بدأ يتحرك بسرعة عبر هذا التضاريس الوعرة، قفزاته البهلوانية تجعله يبدو كشبح يطير بين المباني. كان يعلم أن الطائرة المسيرة ستتبعه بالكاميرا الحرارية، لكنه كان يعتمد على خفة حركته وذكائه للتغلب عليها.
في فيلته، كان سالم يراقب عبر شاشة متصلة بالطائرة المسيرة، يرى بقعة حرارية تتحرك بسرعة عبر الأسطح. "وجدناه!" صرخ، وهو يشير إلى ناصر عبر جهاز الاتصال. "اقتربوا منه! أطلقوا الصواريخ إذا لزم الأمر! لا أهتم إذا دمرتم نصف المدينة!" ناصر، الذي كان يتحكم في الطائرة من شاحنة متوقفة على أطراف وسط المدينة، أجاب بنبرة متوترة: "سيدي، إنه سريع جداً! لكننا سنحاصره!"
الطائرة المسيرة اقتربت من الظل، محركها يزمجر وهي تحلق على ارتفاع منخفض فوق الأسطح. أطلقت صفير تحذير، ثم أطلقت رصاصات من مدفع رشاش صغير مثبت تحتها. الرصاص اخترق سطحاً معدنياً قرب الظل، مما أرسل شظايا متطايرة في الهواء، لكن الظل تفادى الهجوم بحركة جانبية سريعة، قفز إلى سطح مجاور، تدحرج على الأرض، ثم نهض وهو يركض دون أن يفقد توازنه. أخرج قنبلة دخان من جيب ردائه، وألقاها خلفه، فانفجرت في الهواء، ملأت المنطقة بدخان كثيف أربك الكاميرا الحرارية للحظات.
"اللعنة عليه!" صرخ ناصر، وهو يحاول إعادة ضبط الطائرة. لكن الظل استغل الفرصة. تسلق عموداً خشبياً متصدعاً على حافة السطح، ثم قفز إلى سطح أعلى، مستخدماً حبله بخطاف ليلتف حول أنبوب معدني، متأرجحاً في الهواء كبهلوان في سيرك الموت. هبط على سطح مبنى آخر، وأخرج قاذفة الصواريخ الصغيرة من ظهره، وضعها على كتفه ببرود قاتل. "حان وقتك," همس، وأطلق صاروخاً صغيراً نحو الطائرة المسيرة.
الصاروخ قطع الهواء بسرعة، ضرب الطائرة في جناحها الأيمن، مما تسبب في انفجار صغير أضاء الليل. الطائرة تمايلت في الهواء، دخان أسود يتصاعد منها، لكنها لم تسقط بعد. ناصر ضغط على أزرار التحكم بسرعة، محاولاً تثبيتها، وأطلق صاروخاً صغيراً من الطائرة نحو الظل. الصاروخ ضرب سطحاً قريباً منه، مما تسبب في انفجار هز المبنى، أرسل شظايا متطايرة في كل الاتجاهات. قطعة معدنية صغيرة أصابت ذراع الظل، شقت قماش ردائه وتركت جرحاً بسيطاً ينزف قليلاً، لكنه لم يتوقف. ألقى نظرة سريعة على الجرح، وتجاهله، عيناه تلمعان بغضب بارد.
في تلك اللحظة، كانت نورا العامري تقف على مسافة بعيدة، في شارع جانبي قرب وسط المدينة. كانت قد سمعت أصوات الانفجارات من بعيد، وقررت الاقتراب للتحقيق، كاميرتها في يدها. من موقعها، رأت وميض النيران فوق الأسطح، وسمعتهدير الطائرة المسيرة. أخرجت هاتفها بسرعة، وبدأت تصور المشهد، عدستها تلتقط الظل وهو يتحرك بين الأسطح كشبح أسود، والطائرة وهي تحاول ملاحقته. "يا إلهي," همست، وهي تكبر الصورة على شاشة هاتفها. "إنه هو... الظل!" كانت تشعر بقلبها ينبض بسرعة، فضولها يتصاعد مع كل لحظة. "من أنت حقاً؟" فكرت، وهي تواصل التصوير، عيناها تلمعان بالإثارة والخوف.
كانت أسطح المباني القديمة في وسط المدينة تتحول إلى ساحة معركة ملحمية، حيث كان الظل يواجه الطائرة المسيرة المسلحة في رقصة موت سريعة ومثيرة. الدخان الذي ألقاه الظل كان لا يزال يعوم في الهواء، يحجب الكاميرا الحرارية للحظات، لكنه بدأ يتبدد تحت الريح الباردة، مما سمح للطائرة بإعادة تتبعه. كان صوت محركها يزمجر بقوة، يتردد بين الجدران كتحذير من الموت القادم، بينما كانت أضواؤها الحمراء الصغيرة تلمع كعيون شيطان ميكانيكي في الظلام.
الظل لم يتباطأ. كان يركض عبر الأسطح الزلقة، قفزاته البهلوانية تجعله يبدو كظل يتحرك بسرعة البرق. كان رداؤه الأسود الطويل يرفرف خلفه كجناحي غراب، ملطخاً بالدماء من معاركه السابقة. الجرح البسيط في ذراعه اليسرى، الذي تسببت به شظية من انفجار سابق، كان ينزف قليلاً، لكنه لم يعره انتباهاً. كان الأدرينالين يتدفق في عروقه، يحرك جسده كآلة حرب لا تتوقف.
في فيلته، كان سالم الضبع يراقب عبر شاشة التحكم، يرى بقعة حرارية الظل تتحرك بسرعة عبر الأسطح. "اقتربوا منه!" صرخ في جهاز الاتصال، صوته مختنق بالجنون. "أطلقوا كل شيء! لا أهتم إذا دمرتم المباني، فقط اقتلوه!" ناصر، الذي كان يتحكم في الطائرة من شاحنة متوقفة على بعد كيلومترات، ضغط على أزرار التحكم بأصابع مرتعشة. "سيدي، إنه يتحرك كالشيطان! لكننا سنحاصره!" أعاد توجيه الطائرة، مائلًا بها للأسفل لتطلق رذاذاً جديداً من الرصاص من مدفعها الرشاش.
الرصاص اخترق سطحاً طينياً قرب الظل، مما أرسل شظايا الطين والحجارة تتطاير في الهواء كالرذاذ. لكن الظل تفادى الهجوم بحركة جانبية سريعة، قفز إلى سطح أدنى، تدحرج على كتفه ليمتص الصدمة، ثم نهض وهو يركض دون أن يفقد توازنه. كان يتحرك كما لو أن الأسطح كانت ملعبه الخاص، يستخدم كل عائق لصالحه. رأى حبل غسيل معلقاً بين مبنيين، فأمسك به بيده اليمنى، وتأرجح في الهواء، هابطاً على سطح آخر بقوة هزت الألواح المعدنية تحته. الطائرة المسيرة تابعت تعقبه، تقترب أكثر، وأطلقت صاروخاً صغيراً ثانياً نحوه.
الصاروخ ضرب حافة السطح الذي كان يقف عليه، مما تسبب في انفجار أرسل موجة صدمة قوية هزت المبنى. النيران اندلعت على الفور، والسطح بدأ يتصدع تحت قدميه. لكن الظل لم يتردد. قفز في اللحظة الأخيرة، جسده يطير عبر الفجوة بين المباني، وهبط على سطح مجاور بحركة بهلوانية مذهلة، يتدحرج ليستعيد توازنه. شظية صغيرة أخرى أصابت ساقه هذه المرة، تركت جرحاً سطحياً آخر، لكنه عض على أسنانه وتجاهل الألم، عيناه مثبتتان على الطائرة التي كانت تحوم فوقه كصياد يتربص بفريسته.
"لن تفلت هذه المرة!" صرخ ناصر، وهو يضغط على زر إطلاق صاروخ ثالث. لكن الظل كان مستعداً. أخرج قاذفة الصواريخ الصغيرة من ظهره مرة أخرى، وضعها على كتفه ببرود قاتل، وصوبها نحو الطائرة. "انتهى وقتك," همس، وأطلق الصاروخ. الصاروخ قطع الهواء بسرعة البرق، ضرب الطائرة في مركزها هذه المرة، مما تسبب في انفجار أضاء سماء الليل كالألعاب النارية. الطائرة المسيرة انفجرت في وميض من النيران والدخان الأسود، قطعها المحترقة تتطاير في كل الاتجاهات، وتهبط على الأسطح والشوارع أسفلها كأمطار معدنية.
لكن المطاردة لم تنتهِ. كان ناصر قد أرسل فرقة صغيرة من خمسة رجال من الشاحنة لتعقب الظل على الأسطح بعد أن أدرك أن الطائرة قد لا تكفي. كانوا مسلحين برشاشات وخناجر، وقد تسلقوا المباني بسرعة، يصعدون عبر السلالم الخارجية الصدئة والنوافذ المحطمة حتى وصلوا إلى الأسطح. الظل سمع أصوات أقدامهم الثقيلة تقترب، ورأى ظلالهم تحت ضوء النيران البعيدة. "يبدو أن سالم لا يستسلم," فكر، واستعد للمواجهة.
الرجل الأول ظهر من خلف كومة من الأنقاض، يطلق النار من رشاشه بسرعة. الظل تفادى الرصاص بحركة جانبية، قفز إلى حبل غسيل آخر، وتأرجح في الهواء، هابطاً خلف الرجل بحركة خاطفة. أمسك رأسه بين يديه، وكسره بحركة عنيفة، صوت العظام المكسورة يتردد في الهواء، ثم ألقى الجثة من السطح، تسقط على الأرض أسفلها بصوت مكتوم.
الرجل الثاني والثالث ظهرا معاً، أحدهما يحمل رشاشاً والآخر خنجراً كبيراً. الظل لم يتردد. أطلق رصاصتين من مسدسه كاتم الصوت، كل رصاصة تخترق صدر أحدهما، الدم يتدفق كالنافورة وهو يسقط ميتاً. الرجل بالخنجر هجم عليه، لكن الظل تفادى الطعنة بحركة جانبية، أمسك ذراعه، وكسرها بحركة حادة حتى خرج العظم من الجلد، ثم طعنه بخنجره الخاص في بطنه، ساحباً الشفرة للأعلى ليشق صدره كالورق. الأحشاء تساقطت على السطح ككتلة دموية لزجة، والرجل انهار وهو يصرخ في ألم مروع قبل أن يتوقف عن الحركة.
الرجلان المتبقيان حاولا الهجوم معاً، أحدهما يطلق النار والآخر يرمي قنبلة يدوية. الظل قفز إلى سطح أدنى ليتفادى الرصاص، ثم ركل لوحاً معدنياً متآكلاً بقوة، أرسله يطير في الهواء ليصطدم بالقنبلة ويعيدها إليهما. انفجرت القنبلة بينهما، مزقت جسديهما إلى أشلاء، ورذاذ من الدم واللحم تناثر على الأسطح المحيطة كالمطر الأحمر. قطعة من ذراع أحدهما سقطت قرب الظل، لكنه لم ينظر إليها حتى، عيناه مثبتتان على الأفق.
في تلك الأثناء، كان ناصر قد أرسل طائرة مسيرة ثانية احتياطية، أصغر ولكنها أسرع، لتعقب الظل بعد سقوط الأولى. ظهرت فجأة من خلف مبنى، تقترب بسرعة وتطلق رذاذاً من الرصاص. الظل ركض نحو حافة السطح، قفز إلى فجوة بين المباني، وتأرجح بحبله ليهبط على سطح آخر، لكن رصاصة واحدة أصابت كتفه الأيمن، تركت جرحاً بسيطاً آخر ينزف قليلاً. عض على أسنانه، لكنه لم يتوقف. أخرج قاذفة الصواريخ مرة أخرى، وصوبها نحو الطائرة الثانية ببرود قاتل. "وداعاً," همس، وأطلق الصاروخ الأخير.
الصاروخ ضرب الطائرة في مركزها، مما تسبب في انفجار أضاء الليل مرة أخرى، أرسل شظاياها المحترقة تتطاير كنجوم متهاوية. الظل وقف على حافة السطح، يشاهد الطائرة تسقط، النيران تعكس على ردائه الأسود الملطخ بالدماء. كان يتنفس بصعوبة لأول مرة، الجرح في كتفه يؤلمه قليلاً، لكنه لم يكن كافياً لإيقافه. كان الأدرينالين لا يزال يدفع جسده إلى الأمام، عيناه تلمعان بغضب متجدد.
في فيلته، كان سالم يصرخ في الشاشة المظلمة: "لا! لا يمكن أن ينجو من هذا أيضاً!" ألقى جهاز التحكم على الأرض، محطماً إياه، وأمسك رأسه بيديه كالمجنون. "إنه شيطان! لكنه سيموت... سأقتله بنفسي إذا لزم الأمر!" لكنه كان يعلم أن الخطة التالية يجب أن تكون أكبر، أكثر تدميراً.
من موقعها في الشارع الجانبي، كانت نورا لا تزال تصور المشهد، عدستها تلتقط كل لحظة من المطاردة الملحمية. رأت الظل وهو يسقط الطائرة الأولى، ثم يواجه الرجال، ثم يدمر الطائرة الثانية. كانت يداها ترتعشان من الإثارة، لكن عينيها كانتا مملوءتين بالفضول. "إنه لا يتوقف," همست لنفسها، وهي تكبر الصورة على شاشة هاتفها. "من أنت؟ ولماذا تفعل هذا؟" كانت تشعر أنها تقترب من شيء كبير، شيء قد يغير كل شيء تعرفه عن هذه القصة.
كانت أسطح المباني القديمة في وسط المدينة مغطاة الآن بالدخان والرماد، بقايا الطائرتين المسيرتين المحطمتين تتناثر كشظايا نارية على الأرض والشوارع أسفلها. النيران الصغيرة التي اندلعت من الانفجارات كانت تضيء الليل بوهج برتقالي متقطع، تعكس على الأسطح الزلقة والجدران المتشققة كأنها لوحة حرب مرسومة بالدم والنار. كان الهواء ثقيلاً برائحة البارود والمعدن المحترق، ممزوجاً برذاذ المطر الخفيف الذي عاد ليهطل، يغسل الدماء عن الأسطح ولكنه لا يستطيع محو آثار المعركة.
الظل وقف على حافة سطح مبنى قديم، رداؤه الأسود الطويل يرفرف في الريح الباردة، ملطخاً بالدماء والرماد، وقلنسوته الكبيرة تخفي وجهه كما هو دائماً. كان يتنفس بصعوبة لأول مرة، الجرح البسيط في كتفه الأيمن ينزف قليلاً، والخدش في ساقه يؤلمه مع كل حركة، لكنه لم يكن مهتماً. كان الأدرينالين لا يزال يتدفق في عروقه، يحرك جسده كآلة حرب لا تعرف التوقف. ألقى نظرة أخيرة على بقايا الطائرة المسيرة الثانية التي سقطت في الشارع أسفلها، النيران تلتهم ما تبقى منها، ثم استدار، عيناه تبحثان عن العدو التالي.
في تلك اللحظة، سمع صوت أقدام ثقيلة تقترب من سطح مجاور. كان ناصر، قائد فريق سالم الضبع، قد صعد بنفسه مع رجلين آخرين من فرقته الاحتياطية، مصمماً على إنهاء المهمة بعد فشل الطائرات المسيرة. كان ناصر رجلاً خشن الوجه، ذو ندوب تحكي قصص معارك سابقة، وكان يحمل رشاشاً ثقيلاً في يديه، عيناه تلمعان بالغضب والخوف. الرجلان معه، أحدهما يحمل قنبلة يدوية والآخر خنجراً كبيراً، تقدما بحذر، يحاولان محاصرة الظل من الجانبين.
"لن تفلت هذه المرة!" صرخ ناصر، وهو يطلق رذاذاً من الرصاص من رشاشه. الظل تفادى الهجوم بحركة جانبية سريعة، قفز إلى حبل غسيل معلق قريب، وتأرجح في الهواء، هابطاً خلف الرجل بالقنبلة اليدوية بحركة خاطفة. أمسك ذراعه قبل أن يرميها، وكسرها بحركة حادة حتى خرج العظم من الجلد كشظية بيضاء ملطخة بالدم، ثم انتزع القنبلة من يده المتشنجة. في حركة مجنونة، ألقى القنبلة نحو الرجل بالخنجر، الذي حاول الابتعاد لكن الانفجار مزقه إلى أشلاء، ورذاذ من الدم واللحم تناثر على السطح كالمطر الأحمر.
ناصر، الذي كان يشاهد رجليه يموتان في ثوانٍ، صرخ بغضب وحشي وأطلق رذاذاً جديداً من الرصاص. لكن الظل كان أسرع. قفز إلى سطح أدنى، تدحرج ليتفادى الرصاص، ثم نهض وركض نحو ناصر بسرعة البرق. قبل أن يستعيد ناصر توازنه، كان الظل قد وصل إليه، أمسك رشاشه بيده اليسرى، ولفه حول عنقه كحبل، ثم شد بقوة حتى اختنق ناصر، وجهه يتحول إلى اللون الأزرق وهو يحاول التنفس. في اللحظة التالية، طعن الظل ناصر بخنجره في صدره، ساحباً الشفرة للأسفل ليشق بطنه كالذبيحة، الأحشاء تتساقط على السطح ككتلة دموية، وناصر يسقط ميتاً وهو يتشنج في بركة من دمه.
الهدوء عاد إلى الأسطح للحظة، لكن
الظل لم يتوقف للراحة. كان يعلم أن هذه مجرد جولة أخرى في حرب أكبر. مسح الدم عن
خنجره على ردائه، ووقف على حافة السطح، ينظر إلى المدينة الممتدة أمامه، النيران
البعيدة تعكس على عينيه الحادتين.
في تلك اللحظة، كان الظل يفكر في كل ما مر به - المستودع، الشاحنات، الطائرات المسيرة. كان سالم الضبع وراء كل هذا، رجل مجنون يملك المال والقوة ليحول المدينة إلى جحيم فقط لقتله. لكن الظل كان يعلم أن سالم ليس وحده. الوثيقة التي وجدها في المستودع، التي تحمل رمز الصقر وتلميحاً إلى "الصقر يراقب"، كانت تشير إلى عدو أكبر، شخص أو قوة تقف وراء سالم، تراقب من الظلال كما يفعل هو. "سالم هو البداية," فكر الظل، صوته الداخلي بارد كالصلب. "سأقتله، ثم سأجد من وراءه. لن ينجو أحد منهم."
كان قراره واضحاً الآن. لم يكن يكفيه أن يدمر خطط سالم واحدة تلو الأخرى. كان عليه أن ينهي الأمر بنفسه، أن يضع نهاية لهذا الوحش الذي يحرك الخيوط من بعيد. لكنه لم يكن يريد مجرد قتل - كان يريد أن يجعل سالم يشعر بالخوف، بالعجز، كما شعر هو يوم الخيانة. تلك الذكرى البعيدة، اللحظة التي تحولت فيها حياته إلى هذا الطريق المظلم، عادت إليه كومضة سريعة: صوت أصدقاء كان يثق بهم، خطوات تتسلل في الظلام، رصاصة كادت تقتله، ووعد صامت بأن يجعل الجميع يدفعون الثمن. لم يكن هناك تفاصيل واضحة في ذهنه الآن، فقط شعور خام بالغضب والانتقام يدفعه إلى الأمام.
"لن أتوقف," همس بصوت خافت، وهو ينظر إلى المدينة أسفلها. "سالم سيموت، ثم الصقر، ثم كل من خانني. سأجعلهم يدفعون ثمن كل شيء." كانت عيناه تلمعان بنار داخلية، وكأن الجرح في كتفه وساقه لم يكن سوى وقوداً إضافياً لهذا الحريق.
في الشارع الجانبي أسفل الأسطح، كانت نورا العامري لا تزال تشاهد المشهد، كاميرتها تلتقط كل لحظة من المعركة الملحمية. كانت قد رأت الظل وهو يسقط الطائرة الثانية، ثم يواجه الرجال الثلاثة، وقتلهم بوحشية لم ترَ مثلها من قبل. كانت يداها ترتعشان وهي تمسك الهاتف، لكن عينيها كانتا مملوءتين بالفضول والإصرار. "إنه لا يتوقف," همست لنفسها، وهي تكبر الصورة على شاشة هاتفها لرؤية الظل وهو يقف على حافة السطح، ظله الأسود يبرز تحت ضوء النيران البعيدة. "من أنت؟ ولماذا تفعل هذا؟"
كانت تشعر أنها تقترب من شيء كبير، شيء قد يغير كل ما تعرفه عن هذه القصة. أغلقت الكاميرا، وأخرجت مفكرتها بسرعة، كتبت فيها: "الظل دمر طائرتين مسيرتين وقتل المزيد من رجال العصابة على الأسطح. قوة خارقة، وحشية لا تتوقف. هل هو 'سيف الظلال' الذي تحدث عنه الشيخ مروان؟ يجب أن أجد المزيد." ثم أغلقت المفكرة، ونظرت إلى الشارع حولها. كانت تعلم أنها لا تستطيع الصعود إلى الأسطح الآن - كان ذلك خطيراً للغاية - لكنها كانت مصممة على متابعة هذه القصة.
"سأعود إلى الحي الفقير," فكرت، وهي تتجه نحو سيارتها. "الشيخ مروان قد يعرف المزيد. وإذا كان هذا الظل مرتبطاً بتاريخ الحي، فقد أجد أدلة هناك." كانت تشعر بمزيج من الخوف والإثارة، لكنها كانت تعلم أن هذه القصة قد تكون الأكبر في حياتها الصحفية. قبل أن تدخل السيارة، ألقت نظرة أخيرة على الأسطح، حيث كان الظل لا يزال واقفاً، ظله الأسود يبدو كرمز لشيء أكبر من مجرد رجل. ثم اختفى فجأة في الظلام، تاركاً نورا مع أسئلة أكثر من الإجابات.
في تلك اللحظة، كان الظل قد نزل من السطح إلى زقاق مظلم أسفل المباني، مختبئاً في الظلال كما اعتاد. كان يتنفس ببطء الآن، يحاول تهدئة جسده المنهك قليلاً من الجراح البسيطة والمعركة الطويلة. لكنه لم يكن منهكاً في روحه. كان الغضب لا يزال يحترق داخله، نارًا بطيئة أشعلتها تلك الخيانة القديمة التي لا يتحدث عنها أبداً. لم يكن يتذكر التفاصيل بوضوح الآن - وجوه ضبابية، أصوات خافتة، لحظة الرصاصة التي كادت تقتله - لكن الشعور كان واضحاً: ألم الخيانة، والوعد الذي قطعه لنفسه بأن يجعل كل من تسبب في ذلك يدفع الثمن.
أخرج الوثيقة من جيب ردائه، ونظر إليها تحت ضوء مصباح شارع بعيد. رمز الصقر كان لا يزال واضحاً، والكلمات "الصقر يراقب" كانت تحمل تهديداً خفياً. "أراك أيضاً," همس، وهو يعيد الوثيقة إلى جيبه. كان يعلم أن الصقر هو المفتاح، العدو الحقيقي وراء سالم الضبع، وكان مصمماً على كشفه. لكنه كان يعلم أيضاً أن هذه الحرب لن تنتهي بسهولة. كان هناك المزيد من الخونة، المزيد من الأعداء، وكان عليه أن يقتلهم جميعاً، واحداً تلو الآخر.
وقف الظل في الزقاق، المطر الخفيف يغسل الدماء عن ردائه، ورفع عينيه إلى السماء المظلمة. "سأجدكم جميعاً," همس، صوته يحمل وعداً بالدم والانتقام. "ولن ينجو أحد." ثم اختفى في الظلام، تاركاً خلفه أسطحاً ملطخة بالدماء وعلامة واضحة على أن الحرب لم تنتهِ بعد.
في فيلته، كان سالم الضبع يمسك جهاز
التحكم الأسود للقنبلة الكيميائية، أصابعه ترتعش وهو يفكر في الخطة الرابعة.
"إذا لم أقتله، سأقتل الجميع," فكر، ضحكته المجنونة تتردد في الغرفة.
لكنه كان يشعر بالخوف يتسرب إلى قلبه، خوف من أن "الصقر" قد يكون يخطط
لشيء أكبر، شيء قد يجعله هو الضحية التالية.
الفصل السادس: مواجهة النار
كانت فيلة سالم الضبع تقع في ضاحية راقية على أطراف المدينة، بعيدة عن صخب وسطها وفقر أحيائها الشعبية. كانت تحفة معمارية فاخرة، بناء ضخم من الزجاج والرخام الأبيض يرتفع ثلاثة طوابق، محاط بجدران عالية تعلوها أسلاك كهربائية وكاميرات مراقبة حديثة في كل زاوية. الحديقة المحيطة كانت مزينة بأشجار نخيل مستوردة ونوافير ماء تتلألأ تحت أضواء كاشفة قوية، لكن كل هذا الفخامة كان مجرد قناع لقلعة حربية محصنة. داخل الجدران، كان هناك حراس مسلحون، كلاب حراسة مدربة، وأنظمة أمان متطورة تجعل الاقتحام يبدو مستحيلاً لأي إنسان عادي. لكن الظل - فارس - لم يكن إنساناً عادياً.
كان الليل قد وصل إلى ذروة ظلامه، السماء ملبدة بغيوم سوداء ثقيلة، والريح تعوي بصوت منخفض كتحذير من عاصفة قادمة. الظل اقترب من الفيلا تحت جنح الظلام، رداؤه الأسود الطويل يمتزج بالليل كجزء منه، ملطخاً بالدماء والرماد من معاركه السابقة، وقلنسوته الكبيرة تخفي وجهه بالكامل، لا يظهر منه سوى عينين حادتين تلمعان بغضب بارد وتصميم لا يتزعزع. كان يحمل ترسانة صغيرة ولكن قاتلة: مسدس كاتم صوت في يده اليمنى، خنجر منحنٍ بنقوش عربية في جيب ردائه، قنابل دخان وحبل بخطاف في حزامه، وقاذفة صواريخ صغيرة محمولة على ظهره. كان الجرح البسيط في كتفه وساقه من المطاردة السابقة لا يزال ينزف قليلاً، لكنه لم يكن مهتماً - الألم كان مجرد وقود إضافي لناره الداخلية.
كان قد درس الفيلا لساعات من بعيد، باستخدام منظاره الصغير المتطور لتحديد مواقع الحراس، الكاميرات، ونقاط الضعف في الدفاعات. كان يعلم أن هذه ستكون المواجهة الحاسمة مع سالم الضبع، وكان مستعداً لإنهاء الأمر. "حان وقت الحساب," همس بلغة عربية فصيحة، ثم تحول بسلاسة إلى الإنجليزية: "No more games." كان صوته يحمل نبرة باردة كالصلب، وكأنه يتحدث إلى نفسه أو إلى أشباح ماضيه.
بدأ الاقتحام بتكتيك درامي مذهل. اقترب من الجدار الخارجي الجنوبي، حيث كان هناك برج حراسة صغير يضم حارسين مسلحين برشاشات. تسلق الجدار بسرعة خارقة، مستخدماً يديه العاريتين للتشبث بالشقوق والأسلاك كأنه يتسلق جبلًا، متجاهلاً الصدمات الكهربائية الخفيفة التي ضربت جسده. عندما وصل إلى القمة، ألقى قنبلة دخان صغيرة داخل البرج، فانفجرت وملأت المكان بدخان كثيف. الحارسان بدآ يسعلان ويطلقان النار عشوائياً، لكن الظل كان قد هبط خلفهما بحركة صامتة. أمسك رأس الأول بين يديه، وكسره بحركة عنيفة، صوت العظام المكسورة يتردد في الدخان، ثم طعن الثاني بخنجره في صدره، ساحباً الشفرة للأسفل ليشق بطنه، الأحشاء تتساقط على الأرض ككتلة دموية بينما سقط الحارس ميتاً.
مع سقوط الحارسين، اندفع الظل إلى داخل الفيلا عبر بوابة جانبية، متجنباً الكاميرات ببراعة خارقة. كان يتحرك كشبح، يستخدم الظلال والأشجار في الحديقة كغطاء. لكن هدوءه لم يدم طويلاً. كلاب الحراسة، ثلاثة دوبرمان مدربة، شممت رائحته واندفعت نحوه، أنيابها تلمع تحت ضوء الكاشفات وهي تعوي بغضب. الظل لم يتردد. أطلق رصاصة من مسدسه كاتم الصوت على الكلب الأول، اخترقت رأسه بدقة، فسقط ميتاً على الفور. الكلب الثاني قفز نحوه، لكنه تفاداه بحركة جانبية، أمسك رقبته بيده اليسرى، وكسرها بحركة سريعة كالبرق، ثم ألقاه أرضاً كدمية مكسورة. الكلب الثالث حاول عض ساقه، لكن الظل ركله بقوة خارقة في بطنه، أرسله يتطاير ليصطدم بجدار الحديقة، جمجمته تتحطم وهو ينهار في بركة من الدم.
صوت الكلاب الميتة نبه الحراس داخل الفيلا. كان هناك عشرة رجال مسلحين في الطابق الأرضي، يحملون رشاشات وقنابل يدوية، واندفعوا نحو الحديقة بسرعة. الظل رأى أضواءهم تقترب، فألقى قنبلة دخان أخرى ليحجب الرؤية، ثم بدأ المذبحة. تحرك في الدخان كشبح، أطلق رصاصتين من مسدسه، كل رصاصة تخترق رأس حارس بدقة قاتلة، الدم يتدفق كالنافورة وهما يسقطان ميتين. حارس ثالث حاول إطلاق النار، لكن الظل قفز نحوه بحركة بهلوانية، أمسك ذراعه وكسرها حتى خرج العظم، ثم طعنه بخنجره في عنقه، ساحباً الشفرة ليقطع الشريان، الدم يتطاير على وجهه وهو يسقط.
الرجال السبعة المتبقون حاولوا محاصرته، اثنان يطلقان النار وثالث يرمي قنبلة يدوية. الظل تفادى الرصاص بحركة جانبية، ركل غطاءا معدنياً في الحديقة بقوة ليصطدم بالقنبلة ويعيدها إليهم، فانفجرت في الهواء، مزقت الثلاثة إلى أشلاء، أجزاء من أجسادهم تتطاير كالمطر الأحمر. الرجال الأربعة المتبقون اندفعوا نحوه معاً، أحدهم يحمل بندقية قنص، والآخرون بخناجر وسكاكين. الظل أطلق رصاصة على القناص، اخترقت عينه اليمنى وخرجت من الخلف مع رذاذ من الدماغ، فسقط ميتاً. ثم واجه الثلاثة الآخرين في قتال يدوي وحشي.
أمسك الأول من معصمه، وكسر ذراعه بحركة حادة، ثم طعنه بخنجره في قلبه، ساحباً الشفرة للأعلى لتمزق صدره كالورق. الثاني حاول طعنه من الخلف، لكن الظل استدار بسرعة خارقة، و أرسل لكمة فولاذية إلى رأسه، فتحطم بحركة عنيفة من قوة اللكمة، صوت العظام يتردد في الهواء. الثالث هجم بخنجر كبير، لكن الظل تفادى الطعنة، ركله في بطنه بقوة أرسلته يتطاير ليصطدم بجدار، ثم أنهى حياته برصاصة في جبهته، الدم يتدفق وهو ينهار.
مع انتهاء المعركة في الحديقة، تقدم الظل نحو الباب الرئيسي للفيلا، الذي كان مصفحاً ومغلقاً بقفل إلكتروني متطور. لم يتردد. أخرج قنبلة صغيرة متفجرة من حزامه، وضعها على القفل، وأشعلها بحركة سريعة، متجهاً للخلف ليتفادى الانفجار. الباب انفجر في وميض من النيران والدخان، شظاياه تتطاير في الهواء، والظل دخل الفيلا كعاصفة سوداء، مستعداً لمواجهة المزيد من الحراس في الداخل.
في الطابق الأرضي، كان هناك خمسة حراس إضافيين، كانوا قد سمعوا الانفجار واندفعوا نحو المدخل. الظل تحرك بسرعة البرق، أطلق رصاصتين من مسدسه، كل رصاصة تقتل حارساً بدقة مميتة، ثم قفز نحو الثالث، أمسك رأسه وضربها بالجدار بقوة حطمت جمجمته، الدم يتناثر كالطلاء الأحمر. الرابع حاول طعنه بسكين، لكن الظل أمسك ذراعه، كسرها، واستخدم السكين ليقطع حنجرته بحركة باردة، الدم يتدفق كالنهر وهو يسقط. الخامس حاول الهرب، لكن الظل ألقى خنجره نحوه بدقة خارقة، اخترق ظهره واستقر في قلبه، فسقط ميتاً على الأرض.
كان الطابق الأرضي الآن مليئاً بالجثث، الدم يغطي الأرضية الرخامية الفاخرة كسجادة حمراء. الظل وقف وسط هذه المذبحة، أنفاسه هادئة بشكل مخيف، ونظر إلى الدرج الرخامي الواسع المؤدي إلى الطابق العلوي. كان يعلم أن سالم الضبع هناك، مختبئاً في مكتبه، وكان مستعداً لإنهاء الأمر. ثم بدأ يصعد الدرج، خطواته ثابتة كالقدر.
في الطابق العلوي، كان سالم الضبع في حالة من الانهيار العصبي داخل مكتبه الفاخر. كان المكتب واسعاً، جدرانه مغطاة بالخشب الداكن واللوحات الفنية الباهظة، ومكتبه الضخم مليئاً بالشاشات التي كانت تعرض الآن صوراً متقطعة من الكاميرات المدمرة. كان شعره مبعثراً، وعيناه تلمعان بالجنون والخوف، وهو يمسك مسدسه الذهبي بيد مرتعشة. "لا يمكن أن يصل إليّ!" صرخ، وهو ينظر إلى جهاز التحكم الأسود للقنبلة الكيميائية على المكتب. "سأقتل الجميع قبل أن يقتلني!"
لكنه كان يعلم أن الظل اقترب. كان قد سمع أصوات الانفجارات والصراخ من الطابق الأرضي، وكان يعلم أن حراسه سقطوا كالذباب أمام هذا الشبح الأسود. أمسك جهاز الاتصال، وصرخ فيه: "الصقر! أين أنت؟ قلتَ إنه لن يصل إليّ! أين الدعم الذي وعدتني به؟" لكن الرد لم يأتِ سوى كصوت تنفس خافت، ثم ضحكة باردة من الجانب الآخر: "أنت وحدك الآن، يا سالم. أثبت قيمتك، أو مت." انقطع الاتصال، تاركاً سالم في حالة ذعر أعمق.
كان الدرج الرخامي الواسع داخل فيلة سالم الضبع يمتد إلى الطابق الأول كمعبد فاخر ملطخ الآن بالدماء التي تركها الظل في أعقابه. كانت الأضواء الكريستالية الكبيرة المعلقة في السقف تلقي وهجاً ذهبياً على الجدران، لكن هذا الجمال كان يتناقض بشكل صارخ مع المشهد الوحشي الذي بدأ يتكشف. الظل (فارس) صعد الدرج بخطوات ثابتة كالقدر، رداؤه الأسود الطويل يرفرف خلفه كجناحي الموت، ملطخاً بالدماء والرماد، وقلنسوته الكبيرة تخفي وجهه بالكامل، لا يظهر منه سوى عينين حادتين تلمعان بغضب بارد لا ينطفئ. كان يحمل مسدسه كاتم الصوت في يده اليمنى، وخنجره المنحنٍ في جيب ردائه جاهزاً للاستخدام، بينما كانت قاذفة الصواريخ الصغيرة لا تزال مثبتة على ظهره كسلاح احتياطي للحظات الحاسمة.
كان الجرح البسيط في كتفه الأيمن وساقه من المطاردة السابقة يؤلمان قليلاً مع كل خطوة، لكن الظل لم يعرهما انتباهاً. كان الألم بالنسبة له مجرد تذكير بأنه لا يزال حياً، وبأن كل قطرة دم تسيل منه هي وقود إضافي لنار انتقامه. عندما وصل إلى الطابق الأول، توقف للحظة في الردهة الواسعة، ينظر حوله ببرود قاتل. كانت الجدران مغطاة بلوحات فنية باهظة ومرايا ذهبية، والأرضية من الرخام الأسود اللامع تعكس ظله كشبح أسود يتحرك في عالم لا ينتمي إليه. لكنه لم يكن هنا للإعجاب بالديكور - كان هنا للقتل.
فجأة، انفتحت أبواب جانبية في الردهة، واندفع ثمانية حراس مسلحين نحوه، كل واحد يحمل سلاحاً مختلفاً: رشاشات آلية، بنادق قنص، وسكاكين قتالية كبيرة. كانوا رجالاً مدربين، أجسادهم مشدودة ووجوههم تحمل ندوب معارك سابقة، لكنهم لم يكونوا مستعدين لما سيواجهونه. "اقتلوه!" صرخ أحدهم، وهو يطلق رذاذاً من الرصاص من رشاشه.
الظل تحرك بسرعة البرق، قفز إلى جانب الردهة، متجنباً الرصاص بحركة جانبية دقيقة، ثم أطلق رصاصتين من مسدسه كاتم الصوت، كل رصاصة تخترق جبهة حارس بدقة قاتلة، الدم يتدفق كالنافورة وهما يسقطان ميتين على الأرضية الرخامية. حارس ثالث، يحمل بندقية قنص، حاول التصويب من بعيد، لكن الظل ركض نحوه بخطوات سريعة كالفهد، أمسك البندقية بيده اليسرى، وكسرها على ركبته كعصا جافة، ثم ضرب الحارس برأسه في وجهه، حطم أنفه وأرسل الدم يتطاير، قبل أن يطعنه بخنجره في قلبه، ساحباً الشفرة للأعلى لتمزق صدره كالورق، الأحشاء تتساقط على الأرض ككتلة دموية.
الحراس الخمسة المتبقون حاولوا محاصرته، اثنان يطلقان النار من رشاشاتهما، وثلاثة يهاجمون بخناجرهم. الظل ألقى قنبلة دخان من جيب ردائه، فانفجرت وملأت الردهة بدخان كثيف، مما أربك الحراس وأعماهما مؤقتاً. تحرك في الدخان كشبح، أمسك أول حارس من رقبته، وكسرها بحركة عنيفة، صوت العظام المكسورة يتردد في الفضاء المغلق، ثم ألقى الجثة على الحارس الثاني، مما جعله يتعثر. استغل اللحظة، أطلق رصاصة من مسدسه اخترقت رأس الحارس الثاني، ورذاذ من الدم والدماغ تناثر على المرآة الذهبية خلفه.
الثلاثة المتبقون، المسلحون بالخناجر، اندفعوا نحوه معاً في محاولة يائسة. الظل تفادى طعنة الأول بحركة جانبية، أمسك ذراعه وكسرها حتى خرج العظم من الجلد، ثم استخدم الخنجر الخاص به ليقطع حنجرته بحركة باردة، الدم يتدفق كالنهر وهو ينهار. الثاني حاول طعنه من الخلف، لكن الظل استدار بسرعة خارقة، ركله في صدره بقوة أرسلته يتطاير ليصطدم بجدار، جمجمته تتحطم وهو يسقط ميتاً. الثالث، في لحظة ذعر، حاول الهرب، لكن الظل ألقى خنجره نحوه بدقة قاتلة، اخترقت مؤخرة رأسه في جهة النخاع الشوكي بدقة، فسقط على الدرج وهو يتشنج كالممسوس.
مع انتهاء المعركة في الطابق الأول، تقدم الظل إلى الدرج المؤدي إلى الطابق الثاني، حيث كان يعلم أن المزيد من الحراس ينتظرونه. كان الطابق الثاني عبارة عن ممر طويل مغطى بالسجاد الأحمر الفاخر، أبواب خشبية ثقيلة على الجانبين تؤدي إلى غرف مختلفة، وكاميرات مراقبة مثبتة في السقف تراقب كل حركة. لكنه لم يكن قلقاً - كان يمتلك المهارات للتغلب على كل شيء.
عندما وصل إلى الممر، انفتحت ثلاثة أبواب في وقت واحد، واندفع عشرة حراس آخرين نحوه، هذه المرة بأسلحة أكثر تنوعاً: رشاشات، بنادق قنص، قنابل يدوية، وحتى سيوف قتالية حديثة. كانوا فرقة النخبة الخاصة بسالم، مدربين على أعلى مستوى، لكن الظل كان في عالم آخر. تحدث مع نفسه قائلا: (ليس لديكم أي فرصة)، ثم بدأت المذبحة.
أطلق رصاصتين من مسدسه، كل رصاصة تقتل حارساً برصاصة في الرأس، ثم قفز إلى السقف بحركة بهلوانية مذهلة، متشبثاً بإحدى الكاميرات بيده اليسرى، وألقى قنبلة دخان ليحجب الرؤية. هبط وسط الدخان، أمسك حارساً يحمل سيفاً، انتزع السلاح من يده بحركة سريعة، وقطع عنقه بشفرة السيف بحركة دقيقة كالجراح، الدم يتطاير كالرذاذ وهو يسقط. حارس آخر أطلق النار من بندقية قنص، لكن الظل تفادى الرصاصة بحركة جانبية، قفز نحوه، واستخدم السيف ليقطع يده الحاملة للبندقية، ثم طعنه في صدره، الدم يتدفق كالنهر وهو ينهار.
حارس ثالث رمى قنبلة يدوية، لكن الظل ركلها في الهواء بقوة خارقة، أرسلها تعود إلى الحراس الثلاثة القريبين، فانفجرت ومزقتهم إلى أشلاء، أجزاء من أجسادهم تتطاير في الممر كالمطر الأحمر. الرجال الأربعة المتبقون حاولوا الهجوم معاً - اثنان برشاشات، واثنان بخناجر. الظل ألقى السيف جانباً، أمسك رشاش أحد الرجال، وكسره على ركبته كعصا جافة، ثم ضرب الحارس برأسه في وجهه، حطم جمجمته وأرسل الدم يتناثر، قبل أن يطعنه بخنجره في قلبه. الثاني أطلق النار، لكن الظل تفادى الرصاص بحركة جانبية، أمسك ذراعه وكسرها، ثم استخدم الرشاش ليطلق رذاذاً على الحارسين بالخناجر، مزق أجسادهما كالورق وهما يسقطان في برك من الدم.
مع انتهاء المعركة في الطابق الثاني، تقدم الظل نحو الدرج المؤدي إلى الطابق الثالث، حيث كان يعلم أنه طابق مكتب سالم. كان الممر مليئاً بالجثث الآن، الدم يغطي السجاد الأحمر الفاخر كبقع سوداء وحمراء، والجدران ملطخة برذاذ الدم والشظايا. كان يتحرك بثقة مخيفة، كأنه ليس مجرد رجل، بل قوة طبيعية لا يمكن إيقافها.تنهد و قال: (أنت التالي، سالم)، ثم صعد الدرج الأخير بخطوات ثابتة.
عندما وصل إلى الطابق الثالث، كان هناك حارسان آخران يحرسان باب مكتب سالم، يحملان رشاشات ثقيلة ويرتديان دروعاً واقية. الظل لم يتوقف. أطلق رصاصتين من مسدسه، كل رصاصة تخترق درع الحارس وتستقر في قلبه، ثم اندفع نحوهما بسرعة البرق، أمسك رأس الأول وضربها بالباب بقوة حطمت جمجمته، والثاني طعنه بخنجره في عنقه، ساحباً الشفرة ليقطع الشريان، الدم يتدفق وهو ينهار.
وقف الظل أمام باب مكتب سالم، الباب الخشبي الثقيل مغلق بقفل إلكتروني. أخرج قنبلة صغيرة أخرى من حزامه، وضعها على القفل، وأشعلها بحركة سريعة، متجهاً للخلف ليتفادى الانفجار. الباب انفجر في وميض من النيران والدخان، شظاياه تتطاير في الهواء، والظل دخل المكتب كعاصفة سوداء، عيناه مثبتتان على سالم الضبع الذي كان يقف خلف مكتبه، يرتجف من الخوف وهو يمسك مسدسه الذهبي.
كان مكتب سالم الضبع ملاذاً فاخراً وسط الفوضى التي اجتاحت فيلته، لكنه أصبح الآن مسرحاً لمواجهة نهائية. كانت الجدران مغطاة بالخشب الداكن المصقول، مزينة بلوحات فنية باهظة تصور معارك تاريخية، ونوافذ زجاجية ضخمة تطل على حديقة النخيل المحترقة أسفلها، حيث كانت ألسنة اللهب لا تزال تلتهم بقايا الشاحنات والجثث. المكتب الضخم، المصنوع من خشب الماهوغاني، كان مليئاً بشاشات المراقبة التي أصبحت الآن سوداء أو متقطعة، وأوراق مبعثرة تناثرت على الأرض بعد انهيار سالم العصبي. كان الجو مشبعاً برائحة الدخان والدم القادمة من الطوابق السفلى، ممزوجة برذاذ المطر الخفيف الذي تسلل عبر نافذة محطمة.
الظل (فارس) وقف في وسط المكتب، رداؤه الأسود الطويل يرفرف خلفه كجناحي الموت، ملطخاً بالدماء والرماد من المذبحة التي تركها في طريقه. سالم الضبع كان يقف خلف مكتبه، يرتجف من الخوف والغضب، يمسك مسدسه الذهبي بيد مرتعشة. كان شعره الأسود المصفف بعناية قد تحول إلى فوضى مبعثرة، وعيناه تلمعان ببريق مختل كأنهما نار تشتعل في ظلام داخلي. "من أنت؟" صرخ، صوته مختنق بالرعب وهو يتراجع خطوة إلى الخلف، ظهره يقترب من النافذة الضخمة. "ماذا تريد مني؟ أنا أملك المال، القوة! يمكنني أن أعطيك كل شيء!" كان يحاول إيجاد مخرج، لكنه كان يعلم أن هذا الشبح الأسود لم يأتِ ليتفاوض.
الظل لم يجب على الفور. تقدم بخطوات بطيئة، كل خطوة تهز الأرضية الخشبية تحته، عيناه الحادتان تخترقان سالم كشفرتين من الجليد. تحدث أخيراً، صوته خافت كالهمس ولكنه يحمل نبرة قاتلة،(ليس هناك شيء يمكنك تقديمه لي). ثم رفع مسدسه كاتم الصوت ببرود، مصوباً إياه مباشرة إلى جبهة سالم.
سالم رفع يديه بسرعة، مسدسه الذهبي يسقط على المكتب في حركة يائسة. "انتظر! انتظر!" صرخ، صوته يرتجف وهو يحاول كسب الوقت. "لا تعرف من أتعامل معه! أنا مجرد قطعة في لعبة أكبر! يمكنني مساعدتك! يمكنني أن أخبرك عن 'الصقر' عن معاونيه و زعمائه، عن الذين يقفون ورائي! فقط لا تقتلني!" كان يعلم أن الظل لا يرحم، لكنه كان يراهن على غريزة البقاء الأخيرة.
الظل توقف للحظة، رأسه يميل قليلاً كأنه يفكر في كلمات سالم. لكن عيناه لم تتغيرا - كانتا لا تزالان تلمعان ببرود الموت. "الصقر," كرر الكلمة بلغة إسبانية هادئة: "El Halcón," ثم أضاف بلغة عربية فصيحة: "سأجده بعدك." لم يكن هناك أي تلميح للتردد في صوته. رفع المسدس أعلى قليلاً، وأطلق رصاصة واحدة من كاتم الصوت، "فشش"، اخترقت جبهة سالم بدقة قاتلة. الدم رذاذ على النافذة خلفه، وسالم سقط إلى الخلف، جسده ينهار على الأرض خلف المكتب في بركة من الدم، عيناه مفتوحتان في نظرة زجاجية من الرعب المجمد.
الظل وقف للحظة، ينظر إلى جثة سالم ببرود مخيف، ثم أعاد مسدسه إلى حزامه. كان يعتقد أن الأمر انتهى، أن هذا الوحش الذي حول المدينة إلى جحيم قد لقي نهايته أخيراً. لكنه لم يكن يعلم بعد أن سالم كان قد خطط لمثل هذه اللحظة. ما لم يره الظل هو أن الجثة التي أطلق عليها النار كانت مزيفة - دمية متطورة مزودة بكيس دم داخلي، جزء من خدعة أعدها سالم مع "الصقر" كخطة احتياطية. كان سالم الحقيقي قد هرب عبر ممر سري خلف النافذة في اللحظة التي بدأ فيها التفاوض، تاركاً الدمية لتخدع الظل.
الظل تحرك نحو المكتب، عيناه تجوبان الغرفة بحثاً عن أي شيء قد يعطيه مفتاحاً للخطوة التالية. كان يعلم أن سالم لم يكن العدو الوحيد، وأن "الصقر" الذي ذكره كان العقل المدبر الحقيقي. بدأ يفتش الأوراق المبعثرة على المكتب، يقلبها بسرعة خارقة، عيناه تلتقطان التفاصيل كآلة بشرية. ثم لفت انتباهه جهاز اتصال صغير أسود، مخبأ تحت كومة من الأوراق. كان مختلفاً عن جهاز الاتصال العادي الذي استخدمه سالم - كان تصميمه أكثر تعقيداً، بحواف معدنية لامعة، وشاشة صغيرة مطفأة.
أمسك الجهاز، ولاحظ شعاراً غريباً محفوراً على ظهره: دائرة تحيط بنجمة ذات ثمانية رؤوس، مع صقر صغير يحلق فوقها. كان الشعار يبدو مألوفاً بشكل غامض، كأنه صدى من ماضيه البعيد، ربما رمز وحدته السرية السابقة التي خانته، لكنه لم يكن متأكداً. ضغط على زر التشغيل بحذر، لكن الشاشة لم تضيء - كانت تحتاج إلى رمز أو بصمة لتفعيلها. "سر آخر," أو هو لغز آخر، ثم وضع الجهاز في جيب ردائه، عازماً على فك شفرته لاحقاً.
كان يفكر في الوثيقة التي وجدها في المستودع، التي تحمل رمز الصقر وتلميحاً إلى "الصقر يراقب". كان الآن أكثر اقتناعاً بأن سالم كان مجرد أداة، وأن العدو الحقيقي لا يزال مختبئاً في الظلال. لكنه شعر بشيء غريب في الغرفة - الهدوء كان مبالغاً فيه، والجثة على الأرض لم تبدُ طبيعية تماماً. اقترب منها بحذر، ولاحظ أن الدم كان أقل مما يجب، وأن العينين الزجاجيتين كانتا ثابتتين بشكل غير طبيعي. "خدعة," فكر، وهو يضيق عينيه تحت قلنسوته.
فجأة، سمع صوتاً خافتاً من خلف النافذة - خطوات تبتعد بسرعة. اندفع نحو النافذة، حطم الزجاج المتبقي بمرفقه، ونظر إلى الخارج ليرى ظلاً يتحرك عبر الحديقة المحترقة أسفلها، يتجه نحو سيارة مصفحة مختبئة خلف الأشجار. "سالم," همس بغضب، مدركاً أن الرجل نجا بطريقة ما. كان يعلم أن سالم سيهرب فقط ليعود بقوة أكبر، وكان عليه أن يقرر هل يطارده أم يتبعه أم ماذا.
الظل عاد إلى المكتب، ولاحظ جهاز التحكم الأسود الصغير الذي كان سالم يمسكه قبل لحظات. كان مختلفاً عن جهاز الاتصال - كان أبسط، بزر أحمر واحد في المنتصف، وشعار صغير لشركة غامضة محفور على جانبه. كان يعلم أنه قد يكون مرتبطاً بخطة أكبر، ربما القنبلة الكيميائية التي سمع عنها في شائعات سابقة. أمسكه بحذر، لكنه لم يضغط على الزر - كان ذكياً بما يكفي ليعرف أن ذلك قد يطلق العنان لشيء لا يستطيع التحكم فيه الآن. وضعه في جيب ردائه مع جهاز الاتصال، عازماً على تحليل كليهما لاحقاً.
كان يقف وسط المكتب الآن، محاطاً بالدمار الذي خلّفه: الجثة المزيفة، النوافذ المحطمة، الأوراق المبعثرة. كان يشعر أن هذه المعركة لم تكن النهاية، بل مجرد بداية لشيء أكبر. لذا قرر أنه سيطارد و لن يسمح له بالهرب.
في تلك الأثناء، كان سالم الضبع قد وصل إلى السيارة المصفحة في الحديقة الخلفية، يرتجف من الخوف والإرهاق. كان قد هرب عبر الممر السري في اللحظة التي بدأ فيها التفاوض، تاركاً الدمية المزيفة لتخدع الظل. فتح الباب بسرعة، ودخل إلى السيارة، حيث كان سائق مخلص ينتظره. "انطلق!" صرخ، وهو يضرب المقعد بقبضته. السيارة انطلقت بسرعة عبر الضاحية، تاركة الفيلا المحترقة خلفها.
لكنه كان يعلم أن الظل لن يتوقف. أمسك جهاز اتصال احتياطي من جيبه، وتحدث فيه بنبرة مختنقة: "الصقر، لقد نجوت بالكاد! لكنه قادم إليك الآن! أنت من وعدتني بالحماية!" الرد جاء بارداً كالجليد: "لقد أثبتَ ضعفك، يا سالم. لكن لا تقلق، لدينا خطة أكبر. القنبلة الكيميائية جاهزة، وهو لن ينجو منها." انقطع الاتصال، تاركاً سالم يرتجف من الخوف والغضب، عيناه تلمعان بالجنون وهو يفكر في الانتقام.
كانت الحديقة المحيطة بفيلة سالم الضبع قد تحولت إلى ساحة خراب، النيران تلتهم أشجار النخيل المستوردة وتتصاعد إلى السماء كأعمدة دخان أسود كثيف، والجثث المتناثرة للحراس والكلاب الحارسة تغطي الأرض كبقايا معركة قديمة. الظل (فارس) خرج من المكتب المدمر في الطابق الثالث، عيناه الحادتان تلمعان وهو يدرك أن سالم الضبع قد خدعه وهرب. كان الغضب يدفعه الآن، نار داخلية تحرق أي ألم أو إرهاق.
اندفع الظل نحو النافذة المحطمة التي هرب منها سالم، وقفز منها بحركة بهلوانية مذهلة، جسده يطير في الهواء كصقر ينقض على فريسته، وهبط في الحديقة أسفلها على قدميه بسلاسة مخيفة، متجاهلاً الارتفاع الذي كان سيقتل أي إنسان عادي. رأى آثار أقدام في التراب المبلل تتجه نحو الجانب الخلفي للفيلا، حيث اختفى سالم في سيارة مصفحة سوداء كانت تنتظره خلف الأشجار المحترقة. "لن تفلت لا يمكنك الهروب"، ثم بدأ المطاردة.
كان الظل يتحرك بسرعة خارقة عبر الحديقة، متجنباً النيران والدخان بحركات دقيقة كالقط، عيناه مثبتتان على السيارة المصفحة التي بدأت تنطلق بسرعة عبر بوابة خلفية مخفية في الجدار. أخرج حبله بخطاف من حزامه، ألقاه نحو شجرة محترقة قريبة، التف الخطاف حول فرع قوي، وتأرجح في الهواء ليقطع المسافة بسرعة، هابطاً على سطح مبنى صغير ملحق بالفيلا. من هناك، رأى السيارة تتجه نحو طريق ترابي ضيق يمتد خارج الضاحية الراقية، متجهاً نحو حدود المدينة.
الظل لم يتردد. نزل من السطح بحركة سريعة، واندفع نحو دراجة نارية سوداء كانت ملقاة بجانب جثة أحد الحراس في الحديقة، ربما كان يستخدمها للدوريات. أدار المحرك ببراعة خارقة، كأنه ولد وهو يعرف كيف يقود كل مركبة على وجه الأرض، وانطلق خلف السيارة المصفحة بسرعة مذهلة، عجلات الدراجة تثير الغبار والرماد في أعقابها. كان المطر الخفيف قد عاد ليهطل، يبلل رداءه ويجعل الطريق زلقًا، لكنه كان يتحكم بالدراجة بمهارة فائقة، يميل جسده بزوايا دقيقة ليتفادى الانزلاق.
السيارة المصفحة، التي كان يقودها سائق سالم الخاص، كانت تتحرك بسرعة عبر الطريق الترابي، متجهة نحو طريق سريع على حدود المدينة. سالم، الذي كان يجلس في المقعد الخلفي، كان يصرخ في السائق: "أسرع! أسرع! إنه خلفنا!" كان يمسك جهاز اتصال احتياطي بيده المرتعشة، عيناه تلمعان بالخوف وهو ينظر من النافذة الخلفية المدرعة، حيث رأى الظل على الدراجة النارية يقترب كشبح أسود يطارده في الظلام.
الظل كان على بعد مائة متر فقط من السيارة الآن، عيناه تضيقان وهو يركز على هدفه. أخرج مسدسه كاتم الصوت من حزامه بيده اليمنى، وهو يقود الدراجة بيده اليسرى ببراعة خارقة، وأطلق رصاصتين متتاليتين نحو الإطارات الخلفية للسيارة. الرصاص اخترق الإطار الأيسر، مما جعل السيارة تتمايل بشدة، لكنها لم تتوقف - كانت مصممة لتحمل مثل هذه الهجمات. السائق ضغط على الدواسة بقوة، محاولاً الابتعاد، لكن الظل لم يتراجع.
في حركة مجنونة، ألقى الظل نفسه من الدراجة النارية إلى الأمام، مستخدماً زخم السرعة ليقفز على السيارة المصفحة، يتشبث بسقفها بيديه كأنه يتمسك بصخرة في عاصفة. السيارة كانت تتمايل بشدة الآن، والسائق بدأ يطلق النار من نافذة جانبية بمسدس يدوي، لكن الظل تفادى الرصاص بحركة جانبية، ثم طعن السقف بخنجره المنحنٍ، شاقاً فتحة صغيرة. ألقى قنبلة دخان داخل السيارة عبر الفتحة، فانفجرت وملأت المقصورة بدخان كثيف، مما جعل السائق وسالم يسعلان بشدة والسيارة تخرج عن السيطرة.
الظل استعد للقفز داخل السيارة، لكن السائق، في لحظة يأس، انعطف بشدة نحو الطريق السريع، مما جعل السيارة تصطدم بحاجز جانبي وترتفع في الهواء للحظة قبل أن تهبط مرة أخرى. الظل، بكل خفة حركته، قفز من السقف في اللحظة الأخيرة، هابطاً على الأرض بحركة بهلوانية مذهلة، تدحرج ليمتص الصدمة، ثم نهض وهو يشاهد السيارة تبتعد بسرعة على الطريق السريع. كان يعلم أنها ستختفي خارج المدينة قريباً، وأن الوقت قد نفد للحاق بها الآن.
وقف الظل على جانب الطريق، المطر يغسل الدماء عن ردائه، ونظر إلى السيارة وهي تختفي في الظلام دون أثر، تاركة وراءها فقط غباراً ورائحة المطاط المحترق. "سأجدك," قاله ثم استدار ليعود إلى المدينة، عيناه تلمعان بوعد بالانتقام لا ينطفئ.
في تلك الأثناء، كان سالم الضبع داخل السيارة المصفحة، يحاول التقاط أنفاسه وسط الدخان الذي بدأ يتبدد. كان يرتجف من الخوف، لكنه كان يشعر أيضاً بنشوة النجاة، وإن كانت مؤقتة. أمسك جهاز الاتصال الاحتياطي مرة أخرى، وتحدث فيه بنبرة مختنقة: "الصقر! لقد هربت، لكنه كان قريباً جداً! أين الخطة التي وعدتني بها؟" الرد جاء بارداً كالجليد، صوت عميق وهادئ يحمل تهديداً خفياً: "إهدأ، يا سالم. القنبلة الكيميائية ليست مجرد سلاح - إنها أداة لإعادة تشكيل المدينة. لقد أثبتَ أنك لا تستطيع التعامل معه بمفردك، لكننا لن نسمح له بتعطيل خططنا."
سالم ضيق عينيه، وهو يحاول فهم الكلمات. "ما الذي تعنيه؟" سأل، صوته يرتجف. "إعادة تشكيل المدينة؟" الصقر ضحك ضحكة خافتة، ثم أجاب: "القنبلة جاهزة في مخبأ خارج المدينة، لكنها ليست لقتله فقط. إنها لتدمير كل شيء يقف في طريقنا - الأحياء الفقيرة، الشرطة، الحكومة الفاسدة. سنبدأ من جديد، وأنت إما أن تكون جزءاً من ذلك، أو جثة أخرى تحت الأنقاض." توقف للحظة، ثم أضاف: "لدينا رجالنا في كل مكان، والظل لن يعرف من أين ستأتي الضربة. لكن إذا فشلتَ مرة أخرى، فلن أحميك."
انقطع الاتصال، تاركاً سالم في حالة ذعر أعمق. كان يعلم أن "الصقر" ليس مجرد شخص - كان رمزاً لقوة أكبر، شبكة من العقول المدبرة التي تستخدمه كأداة. لكنه كان يعلم أيضاً أن الظل لن يتوقف حتى يقتله، وأن هذه القنبلة الكيميائية قد تكون الشيء الوحيد القادر على إيقافه. "سأقتله," همس لنفسه، وهو يمسك مسدسه الذهبي بقوة. "سأدمر المدينة بأكملها إذا لزم الأمر!"
في السيارة، كان السائق يواصل القيادة بسرعة عبر الطريق السريع، متجهاً نحو مخبأ سري خارج المدينة حيث كان "الصقر" قد أعد له ملاذاً مؤقتاً. كان سالم ينظر من النافذة الخلفية، عيناه تلمعان بالخوف والجنون، وهو يرى أضواء المدينة تتلاشى في الظلام. كان يعلم أن الظل سيأتي من بعده، لكنه كان يراهن على أن خطة "الصقر" ستكون نهايته.
على جانب الطريق الترابي، كان الظل يقف تحت المطر الخفيف، يشاهد السيارة تختفي دون أثر في الظلام. كان يعلم أن سالم قد فاز بهذه الجولة الصغيرة، لكنه لم يكن قلقاً - كان صياداً صبوراً، وكان يعلم أن فريسته ستظهر مرة أخرى. أخرج جهاز الاتصال الذي وجده في المكتب من جيبه، ونظر إلى الشعار الغريب - دائرة تحيط بنجمة ذات ثمانية رؤوس وصقر صغير يحلق فوقها. كان الشعار يثير شيئاً في ذاكرته، صدى بعيد من ماضيه، أيام يريد نسيانها و يريد طمسها وراء جدران الحاظر و المستقبل.
"الصقر," همس بهدوء ثم أضاف: "سأكتشف من أنت، وسأقتلك." كان يعلم أن هذا الجهاز قد يكون مفتاحاً للكشف عن العدو الحقيقي وراء سالم، وكان مصمماً على فك شفرته. وضع الجهاز في جيبه مرة أخرى، ثم أخرج جهاز التحكم الأسود الذي وجده بجانب سالم، ينظر إليه بحذر. كان يعتقد أنه مرتبط بالقنبلة الكيميائية التي سمع عنها في شائعات سابقة، وكان يعلم أنها تهديد لا يمكن تجاهله.
استدار ليعود إلى المدينة، خطواته
ثابتة كالقدر. كان يخطط للخطوة التالية: العثور على سالم، كشف خطة
"الصقر"، وإنهاء هذه الحرب مرة واحدة وإلى الأبد. كان يعلم أن المدينة
ليست سوى ساحة صغيرة في لعبة أكبر، وأن قدراته الخارقة - قتاله بجميع الأسلحة، تحدثه
بأكثر من 40 لغة، قيادته لكل المركبات - تجعله تهديداً ليس فقط للعصابات، بل لدول
بأكملها. لكنه كان مستعداً لمواجهة العالم إذا لزم الأمر.
الفصل السابع: بداية الحرب
كانت التلة التي تطل على المدينة تقع على أطرافها الشمالية، ترتفع كشاهد صامت على كل ما مر بها من فوضى ودمار. كانت مغطاة بالحشائش اليابسة التي تتمايل تحت الريح الباردة، وبعض الصخور المتآكلة التي تقاوم الزمن بصعوبة. كان الليل قد وصل إلى ذروته، السماء ملبدة بغيوم سوداء ثقيلة تحجب القمر والنجوم، تاركة المدينة أسفلها مضاءة فقط بأضواء المصابيح المتقطعة والنيران البعيدة التي لا تزال تتصاعد من فيلة سالم الضبع المدمرة. كان الهواء مشبعاً برائحة الدخان والتراب المبلل، المطر الخفيف الذي هطل سابقاً ترك التلة زلقة ولكنها صلبة بما يكفي لتحمل وقوف رجل واحد.
الظل (فارس) كان يقف على قمة التلة، رداؤه الأسود الطويل يرفرف خلفه كعلم الانتقام. كان ينظر إلى المدينة أسفلها، عيناه تجوبان الأحياء الفقيرة المترامية الأطراف، وسط المدينة المزدحم، والضواحي الراقية حيث كانت فيلة سالم لا تزال تحترق كجحيم صغير. كان يرى كل شيء - الدخان، النيران، الفوضى التي خلّفها - وكان يعلم أن هذه ليست سوى البداية. همس بصوت خافت كالهواء البارد، بلغة عربية فصيحة تحمل نبرة الوعد والتهديد. : (هذه ليست سوى البداية)، كأنه يتحدث إلى المدينة نفسها، أو إلى أعدائه المختبئين في الظلال.
في تلك اللحظة، على بعد أميال خارج المدينة، كان سالم الضبع مختبئاً في سيارته المصفحة التي توقفت أخيراً في مخبأ سري - مستودع مهجور على أطراف الصحراء المحيطة بالمدينة، مخفي بين الصخور والرمال. كان المكان مجهزاً بأنظمة دفاع بسيطة، وكان هناك رجال مسلحون قليلون يقفون على أهبة الاستعداد، لكنه كان ملاذاً مؤقتاً فقط. سالم كان يجلس في المقعد الخلفي، يرتجف من الخوف والإرهاق، شعره الأسود المبعثر يلتصق بجبهته المبللة بالعرق، وعيناه تلمعان بمزيج من الجنون والرعب. كان يمسك جهاز الاتصال الاحتياطي بيده المرتجفة، وهو ينظر من النافذة المدرعة إلى الظلام الخارجي، كأنه يتوقع أن يظهر الظل من بين الرمال في أي لحظة.
ضغط على زر الاتصال، وتحدث بنبرة مختنقة: "الصقر! أنا هنا، لقد هربت بمساعدتك! لكنه كان قريباً جداً... لقد عاد! نحتاج خطة أكبر!" كان صوته يرتجف، لكنه كان يحاول الحفاظ على مظهر القوة أمام الشخص الذي يعتمد عليه الآن. الرد جاء بعد لحظة صمت، صوت عميق وبارد كأنه ينبع من هاوية: "إهدأ، يا سالم. لقد نجوت هذه المرة، لكنك أثبتَ ضعفك مرة أخرى. هو ليس مجرد رجل - إنه تهديد لكل شيء بنيناه."
سالم ضيق عينيه، وهو يحاول استيعاب الكلمات. "ما الذي تعنيه بخطة أكبر؟" سأل، صوته يحمل نبرة يأس. الصقر ضحك ضحكة خافتة، ثم أجاب: "القنبلة الكيميائية ليست الحل النهائي فقط للظل. إنها بداية حرب أكبر - سنعيد تشكيل المدينة، سنمحو الأحياء الفقيرة، سنسقط الحكومة الفاسدة، ونضع أنفسنا في القمة. لدينا شبكة تمتد إلى ما هو أبعد من هذه المدينة، إلى دول أخرى، وهو لن يوقفنا. لكننا نحتاجك حياً لتكون جزءاً من ذلك." توقف للحظة، ثم أضاف بنبرة تهديد: "القنبلة جاهزة في المخبأ الرئيسي، وسيتم تفعيلها قريباً. إذا فشلتَ في لعب دورك، فأنت تعرف مصيرك."
انقطع الاتصال، تاركاً سالم في حالة من الذعر والتفكير. كان يعلم أن "الصقر" ليس مجرد شخص - كان رمزاً لقوة عالمية، شبكة من العقول المدبرة التي تستخدمه كأداة في لعبة أكبر. لكنه كان يعلم أيضاً أن الظل لن يتوقف حتى يقتله، وأن هذه القنبلة الكيميائية قد تكون الشيء الوحيد القادر على إنهائه.
في تلك الأثناء، داخل المدينة، كانت نورا العامري قد عادت إلى مكتبها الصغير في صحيفة "النور". كانت الغرفة متواضعة، جدرانها مغطاة بأوراق صحفية قديمة وصور فوتوغرافية مثبتة بدبابيس، ومكتبها الخشبي مليئاً بالأوراق المبعثرة والأقلام المكسورة. كانت تجلس أمام حاسوبها المحمول، عيناها البنيتان تلمعان بالإصرار وهي تكتب بسرعة، أصابعها ترقص على لوحة المفاتيح كأنها تسابق الزمن. كانت قد شاهدت المطاردة على الأسطح، وسجلت كل لحظة منها بكاميرتها، والآن كانت تضع كل ما تعلمته في تقرير صحفي سيغير قواعد اللعبة.
كتبت العنوان بسرعة: "الظل: بطل أم شبح؟" ثم بدأت المقال: "في ليلة واحدة، تحولت مدينتنا إلى ساحة حرب. رجل غامض يرتدي الأسود، يُعرف فقط بـ'الظل'، دمر عصابة سالم الضبع، أسقط طائرات مسيرة، وقتل العشرات في معارك دموية. البعض يراه بطلاً يقاتل الفساد، والبعض الآخر يراه شبحاً يجلب الموت. لكن من هو؟ ولماذا يفعل هذا؟ شاهدتُه بنفسي، وما رأيته يثير أسئلة أكثر من الإجابات. هل هو أسطورة عادت من الماضي، كما يقول البعض في الحي الفقير؟ أم أنه تهديد جديد لن يتوقف عند حدود مدينتنا؟"
أنهت التقرير بسرعة، وأرسلته إلى رئيس التحرير عبر البريد الإلكتروني، ثم أغلقت الحاسوب وألقت نظرة على الصور التي التقطتها على هاتفها - الظل وهو يقف على الأسطح، النيران تعكس على ردائه الأسود، عيناه تلمعان كنجمتين في الظلام. "من أنت حقاً؟" همست لنفسها، وهي تشعر أن هذه القصة قد بدأت للتو. في صباح اليوم التالي، نُشر التقرير في الصفحة الأولى لصحيفة "النور"، وانتشر كالنار في الهشيم بين الناس، يثير الجدل في الأحياء الفقيرة والضواحي الراقية على حد سواء. كان البعض يرى الظل بطلاً ينتقم لهم من الفساد، والبعض الآخر يخاف منه كشبح يجلب الدمار، لكن الجميع كان يتحدث عنه.
على التلة، كان الظل لا يزال واقفاً، ينظر إلى المدينة أسفلها كأنه يرى مستقبلها في عينيه. كان يشعر أن هذه الليلة لم تكن نهاية، بل بداية لحرب أكبر، حرب ستمتد إلى ما هو أبعد من هذه المدينة، إلى العالم الذي خانه يوماً ما. أخرج يده اليسرى من تحت ردائه، ونظر إلى خاتم قديم كان يرتديه في إصبعه - خاتم فضي بسيط، محفور عليه رمز غامض: دائرة تحيط بنجمة ثمانية وصقراً وراءهم قطرة دم في آن واحد. كان الخاتم قديماً، متآكلاً من الزمن، لكنه كان يحمل وزناً رمزياً ثقيلاً بالنسبة له، رمزاً تراثياً من ماضيه البعيد الذي لم يكشف عنه بعد.
لم يكن القارئ يعرف معنى الخاتم، لكن الظل كان يشعر به كان يعرف كل شيء - كان تذكيراً بما فقده، وبما يجب أن يستعيده. أغلق يده على الخاتم، ورفع عينيه إلى المدينة مرة أخرى، الريح تعصف بردائه الأسود كأنها تحمل أصوات أعدائه المختبئين في الظلال. "سأجدكم جميعاً" ثم أضاف بلغة عربية فصيحة: "ولن ينجو أحد." كان صوته يحمل وعداً بالدم والانتقام، وعيناه تلمعان بنار لا تنطفئ.
استدار الظل ببطء، واختفى في الظلام أسفل التلة، تاركاً المدينة خلفه كساحة معركة تنتظر الفصل التالي من حربه. كان يعلم أن سالم نجا بمساعدة "الصقر"، وأن خطة أكبر تُحاك في الخفاء، لكنه كان مستعداً - مستعداً لمواجهة عصابات، دول، أو حتى العالم بأسره إذا لزم الأمر. كان الخاتم في يده يذكره بأن هذه الحرب ليست مجرد انتقام شخصي، بل شيء أكبر، شيء سيغير كل شيء.
في المدينة، كان تقرير نورا ينتشر،
والناس يتحدثون في الشوارع والأزقة: "من هو الظل؟" "هل هو بطلنا أم
شبحنا؟" لكن لا أحد كان يعرف الإجابة الحقيقية، ولا أحد كان يعلم أن هذه
الليلة لم تكن سوى بداية حرب ستجتاح كل شيء في طريقها. الظل كان قادماً، والعالم
لم يكن مستعداً بعد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق