و أتى اليوم الذي انتخب فيه الناس و قررو من يستعبدهم ربما هو شيخ أو عجوز لكن لا فرق الآن فكلهم سيان كلهم طغات و نحن نيام. الظلام كثيف داكن و السكون ممتد طويل و صوت صرصار يسبح في ليلة صيف هادئة بينما النار تشتعل في أحشائي يبدو أن هذه الزجاجة ليست كغيرها إن مفعولها قد كان كسابقاتها.
جدران الغرفة الصغيرة تتقلص و الأوراق مبعثرة على الأرض و نغمات المزود تنبعث من مكعب أسود صغير أو ربما أبيض أنا الآن في حالة إغماء.
يبرز العرق من جبهتي فيبلل وجهي المتعب و شعري الأشعث. يرتعش القلم في يدي اليمنى و ترفض يدي اليسرى أن تمسح القطرات المالحة.
أنا أسبح في العرق ... أغفو اغفاءات متقطعة. أسمع دقات قلبي السريعة. أحس بآلام باهتة تعصرني و بغثيان مجنون يرقص أمامي و بتخدير مغناطيسي يلف جميع خلايا جسدي.
بدا قلم الرصاص بالتحرك نحو الشمال... برزت حروف متقطعة رديئة كالتي كنت أكتبها في كراس الخط في السنوات الأولى الابتدائية كبيرة حينا صغيرة احيانا أخرى.. ترفض اتباع الخطوط الأفقية.
عقلي لا يقدر ان يتحمل عبء مئات القرون و مأساة ملايين البشر و القلم مصر على اجتياز رحلة الكتابة حيث لا عقدة ولا بطل و لا نهاية سعيدة نعم إنها المأساة الحقيقية.
ما سأخطه ليس الا كلمات معلقة في الفضاء بخيوط شفافة ... اكتبها في عصر تباع فيه الشعوب و تشترى في لحظة و يجوع الملايين و يموتون بكلمة وينتحر سكان قارة بأكملها ويصابون بحرفين أو ثلاثة أو ربما قنبلة نووية نعم إنها الكذبة التاريخية التي برزت بعدها السلفية الدينية.
رسمت على ورقة بيضاء ألفا كبيرة و بقيت أحملق فيها. يخيل الي أنها تتململ. ترنو الى اليسار ... تريد أن تقفز من السطور لتسبح في الفضاء الملتهب.
هذا اللغز المحير يستعد للارتماء في احضان المستقبل المجهول ... ها أنها تتحرك فوق الألف. قفزت إلى اليسار... جرى خلفها حرف الباء و التاء و الجيم... إنه جيش كامل من الحروف الملونة يرقص... الطريق يتسع و الحروف تمشي تجري تسرع تلهث غير خائفة من السقوط. متناسية الاعياء و البلاء و الموت... آملة أن تجد في نهاية السباق الماء و الخصب و الحياة.
تتراقص الجمل أمامي على نغمات السول المتصاعدة من المكعب... تعلو... تنزل... تقف... تجري... تقهقه... تنتحب... تقرر و تتردد...
إني حائر مبهوت أحاول أن أركز انتباهي و أسيطر بدون جدوى إنه الرفض للخرافات المحنطة.. إنها التجربة. إنها التجربة المرهقة. إنه التحدي.
سيفرز الهذيان الحروف الملونة المزركشة أكثر فأكثر. و ستضهر في طريق الرحلة المجهولة الكلمات الحبلى و الأفكار الخصبة.
******
حكى ابن ابي الضياف قال:
-ان الباي سرق خزانة الايالة بإعانة وزيره خزندار و حملها إلى بنك مجهول بفرنسا و لا يعرف حتى اليوم مقدار هذه السرقة و سمعت جدتي قبل وفاتها تقول لي قبل أن أنام في ثمانينات القرن الماضي عمت ثورة البلاد بقيادة علي بن غذاهم. لكن تم القبض عليه و مات في عامه الأول في السجن. لقد تم وأده قبل أن يرى ما وصل إليه الحال في تونس بعد مماته. لقد مات هباء منثورا. نعم أقولها دون خوف فباي الشعب مات بعد ثورته و باعوه من كا يضنهم سند له. فمن تكلم و من ناقش أو قال كلمة بعد القبض عليه؟..
و مات الباي بعده رمي الباي في القبر المرمري الذي بناه لنفسه. ويسقط القبر كوما من التراب و كلما يمر الناس على القبر يجدون مكانه كدسا صغيرا من التراب و يطؤونه بدون انتباه.
*****
يحكى من قديم الزمان و سالف العصر و الأوان أن صاحب اللحية السوداء حلق وجهه ورآه في المرآة فصاح باعلى صوت متلذذا:
-أنا تيمورلنك الأعظم ... خليفة الرب الأوحد... أنا الباي السفاح صاحب القصور و الجنات ... أنا هارون الرشيد قاهر شارلمان ... أنا مالك الغلمان و البنات أنا ربكم الأعلى فأعيدوني.
و قهقه الرجل فترددت ضحكاته في البوادي حيث ترعى الاغنام و الابقار بقايا حشيش موطوء تشمه تتقزز منه يصيبها القرف لكنها تطأطئ رؤوسها و تأكل. فالجائع يأكل حتى الحجارة.
يتصاعد في ظلام الليل همهمة و حركة و صوت طفل حاد كالنحيب
يابا أنا جوعان ... قلت لك جوعان ... جوعان ... جوعان ...
و يسمع صوت كاللطمة يموت بعده كل شيء.
******
سكت المكعب و عاد الصرصار يغني في صمت الليل. رجلان متعثرتان تنقران الأرض النائمة... قويتان. مترخيتان... و نغمات مكسرة كشريط سينمائي بطيء تعلو في الفضاء.
موش مهتم... لا لا لا لا لا لا ... أنا موش مهتم ... بلا ألبت راس بلا حرقت دم... و أنا موش مهتم ... إن عندك حاجة مهمة ... أنا موش مهتم و يتلاشى الغناء كالدخان أو السكر و تتصاعد من المكعب نغمات جرك صاخبة.... و أنا موش مهتم...
******
في قديم الزمان ألبس رجال احرار بيض شيخ أسود تاجا من الزمرد و الياقوت و حكموه ملكاعليهم فعدل ردحا من الدهر ثم طغى و تجبر و صاح فيهم يوما:
-الفجر أسود و الليل أبيض.
فرددو جميعا بصوت واحد تعينهم الكراسي و الأعمدة و القصور:
-بلى الفجر أسود و الليل أبيض. و كلنا فداك يا مولاي.
ابتسم صاحب التاج .. ضحك. قهقه ثم قال:
- الحياة مذلة أو لا تكون. استسلام أو تموتون. أنا قاطع رؤوسكم ان سهوتم و سابح في دمائكم ان عصيتم بأيدي أموالكم و ارزاقكم و الأرواح.
و صفق بسرعة فظهر الجواري و الغلمان و العازف و رقصوا على أنغامه و ملهاته.
قالت الهمزة:
-من جماجم كانت تفكر صنع سلالم لمجده الزائف و من جماجم مازالت حية بنى سورا عاليا ليحتمي به من عويل الأموات الأبرياء الصاخب.
فقالت الباء:
-انظروا إليه ... أمر ثورين من الإنس ان يتصارعا ... انظرو الدماء تجري على جسديهما حمراء فوارة ... إنهما يتقاتلان ...
قالت العين:
-ظهرت على وجهه المتجعد المترهل علامات الفرح و الجنون. قطب اساريره فجأة و ضرب الهواء بقوة اطرد الغالب و المغلوب و لطم منظم الحفلة و سب الحاضرين و بصق على السقف فارتد البصاق على وجهه.
قالت الياء:
-ان المسكين يضحك و يشخر ويقهقه. انظرو إليه يبكي ... و ينتحب كالطفل اليتيم و يضع رأسه بين يديه كالمجنون.
فصاحت الهمزة:
-انه صوت الحق يصفعه صفعا ذلك الذي رمى به في صحراء قاحلة و اغلق عليه سبعة أبواب حتى لا يتبخر كالدخان مع نسمات الفجر لكن الحق يعلو و لا يعلى عليه
اسمع خطوات متتابعة و سعال عجوز خارج الغرفة إمرأة تبكي ... تتألم .. يعصرها الأنين و النواح. البكاء يطن في اذني كاصوات النحل الغاضب.
ان أنفاسي تتقطع من الإعياء و يدي مبللتان بقطرات العرق و القلم يكاد ينزلق من اصابعي رافضا متابعة المسيرة
تعبت الهمزة و أرادت التوقف لكن الياء أصرت على المواصلة أخذت الزعامة هي و الواو و الهاء و النون لتقود بقية الحروف الى خط الوصول و جرت القلم بحزم. أنا أسبح في بركة من الغثيان الازرق. النار تلتهم دماغي و البراكين تتفجر في اعماقي. و النغمات الزنجية الصاخبة تنبعث من المكعب.
الموت و الحياة ... الخير و الشر ... الليل و النهار ... الحب و الكراهية ... أنا و أنا ... جميعها كلمات متقابلة. لكني أراها ترقص أمامي تسبح جنبا إلى جنب.
قالت الياء معلقة:
-رحم الله أينشتاين..
قالت جميع الحروف:
-انظر إلى ظل قلمك فسترى أنه مستقيم.
نقي أنت يا قلمي تعرف ما تقوله الاصوات الصفراء و تفهم ما تحكيه الأيدي النجسة في الظلام. صغير أنت لكنك لا تهاب الرعد الكاذب و البرق الزائف و المال الزائل و الشماريخ المزورة.
رغم الفقر و الإعياء و الإرهاق أنت تسير مع اقلام أخرى شابة مثلك نحو الحق غير عابئين بالغناء. انتم تعرفون ان الارض ستنبت آلاف الاقلام الصادقة مثلكم. انتم اقلام ترفضون السير مخلفين وراءكم نقطا مزركشة لتنزل في بركة حمراء فيها الدم و القذارة و الغدر.
******
.... قالت الحاء و الراء و الباء بصوت واحد:
-كل التزام قيد و ازاء القيود لابد من صراع و النهزام او الانتصار. الحرية تغتصب و لا تعطى والا فان السكوت يصبح انتحارا بطيئا و أشرف منه الموت.
الساعة الآن منتصف الليل الا بضع دقائق
يشل الصراخ الحاد يدي. إنني لا أتحمل هذا العذاب بالقرب مني اسمعه و لا أستطيع له ردا. البكاء و العويل و الصراخ و النحيب و رأسي بركان يتفجر.
باش نموت... تشتعل الاصوات حولي لهيبا محرقا. و تتراقص الحروف على الجدران حمراء كالنار و ابقى ساكنا وحدي كالزلزال.
وفجأة يخرس الليل و تعلو زغردة مولولة كالعرس و يسمع صراخ مولود حاد يشق الفضاء
الساعة الآن منتصف الليل
خرجت زفرة طويلة من أعماقي... ابتعدت جدران الغرفة الضيقة عن بعضها البعض
نزعت ثيابي ... جسدي العاري تغشيه قطرات كبيرة من العرق اغرقت رأسي النار في سطل فسرى فيه بحر ازرق لذيذ ... رفعت السطل عاليا ... اغمضت عيني ... انساب الماء على جبهتي لذيذا باردا و ارتعدت مفاصلي ... اخذت منشفة ... جففت رأسي و جسمي.
تأملت الأوراق المبعثرة فتجمدت الحروف المزركشة ... استوت الألف واقفة كالنور ... استقرت عليها الهمزة. كأن الحروف لم تتسابق و كأن الكلمات لم تجتمع و كأن الفكرة لم تولد و كأن شيئا لم يكن.
لمست زرا فصمت الليل و خر معه المكعب من الإعياء. و لمست زرا اخر فمات الضوء ... تأملت الظلام ... رأيت في الفضاء الاسود ورقة بيضاء و قلما مضيئا و حروفا قزحية و فكرة تنتظر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق