له وجه طويل و أسنان بارزة. رغم قناعاته لكنه لم يكن يوما ذا شخصية. إني أتألم.
أصابعي تنزف دما لإزالة هذا القناع.
إن إحساسي يخبرني أنه هكذا يحدث نفسه إنه مثلي لا إختلاف بيننا إلا في البصمة. لقد أزلت الأثار من ورائي و قطعت كل صلات الماضي و كلها محاولات يائسة من أجل رحلة الحج الأولى. يبدو أنه مازال لدي مزيد من الديون لخلاصها.
أخذت معولا و إبزيم وذهبت إلى صورتي و أوعزت لنفسي بأن أنخر و أحطم جذور العقم فيها.
أعتذر لك يا أبو القاسم الشابي لم أخلق طليقا كطيف النسيم بل خلقت كقشة في مهب الريح.
أخذت هاتفي و معطفي و خرجت من المنزل. إني ذاهب إلى الفراغ إلى المتاهة إلى حافة شلالات نياجارا أو فوهة بركان إيسلاندا. إنه مقهى الحدائق.
إنها حدائق الشيطان. مركز من مراكز تخصيب يورانيوم و الحصول على المنضب.
إنطلق طرح الرامي و الكل يلعن الحظ إلا أنا الذي كتب الله له الحظ في اللعبة. كانت الأوراق تلعب وحدها أما أنا كنت شارد الذهن دائما.
لقد عدت بالذاكرة إلى سنوات فارطة و راجيا من الله أن لا تخونني الذاكرة. فالناس التي عانت حياة مضطربة كحياتي نادرا ما تكون لهم ذاكرة قوية تلجأ إليها في وقت الحاجة.
فبالنسبة لي مخيلتي مثل شاشة عفى عليها الزمن. فهي لا تعمل عند الحاجة و لا تبرع إلا في الفبركة و الصناعة فلا طالما لجأت إليها في وقت الطفولة و المراهقة. لذلك لم أجهد نفسي كثيرا ولم أبحث بما لاطاقة لعقلي به.
عدت فقط لثلاث سنوات بسيطة.
إنها سنتي الأولى في الجامعة. السنة الأولى للخروج من حدود الوطن و حدود الجدار العازل. رحلة للدراسة في إحدى مدن الساحل, مدينة من مدن الضياع و الملهاة و الملذات, في مدينة عندما تطأها تحس بالتمييز العنصري و الطبقي منذ الوهلة الأولى.
لم أهتم لذلك لأني من الأشخاصالذين لا يعيرون إهتماما لهذه الأشياء أو كنت أدعي ذلك! ربما؟..
لعل ما قصصته عليك الآن لم يشغف أسماعك و لم يملأ فراغ قلبك أو ربما أحزنك و أقطر من عينيك دمعا غزيرا و صب في فؤادك حسرة و تكديرا, فطقت للضحك العربييد و أنت للمرح الطريد و بعت هاتفك الجوال المرح و الفرح التليد. و الآن لنكف عن الهذيان البليد.
يبدو أني قد فزت في هذه الجولة من طرح الرامي. أعدنا توزيع الأوراق و كالعادة المجموعة كلها تلعن و تسب الحظ و الدنيا و الدين... إلا أنا.
و حق السماء الواسعة و الكواكب الساطعة. وحق الرياح المزمجرة و السحب الممطرة. وحق القارورة الفارغة و الفتاة البالغة. و كأس النبيذ و سيجارتي التالفة.
لأعترف لك كل الإعتراف أن نفسي مثلك قد حنت للضحك و الإضحاك و العيش مثل بقية الخلق في ترف وهناء.
و التشمير على ساعد متين و بناء. غير أنك لا تعلمني فأنا أبدا لا يحدوني مبدأ الإضحاك ولا أعرف له يوما ذاكرة في مخيلتي ولم أتخذ طريقة الخزعبلات إلا طالبا الإفادة و الإستفادة.
و كيف لا و أنا صاحب عادات و تقاليد و خرافات و تمجيد وتأليهات و أناشيد.
ربيت في كنف المعرفة الطيبة. في منطقة خلقت الشعر و الكتاب في محيط يشجع الكتابة و القراءة. فنشأت فيها مثالا للخلق و الأخلاق و المعرفة و التربية.
طلبت النزاهة أينما كنت و لو في قلب قارورة. و غصت مفتشا عن دور العلم النافع و لو في أعماق بالوعة.
تلك تربية أجدادي ولا كل الأجداد و عليها ّأسير و من نورها أنير و أستنير.
فلنتوكل على رب الخالقين المخلوقين.
إنطلقت إلى المبيت بعد تسوية الأمور في الكلية و أخذت مفتاح غرفة مخصصة لي وحدي و دفعت حقها لمدة عام كامل مسبقا و وضعت فيها أغراضي جميعا ثم نفسي على السرير وبت ليلتي الأولى و الفكرة الوحيدة في رأسي هي الراحة و الهناء الذين تركتهم في منزلنا الصغير في أعماق الخريطة وراء جدران العزل الإقتصادي و السياسي.
دارت الأيام و الأسابيع ثم الأشهر فتعرفت بشلة كانت أرفع مني منزلة ومالا لكن أهش مني شخصية وفكرا و تكوينا أدبيا فكونا صداقة ملؤها الإحترام و الكؤوس.
فكل تجاربي الأولى كانت معهم. كل إنزلاقاتي الأولى كانوا شاهدين عليها.
إنها الخامسة على التوالي التي أفوز فيها في اللعبة. أنا في منطقة آمنة تحت الصفر و البقية في منطقة الخطر, لقد تكونت العداوة بينهم. الكل يريد النجاة من الخسارة, و أنا إمطيت صهوة الذاكرة مرة أخرى عائدا إلى أولى أيام الجنحة.
لقد كنت جالسا في بيت من بيوت العفاف ومعي الشيطان نفكر في أمور الدنيا و نطرح أمور الآخرة و نقلب صفحات الأجيال. ننتقي منها الدرر الغائصة و الأحكام النافعة فأخفي الكهرمان الناصع في حقيبة النسيان و أرمي البلور الفاقع دونها. أما الشيطان فكان يتلذذ بالإنزلاق بين الحين و الآخر بين طيات تفكيري فيشوه وجهها بهيكل أسطورة حواء الزانية و آدم الفاني.
تم تنصيب مقاعد الجلسة الخمرية و كل شخص وضعت أمامه مقاليد حكم الشيطان لهذه الليلة كل على حسب بقايا نفقاته اليومية, أما قارورتي فكانت من دولة أجنبية جاءتني بوصاية شخصية.
لقد خدعت, لم تكن أبدا زجاجة خمر؟... إنها قاذفة لهب في شكل قارورة خمرية لقد نسفت عقلي نسفا برشات لهب ألهبت معها قلبي و حطمته في ثوان معدودة.
فعاد الحوار بيني و بين الشيطان فالكل نام و غاب ولم يبقى في المجلس إلا قريني فقال لي: أيها البشر الفاني يا صاحب الألحان و الأغاني و كاشف التوراة في بحر النسيان و قارئ القرآن و الهمذاني.
أيها البشر البسيط الرامي بعقلك في عالم الكوكب و الخلايا و قاهر أصحاب هل نسيت تاريخ الأجداد السوالف و الدهور التوالف و التفاحة الحمراء وقد إلتهمها جدك في سرعة الجوعان وشرب تلوها كأسا معتقة في عجلة الصبيان.؟
و عندما فتح آدم و حواء ووجدا نفسيهما بين كومة من التراب و الصخر قالا: كله بسبب الشيطان اللعين. ذلك الإبليس الحقير لقد كذب علينا و خدعنا و نحن نكن له الصداقة و المحبة الخالصة و كل وفاء.
فقلت بعدما قال: خزعبلات لا تخرج من فم إنسان.
نعم إنها هلوسات ليست لعاقل أو حيوان. أكملت الرشفة و كانت كدواء الشباب لقد تم تغطية كل أفكار الإنهزام و الخيبات أنا الآن كفارس دون كيخوتي يخوض عباب البحر أنا خير الدين بربروس.
و ها أنا أغتنم الفرصة لأقول له بين قدحين أنه لو أتيحت لي الفرصة قبل ولادتي لأقرر وجودي لما أخترت الوجود.
ذلك ما أتمناه..
يحاول الشيطان أن يكرر فعلته و يقتحم أبواب عقلي.
قد تقول لي لما لا أضع عليها المصاريع.؟؟
فأنت على حق ولكن الوحدة قاتلة... أنا أفعل ما أشاء. سأنصب له الشراك و هذه المرة و ما كل مرة تسلم الزجاجة.
سّأنتشي سأعربد و على صحتي الفانية.
و في دوامة النفاق و البهتان الناس تماطل نفسها في عناق خلاصه راحة القبور و لن يموت الكلب القواد أبدا. كم أود أن أهشم على رأسهم هذه القارورة.
يا ليل يا عين يا ليل...
يبدو أنه بعد الخطيئة الأولى قد إرتطم آدم على عذرية حواء فنشأت الأرض و إنطلقت الدوامة اللانهائية.
الزجاجات لا نهاية لها و خطايا الإنسان لن تنضب و الشيطان له كامل الوقت لإرشاد طريقنا.
لماذا أريد نشرك أيتها الأحاديث المتهاترة المخزعبلة؟
لست أدري ....
كاذب....!!
بل أدرك حق الإدراك لماذا أريد نشرك.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق