كانت تعتقد أنها رسمت أجمل لوحات عصرها و عبدت طريق حياتها وفق منظورها من وجودها ولكن بعد سنوات وجدت نفسها في مفترق طرق و عليها أن تختار إحساسها,,, قبول المهانة أو الالتفات إلى أيام قادمة آثار الإنكسار محفورة على وجهها مغروسة في عمق قلبها في ذكرياتها و سنين العشرة.. و عبء الالتزامات لما أصبح خياره ليس خيارها و ّإن حياته تعني ألا تبقى هي إلى جواره لا ترى في نفسها أمام مرآتها شيئا جديدا سوى المزيد من علامات العذاب.. و شبح الطريق المسدود.. تفتح ألبوم الصور حفل زفافها السعيد رحلات بعيدة برفقته إلى كل مكان كانت أيامها تنقطع و لا تتصل إلا بحضوره قربها و بعيدا عنه لا تعني لها شيئا كم كانت فاتنة؟ المساحيق عالمها الذي تعشقه تضفي على وجهها جمالا على جمال حتى لا يرى زوجها غيرها لكن هل بإمكانها أن تضع مساحيق على حياتها.. أيامها الآن تمر متشابهة ثقيلة مريرة.. لا جديد فيها يفرض عليها الفراغ القاتل أن تسترجع ماكان في ذلك اليوم عندما دخل البيت على غير عادته متشنجا يبدو أن في الأيام التي سافرت فيها إلى شقيقتها في كندا أمورا كثيرة تغيرت كان من المفروض بعد عشرتهما أن يكون هو أبا, لا يكفي أن تحضر له الطعام أو تهتم بأشيائه و في نهاية اليوم تجد نفسها مضطرة إلى أن تكون جميلة هادئة مغرية.. تغسل تعبه فهمت بعد عشرة عمر دخلت عامها الثاني عشر أنه سيكون عليه يوما أن يتطلع حتما إلى سنينه القادمة, أفلتت من بين يديه المرتعشتين منكسرة ذليلة وهو يلاحقها و يصرخ في وجهها معلنا سكرة الموت:"أنت عاقر, عاقر".
حاولت أن تنفي عنها هذا ولكن خرج صوتها خافتا مخنوقا:" لا لا غير صحيح". واجهها بالتحاليل التي أثبتت عقرها بعثر الأوراق الطبية على سريرها و استدار عنها باستعلاء واتجه نحو النافذة الواسعة المطلة على البحر و أخذ نفسا عميقا كمن يستمد من الفضاء الخارجي الرحب الحياة و يتشبث بالبقاء من أجل هدف شاءت الظروف أن تجدد في نفسه الأمل في تحقيقه و في روحه الرجاء منه و صارحها بأعلى صوته كمن لم يعد يخشى على شيء من أي شيء أنه صار أبا منذ ساعة واحدة فقط تلعثم لسانها و خانتها الكلمات لأول مرة منذ ارتباطها به حيث لم تعد لأي أسئلة جدوى ولا معنى بعدما قالها صريحة صمتت و زاغت عيناها في الغرفة التي ضاقت عليها بما رحبت و تاه من ألف تلك العيون العسلية ذاك البريق المشع بالحب و الحنان و تبدل وجهها بين لحظة و أخرى تلألأت الدموع على خديها أنهارا و الجوارح تتلظى.. إنه تابوت مظلم يسكن أعماقها فتح ولن يقفل, انحنت شجرة العمر ذابلة برغم مأساتها رجعت إلى الوراء للحسرة اليائسة منها.. ولدت أحلامها في غاية الجمال فنمت و أزهرت وهي في أتم طهرها و براءتها ولكن حين يقرر الرحيل و الابتعاد عن هذا الوجود فتلك بداية النهاية و شتان بين الأحلام التي تموت من تلقاء نفسها و الأحلام التي تقهرها يد الإنسان, كالتائهة متى تستطيع تسمية الأشياء بمسمياتها و تتمكن من كبح جماح الزيف الذي سقط عمدا في حياتها, سرها انكشف بعد 12 سنة, ترنو عيناها نحو الشرفة التي يقف بجوارها وهو يردد مقطب الحاجبين أن حياتهما كانت خرافة.. خرافة, و الآن تسقط تلك الخرافة لا امتداد لعمره و لوجوده معها.. لا يريدها الآن في حياته لأنها كذبت عليه و أوهمته لسنوات أنه لا ينجب و الحقيقة أن العيب كان فيها لقد ألبسته شعورا بالذنب نحوها لقد جعلته أسير الاحساس المرير بأنه حرمها من أحلى ما تحبه المرأة في الوجود بالقرب بمن تحب و بأنه لا و لن يكون أبا.. رفعت عينيها نحوه مرددة:" أتسمي حياتي معك خرافة.. تنهار حياتي معك لمجرد أني عاقر.. وأنا ألم تفكر في.. في عمري الذي كان ملكك.. في شبابي الضائع.. أما الحب فلولاه ما كنت فريستك تشعل نارها من حطب الفؤاد و تمتص رحيق أزهاري و ترميها دون رائحة", استشعرت بعض الثقة حيث بدا لها أنها تمكنت من إعادة رسم نفسها في صورة ضحية لتسأله مرتجفة كمن يخشى مقدما سماع الحقيقة عن سر الخبر الذي جعله أبا.. منذ ساعة.. أجاب عن سؤالها بسؤال مثير وهو لا يزال يرسل نظراته إلى الأفق البعيد حيث تتلألأ اضواء القوارب الصغيرة على صفحة البحر الساكن: أتعلمين سبب مغادرة الخادمة للبيت؟ قالت هذا أمر أجهله.. فبادرها أنه ذات يوم عندما طال سفرها لحضور عرس شقيقتها حينما رجع إلى بيته مبكرا من عمله لم يجد في البيت سوى الخادمة هي من أعدت له الطعام و اهتمت بأموره فكانت في قربها إليه و كأنها هي معه ثم صمت برهة و كان في صمته بلاغة و لم يخف عنها المعنى فهمت أنها كانت المرة الأولى التي تسمح له الظروف أن يمكث في المنزل مدة أطول بالنهار في غيابها فتملكه الشوق إلى الأنس الذي افتقده طويلا ربما وجده في كلماتها الحانية دون قصد منها أو في خطواتها الرشيقة المتمايلة رغما عنها وقد يكون من لمساتها الرقيقة بالفطرة فلم يقدر على طغيان الإحساس بالعواطف الممنوعة لقد أثارته من أنفاسها العطرة في رواحها و مجيئها و من حرارة جسدها الغض الممشوق الذي يبعث دفئا يذيب المشاعر الباردة حد التجمد رفع رأسه إلى السماء الصافية المتلألأة بالنجوم و قد استمد من سكون البحر بعض الهدوء إلى نفسه التي أرهقها التشنج, ومضى في فضاء الاعتراف بأنه قد أزلهما الشيطان ووقع مالم يكن الحسبان, أخفت الأمر عن أهلها ولم تشأ له الفضيحة لكن بعد أشهر أتته إلى مكتبه وأخبرته أنها حامل كانت الصدمة أكبر مما تتوقع, لأنه لم يصدق أن أمرا كهذا يمكن حدوثه منه هو لذا نقلها إلى مأوى بعيد لا يعلمه أحد غيره ولما وضعت حملها قام بإجراء التحاليل الطبية التي أكدت له أن المولود هو ابنه ومن صلبه إنه إذا ليس عقيما.. خفضت رأسها الذي أثقله حجم الحقيقة كانت حقيقة قابلتها خطيئة كشفت السر كلاهما أخطأ و الآن عليه أن يختار بين الخطأين فاختار ما شاءت الأقدار أن تنصفه به, اختار أن يكون أبا لابن حرم منه ظلما 12 سنة فمعه صار لكل شيء في حياته معنى و طعم و لون إنها الحياة بكل زينتها تناديه ليعيشها من جديد و يعطي للأشياء ألوانها الطبيعية سيستيقظ و ينام على ضحكات وليده إنه مثل النور الذي تسلل إلى أعماقه المظلمة سنوات ثم أضاءها مولود منه بكل ألوان الحياة الزهرية الساحرة, اليوم يبدأ وجوده إنه يوم ميلاده مع مولد ابنه استدار إليها والتقت عيناهما طويلا بطول الرسالة التي تشع من عينيه قرأت جيدا معاني نظراته.. لماذا الكذب و الزيف كانت الأمور يمكن أن تعالج بطريقة أو بأخرى كانت ستأخذ اتجاها جميلا و رائعا بالصدق و العفوية..
خيم الصمت برهة في الغرفة الوردية وراحت نسمات بحرية تتسلل خفية تداعب أنفاسها اللاهثة, عاد ليجمع الأوراق المبعثرة وهو يسمعها بكل صراحة أنه يريد أن يعلن زواجه بمن وضعت له ومنه ابنا وأن يرد كرامته أمام الجميع ويضم ابنه إلى حضنه سيذهب عنها إلى حيث ينجب أبناء يملؤون حياته صخبا و مرحا سيعيش من أجلهم و يشاركهم أحلامهم و ينعمون بثمرة كفاحه و عمله ليسعد في كبره بوجودهم حوله, ويكونوا امتدادا لحياته أم هي فليس لها معه بكذبها عليه أبدا بقاء.
في صباح مستوحش غادرت المنزل تحمل حقيبة ملابسها وبعضا من الذكريات التي ترتبط بكل ركن من أركان البيت صور و حلي وبطاقات الورود المهداة في أعياد ميلادها تهاوت عيناها نحو الأرض ماضيها الذي يقبع في هذا البيت يسحبها للتراجع كلما تقدمت خطوات, خطاها تتعثر وتتلاشى مثل حلم أجهض وضاقت من تحتها الطريق.. وحدها "العاهة" تفتق من نبض الرعشة تائهة و مع ذلك تمضي في سيرها المحتوم على الطريق نحو المجهول لم يبق لها سوى أن تلملم أشلاء خيبتها المترامية على طول السنين , أصبحت حبيسة اجترار مرارة الماضي و لا يهمه أن تفكر في الآتي بالقرب من الشاطئ يلقي به ثقل الأحزان اكسر من التعب تلوم نفسها على أنها أخفت يوما الحقيقة كيف وهي التي أسكنته برفقتها الجنة التي خرجت منها, ّأم تلومه وقد اخترقت شظايا خيانته الحارقة صدرها, هذا الصباح هو أسوأ أيام حياتها لم تتخيل أبدا أنها ستواجه يوما مثل هذا الموقف ثقتها ذهبت في مهب الريح جالت الشاطئ كثيرا و في عينيها تحبس دموعا مريرة لقد تأهبت شمس الأصيل للرحيل ولايزال صبي مرت عليه ذهابا و إيابا يجتهد في جمع حبات الحصى الملونة و ينقيها بعناية واهتمام من الرمال الذهبية هي كذلك جمعت أحلامها حبات و سقتها بالحب.. ولكن أين كل ثمارها الآن؟ اليوم استيقظت من سباتها العميق و أفاقت من الوهم الكبير الذي أسكنته ذاكرتها, لم تكن الأرض التي زرعتها بحبوب أحلامها هي غير أرضها بل كانت الحبوب نفسها غير قابلة للزرع لذلك حصدت منها الأشواك لم تعد أنثى مغرية صارت تنظر إلى الأشياء بعين مكسورة.. تابعت لعب الصبي بالرمال أن يبني الشخص حياته من حفنة رمل فيراها تتكاثف في البداية في انسجام فتنوهمه بصمودها و تلاحمها فإن ذلك لا يدوم إلا قليلا إذ سرعان ما سيراها تهوى أمام عينيه وفي لمح البصر ويصبح الأمل سرابا بعيدا شرودها يعيدها لتقلب في الذاكرة فلا تجد ما يمكن أن يصبرها, لقد سقطت مثل آخر ورقة من أوراق الخريف تعرت حياتها أمامها وعصفت بها الأفكار المؤلمة, اقشعر بدنها في حركة ارتدادية وخريف الروح يسري في أوصالها, أحلام منشورة وسط شظايا العمر, صوت اللذة لا يزال يشد على أوتار قلبها تنتحب من الندم كيف تودع العمر دون قبلة؟ أين المفر من الحزن و قد أصبح محنة و أصبحت هي رهينة الألم كشجرة غير مثمرة بعد أن جف جذرها طويلا سرقها النسيم من شرودها و أعادها إلى الشاطئ على لمسات حانية لأمواج هادئة استكثرتها على نفسها, فغادرت المكان كما غادرت في الصباح بيتها الجميل و خلفت وراءها حبات الرمل المتناثرة ونثرت معها أحزانها في عرض البحر, و دفنت الماضي تحت الرمال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق