Pages

الذباب في وطني


عاد الذباب من الغياب عاد بقوة بعد ركون و راحة دامت أشهر تخيل إلي سنوات. عاد لينغص علي حياتي و حياة الإنس و حتى الجان. من قال لك أنهم لا يقلقون منهم؟ إن لهم طرق تعذيب لا تخطر لبال شخص خلقته البشرية فلا هولاكو ولا سليمان القانوني و لا حتى موسيليني كان له ربع مخيلة الذباب. فهو يكد في عمله الدؤوب في تنغيص حياتنا أكثر من أعوان التراتيب. فهم الوحيدون الآن في وطننا العزيز لهم ضمير مهني عالي لم يرتق له حتى أعوان الشرطة و المستشفيات. يجب على بقية العاملين في مختلف القطاعات التعلم منهم في العمل.
نعم إنهم وطنيون أكثر مما تتخيل فمنذ ولادتي لم أجد من هو أحن علي من أمي. أمي التي تحملتني شهور في بطنها و سنوات في حضنها و دهرا بين عينيها. لقد علمتني أنه لا يوجد من يهتم بي غيرها. لقد خلقتني كي أكون حرا وكلمتي حرة و لها معنا و مكانا هاهنا في بلدي نحن الجيل القادم الذي سيغير هذه البلاد إن كان للأمام أو للخلف فهذا لا دخل فيه للشيوخ لا من قريب أو من بعيد. أنا أضمن لكم أنكم ستجدون أمتارا من التراب ستدفنون فيها معززين مكرمين فقط دعوني و شأني فأنتم لن تكون أرحم علي من أهلي و لن تبحثو عن مصلحتي أكثر من أمي لذا دعوني أمر و أتركو هذه البلاد في سلام.

أنتم تعرفون أني لا أحب التطرق إلى المواضيع ذات الشأن الديني لأنها تبقى ذات حساسية فائقة.. و فيها كل المواد سريعة الإشتعال التي تحرق النقاش بين الناس الذين يتحولون فيها إلى حطب. و أنا أمقت جدا المصطلحات الدينية و المذهبية و أحتقرها و أعتبر أنها انحطاطية و تمثل لي حالة انكماش في الدماغ البشري و عودة حضارية الى مرحلة الصراع بين الوثنيين.. و قتال بين إله الشمس و إله القمر.. و تناحر بين أمون وأتون.. لكن ما يمارسه هذا الذباب لا دين له أو ملة أو مذهب هذه ممارسة قمعية بإسم ديانة وثنية يجب أن تقبر. نعم إنها تعدي صارخ و واضح على الحرية الشخصية و إحتلال فكري و جسدي للبشرية وجب النهوض ضده و الثورة عليه هو والمدعمون المباشرون له و إعدام كل من وافق على هذه الممارسات.

في عالم يدعي من فوقه بالشفافية و الحرية المطلقة للأفراد صار الخوف فيه يفرض على كل إنسان أن يتمترس وراء أفكاره و مواقفه و يتخندق مع من يتفق معه في حفرة من الانتماءات الدينية و الطائفية و الحزبية لا تكاد تتسع لقدميه تشتاق روحي إلى الإنعتاق من كل القيود التي تجرني إلى حفرة من الحفر و تدفن قدمي فيها.. أريد أن أتحرر من كل ما أنزل نفسه عليا قيدا مذ وطأت قدماي هذه الأرض. أريد أن أتحرر من العرق, من القومية, من الدين, من الطقوس, من السياسة, من العلم, من الفلسفة, من التاريخ, من الجغرافيا, من الذباب, من أعوان التراتيب بل و أريد أن أتحرر حتى من اللغة التي أعشقها فلا أعود أعاني من قيود المفاهيم و تعقيدات الكلام ومن سوء فهم ما يقال و من التفسير و التأويل فأغمض عيني و أشعر أني إنسان.. وليس أي شيء غير إنسان لا انتماء له إلا إلى الإنسان و أحزانه و وحشة وحدته على هذه الأرض.

يبدو أنكم تريدون قمعهم و إضطهادهم صوتكم أصدأ أذني بإدعائكم البراءة و حسن النية. البشرية بطبعها قبيحة و تستمتع بالخطيئة
 و لا وجود إلا لله من سامحكم و رغم ذلك تريدون القيام بثورة ضده بتحالفكم مع الشياطين. الحروف كائنات أسمى منكم و تستحق الحرية.
الحروف لم تخلق للمنفعة الذاتية و من أجل المال و النساء بل خلقت من أجل دور في تطوير الوعي الإجتماعي في عالم يتشكل بناء على مصلحة وإرادة كبار العالم وبشكل خاص يمارس دورا تحريضيا وتشخيصيا، فهو أولا يملأ رأس المتلقي ضد الجهة الظالمة، ويهجوها ويفقع بالونات الدعاية و"البروباغاندا" والتفخيم التي تصنعها حولها.
الحروف جعلت لتشخص أمراضنا الذاتية، وتسعى جاهدتا لكي تجعلنا نعترف بوجودها في البداية تمهيدا لمحاولة التخلص منها لنكون بشرا أفضل.و أيضا تنفيسا فهي تقوم بدورها الإيجابي لأنها تساهم في منع الاحتقان الذي يؤدي إلى الانفجار المدمر. التنفيس يريح الناس قليلا لحين تشكل الأحزاب المعارضة الثورية والصادقة والمنفصلة عن سلطة السلطة ونهوض منظمات المجتمع المدني للقيام معا بواجب التغيير نحو الأفضل. و حتى تشكلها دعنا ننفس عن أنفسنا و نرأف لحالنا.

هل فكرتم يوما في تاريخ الأوراق التي تقرأون منها أو الأقلام التي تكتبون بها أو حتى الأحرف التي تستخدمونها؟ هل فكرتم كم كانت الكتابة عملية مجهدة؟ هل فكرتم أصلا في السبب الرئيسي لخلقها و لوجودها؟ فسبب وجودها بالتأكيد و بحق الآلهة و كل ديانات العالم ليست الحالة الموجودة عليها اليوم. فبداية نشأة البشرية وجد الإنسان نفسه غير قادر على التفاهم مع الآخرين فاهتدى إلي اللغة وعايش المجتمعات الأخرى. فاخترع الكتابة لحفظ إنتاجه الفكري وميراثه الثقافي والعلمي من الاندثار ولتتوارثه الأجيال اللاحقة.
 أما اليوم فالكتابة وسيلة لجني المال و لقذف الناس و الإحتيال و التحيل و حتى قتل الناس و شن الحروب و و و

قيل لي أن الإنسان يصبح إنسانا باللغة و بدونها لا يكون سوى كائن بيولوجي لا يتخاطب و لا يعي و لا يتطور و لا يفقه من الوجود شيئا.
فأجبتهم تعالو لوطني لتتعلموا منا العيش دون تحاور أو لغة نقاش فقلت كيف إذن يبقى أنين ناي جبران خليل جبران بعد أن يفنى الوجود؟ كيف يسير هذا الكون كله؟ الإشارات مع عشرة ألاف خلية مثلها؟ أي ألف باء, و أية مفردات و أية قواعد تستخدمها في هذا التشابك الكوني للإشارات؟

أبحث دائما عن النغمات التي تنسجم مع نغمتي, أسمع سبع مليارات منها فكم أنا قريب من كل مصادرها إنها تطربني و تبعد الذباب عني و ترفعني كل نغمة منها عن الخنادق و عن حفر الموؤودين و تحررني من قيد جديد و غل ثقيل, فأتحرر من اللغة نفسها فلا أبغى تفسيرا و لا تأويلا و لا فهما و لا أبالي لسوء فهم فساعتها لا أسمع إلا نغمات تقربني من السماء فتفتح لي ذراعيها و تعانقني و تعدني أني لن أخيب أبدا و تشدني إلى كل موؤود و موؤودة في بلادي التي حشرت إليها الوحوش من أربعة أرجاء الأرض, فأشعر بنصل السكين على رقبتي يمر فيها ألف مرة كل يوم.

MIB

مدونة لبعض الخربشات التي إحتلت عقلي فأردت لها أن تكون في صفحات هذه المدونة انشر هنا آرائي الخاصة وروابط لمقالاتي، يمكنك مراسلتي للتواصل لأي سبب كان أهوى الرسم و كذلك كل ما يتعلق بالأدب و الفنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق