Pages

ما الفرق في حالتنا بين 1319 و 2013 ؟




الإسراف

صدرت ميزانية الدولة لعام 1319 رُومِية الا أن الوصول إلى المبتغى بهذه الميزانية يحتاج إلى جهد جهيد فعدد درجات الوظائف المدنية كبير جدا كما أن الرتب العسكرية والاوسمة والنياشين متنوعة بحيث يصعب التمييز بينها مع ذلك فارتداء بعض نظرائي سترة سوداء بسيطة حتى في أضخم المراسم أمر يسرنى جدا هؤلاء يتميزون عن غيرهم بالمعرفة واتباع الحق أن ديننا يأمرنا بمطلق المساواة فعلينا أن نكون بسطاء فِي مأكلنا وملبسنا وعدم ميل الباشوات إلى البساطة في معيشتهم أَمر يدعو للاسف لا أريد أن أمد يدى إلى وكر الدبابير ولكن الحق يقال أن قبض كبار الموظفين تلك الرواتب الضخمة شىء مستغرب هناك في المناصب الحكومية أربعون مشيرا وستون وزيرا وثلاثة عشر ناظرا ومائة وثمانون موظفا من الدرجَة الممتازة وثلاثمائة وتسعون من الدرجة الاولى وواحد وعشرون مرافقا برتبة باشا ومائة وخمسة وعشرون مرافقا فخريا وواحد وعشرون مرافقا فعليا انه عدد ضخم جدا أن هذا الوضع هو النتيجة الحتمية للتودد والنفعية ومن الطبيعى أن الرجوع إلى بساطة العهود السالفة أمر صعب المنال
أما وضع صغار الموظفين فسيء جدا وبالرغم من اننى أمرت أكثر من مرّة بدفع رواتبهم بانتظام فإِن الشكاوى ما زالت تردنى ليتني قضيت على هذا السرطان الخبيث

الإنحطاط

مرة ثانية بدأ فؤاد باشا بالتباكى على أن الشعب التركى انحط وأن الأمبراطورية ضعفت ثم تجاوز حده فاعتبرنى مسؤولا عن انحطاط البلاد لعل حضرة الباشا ينسى أننى على رأس دولة ينفرط عقدها في اللحظة التي تضعف فيها ادارتها المركزية
لو قام كل واحد بما أوكل اليه من مهام لأمكننا النهوض السريع لكن الارتخاء والكسل وعدم الاكتراث قد عم كل مكان لم تعد الطبقة المثقفة تهتم بأمر ولم يعد الموظفون والعسكريون يثقون حتى بأنفسهم ليس هناك من يريد أن يعمل ولا أن يعلم لم يستطع الخبراء الأوربيون الذين جئنا بهم أن يعملوا شيئا حيال هذه الظواهر أينما حلوا وجدوا هذه التصرفات اللامسؤولة التي حطت من عزيمتهم فأخلدوا أخيرا إلى الدعة والراحه كباقى الناس اذا فما قيمة نداء فؤاد باشا للشعب بأن يحب وطنه في مثل هذه الظروف لو عاش هذا الباشا في احدى الدول الاوربية لعله وجد نفسه في مكان أحسن ولاستطاع القيام بعمل مثمر أو تمكن من أن يقود حركات كبرى
القوة الوحيدة التي ستجعلنا واقفين على أقدامنا هى الاسلام لسنا كما قال فؤاد باشا أمة تنازع اننا أمة قوية بشرط أن نكون مخلصين لهذا الدين العظيم

التجارة

حصلنا على قرض جديد بشروط جيدة ولكن هل سنستفيد منه وإلى أى حد سنجنى فوائده الخزينة على ما هى عليه من ضعف الإمكانات استقدمنا مرارا خبراء أجانب فلم نستفد منهم شيئا فالجيش واللوازم (القرطاسية (يبتلعان كل موارد
الدولة ليس من أحد يفكر في دفع عجلة التجارة والصناعة إلى الأمام أن تجارة الروم والأرمن لن تكسب الشرف لبلادنا ولن ترقيها أما السادة عندنا فليست عندهم أية رغبة في التجارة أبدا

الإصلاحات

مطالب الدول في الاصلاحات لا تكاد تنتهى بالرغم من انها لا تعرف شيئا عن البناء الاجتماعى لبلادنا فإنّها لا تتوانى عن تقديم التوصيات تلو التوصيات يتصدر السفراء كراسيهم في قصورهم وكأنهم حكام البلاد لا تتعدى صلاتهم بعض كبار الموظفين يصدرون حكمهم من عل لا يعرفون من البلاد سوى استانبول والجزر ليست لديهم أية فكرة عن التركيب الداخلي لمجتمعنا لا يعرفون ديننا ولا يفهمونه مع ذلك فهم دائبون على جعلنا نقبل بنصائحهم ومن حسن الحظ انهم لا يتفقون فيما بينهم في الاراء لكنهم متفقون في الهدف غاية همهم من هذه الاصلاحات هي الحط من شأْننا أمام أمتنا ورفع شأن النصارى وإكبارهم انها دسيسة كبرى اختلقوها وسموها اصلاحا خير لنا أَن يتركونا وشأننا فالإصلاحات الَّتِي يقترحونها ليست أمرا جديرا بالاهتمام لو اننا تصرفنا بارادتنا الخاصَّة لاصبحنا فِي تقدم مستمر وان كان هذا التقدم بطيئا
لا يجوز أن تقاس بلادنا بمفاهيم أوربية أن بنية المجتمع في بلادنا بنية دقيقة للغاية كل حركاتنا وتصرفاتنا يجب أن تنطلق من هذا الاساس وإلا فكيف يمكننا أن نجعل أقواما بدائيين يعيشون بجرة قلم عيشة أوربية محضة

الرِّشْوَة

وجب علينا أن نعزل وإلي (بورشة (نعلم بإن بعض الولاة يستغلون مناصبهم فِي سبيل جمع الثروات لكن هذا الوالي بلغت به الوقاحة مبلغها لدرجة أن السفير الفرنسي استنكر تصرفاتة فلا شىء يحول دون طرده ولن تفيده شفاعة الشافعين
ووجب علينا أيْضا إلجام والى بيروت لقد حملت التقادير الينا اتهامات موجهة إلى ذلك الوالي وقد شاركه في التّهْمة مدير البوليس وقائد المنطقة الساحلية هؤلاء الخونة لم يعْطوا ملايين المهاجرين الوثائق الضرورية لاقامتهم إلا بعد أن أخذوا من كل واحد منْهم ثَلاث ليرات كرشوة وبذلك غصبوا ملايين الليرات من خزينة الدولة
والحقيقة أن أصول الرشوة عندنا سيئة للغاية انها عملية تضر مجتمعنا كثيرا يُمكن أن نصفح عن الهديّة (البقشيش) المقدمَة إلى صغار الموظفين ممن قلت رواتبهم وكثر عيالهم في حال تأخر هذه الرواتب لكن كبار الموظفين يقبضون أساسا رواتب ضخمة فعليهم أن يحيلوا هذه الهدايا إلى خزينة الدولة لا أن يأخذوها
وليس ما يسعى اليه الباشوات من اقتطاع للإمتيازات أهون شرا من تلك الهدايا ولاينبغي لاحد أن ينحط إلى درجة التعاون مع أدعياء الصناعة والاتصال بأشخاص مشبوهين بحيث يؤثر على مكانتنا لدى رجال الصناعة والتجارة في الغرب

الوضع المالي

تحاول الصحافة الأوربية كلما سنحت له الفرصة أن تصور وضعنا المالي تصويرا سيّئا وكان من المفروض على الأوربيين أن يطمئنوا إِلى حالتنا الاقتصادية لا أن ينظروا الينا نظرتهم إلى اليونان أو رومانيا أو الدول الاخرى التي توشك على الافلاس
الحقيقة اننا حتّى عام 1885 كنّا ندفع فوائد مركبة على رؤوس الاموال الأوربية فطلبنا هذا الْعام ادخال تعديل على نظام الدفع الذي لايمكن أن نتحملة أكثر مما تحملناه الّذين يعتقدون اننا ندفع لهم فوائد منخفضة ينسون أيام كنّا نعطيهم النسب الباهظة من هذه الفوائد
أعرف اننا نفتقر في سياستنا المالية إلى الادارة المدروسة والمراقبة القوية لكن المركزية القائمة عندنا لا تترك لنا الخيار لا نملك مؤسسة تدفع الفوائد المترتبة سوى مؤسسة الديون العامة لا يمكننا أن نعدل وضعنا بسندات الاستثمار اللهم إلا أن نسعى لإعادة الْبناء الإقتصادي بمساعدة من مؤسسة الديون العامّة ويمكن أن نضم إليها مؤسسة الديون غير المؤجلة ونستفيد من المصادر الهامة للواردات في بعض الولايات أما المصادر الطبيعية للموارد فِي بلادنا فهي الضمان الْقوي في حصولنا على قروض جديدة وبهذا بمكننا أن ننجح في رفع مستوانا الاقتصادي وايصاله إلى الدرجة التي ينبغي أن يكون فيها

حاجة الدولة إلى الهدوء والاستقرار

ارجو من الله العلي القدير أن يهب لبلادنا الهدوء والاستقرار فما من بلد يعوزها الصلح والسكينة أكثر مما تحتاجه بلادنا هناك ثغرات كبيرة في الادارة واسترخاء شديد لدى الموظفين مما سبب قيام ثورات وحوادث عصيان ليس من الجائز السكوت عليها لكن الشيء الذي يقودنا إلى الهاوية أكثر من غيره هو مؤامرات الدول الكبرى لقد صرفنا الملايين للقضاء على المؤامرات كان الأجدر بها أن تصرف على مشاريع حيوية نستفيد منها كما صرفنا جل أوقاتنا وطاقاتنا دون جدوى فلم يبق لنا شيء ندخره لغدنا فى التطور والتقدم لو اعترفت لنا هذه الدول بعشر سنوات من الاستقرار لحظيت دولتنا بالتطور الذي حظيت به اليابان فاليابانيون بعيدون عن مخالب أوربا يعيشون في أمان واطمئنان اما نحن فقد نصبنا خيامنا على ملتقى الطرق بين الوحوش الأوربية الكاسرة

التعصب

لا يزال الاوربيون كلما أرادوا الحط من قيمتنا أو الاساءة الينا يستعملون كلمة (تعصب المسلمين الشديد (ويقصدون به ما يدعونه بأعمال القمع الدموية ان حب الوطن عند النصارى يصبح أعمال قمع عندنا وكأنهم هم وحدهم يحبون أوطانهم
واذا كان النصارى يحبون وأطانهم فنحن نحب ديننا الذي يأمرنا بحب الوطن هذا هو التعصب الذي ينسبونه الينا ان كل مسلم مؤمن يعتز بدينه وقد أمر الاسلام بالمساواة بين المسلمين وبحماية الضعيف وحب الخير والابتعاد عن الشبهات والاساطير والخرافات اننا قوم أعزنا الله ورفعنا بهذا الدين

اللامبالاة والكسل

ان صفة اللامبالاة قد ترسخت في كافة طبقات الشعب وأصبحت عادة من عاداته وقد تكون هذه العادة سبب جميع مصائبنا هناك الكثير ممن يجدون السعادة في الكسل والقعود فيسلمون القيادة لهذهِ السعادة
كنت في شبابي من المرتمين في أحضان الكسل والبطالة لكنى فكرت في النتائج ورأيت أن اللامبالاة أودت بأخي الى الجنون وعدم المسؤولية فبادرت الى انقاذ نفسي من هذه الخطيئة
على رجال البلاد أخص منهم الاستاذة والعلماء أن يعمدوا الى الناشئة لتخليصها من البطالة وهي اللذة الضارة وحضها على الْعمل من أجل الوطن والامة فإن لم نستطع التغلب على الارتخاء المتأصل فينا فكيف يمكننا انقاذ امبراطوريتنا



الكتاب: مذكراتي السياسية (السلطان عبد الحميد الثاني)
المؤلف: عبد الحميد (الثاني) بن عبد المجيد (الأول) (المتوفى: 1336هـ)





MIB

مدونة لبعض الخربشات التي إحتلت عقلي فأردت لها أن تكون في صفحات هذه المدونة انشر هنا آرائي الخاصة وروابط لمقالاتي، يمكنك مراسلتي للتواصل لأي سبب كان أهوى الرسم و كذلك كل ما يتعلق بالأدب و الفنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق