Pages

ميراث الأب






وصل الصبي بمشقة الى الباب الخلفي للحافلة و انتظر دوره للنزول ولكن احد الركاب نبهه قائلا: هذا الباب عاطل، اذهب الى الباب الامامي.
رفع كيسه الاسود الضخم، كيس الازبال وانحشر ثانية بين الاجساد المتلاحمة محاولا اختراقها تاركا للكيس أن يتأخر عنه او يتقدمه بمقدار ما تتيحه المسافات المتروكة بين أرجل الركاب الواقفين و افخاذهم و اعجازهم التي تفضحها الثياب او تخفي عيوبها واخطاءها و خطاياها، يدفعه مثل عربة او يسحبه مثل صخرة آلام و يصغي باذن مثقوبة في تقدمه البطيء لتعليقات الجالسين و الواقفين و المتشبثين بأطراف المقاعد، و في اللحظة التي كاد يصل فيها الى الباب، اللحظة نفسها التي اوشكت فيها الحافلة على التوقف انفجر الكيس و تناثرت محتوياته، وتبعثرت على ارضية الحافلة كتب قديمة مهترئة و سقط أيضا بساط قديم و مروحة يدوية و إناء معدني لحفظ الطعام، وفي اللحظة التالية، لحظة ادراك المأساة راى الصبي كتبه وهي تتحول إلى مخلوقات غريبة تتحرك إلى كل الاتجاهات: قنافذ تسعى تحت الاقدام، قردة كل منها بحجم اصبع تتسلق المقاعد، رؤوس تتدحرج في الفراغات، فراشات هلامية تطفو في الغبار اللامرئي الذي تفرزه الافواه و الانوف و الاعين و الذي يختلط بدخان المحرك حيث يجلس نوح المعاصر، سائق الحافلة و مدبرها و الساعي بها في لجج النهار المتلاطمة و شعاب الأرض، رأى الصبي ايضا أن بعض الصفحات المتناثرة من كتبه قد تحولت إلى سكاكين و اكواب و ملاعق و صحون و مفكات و لوالب و مسامير و أجراس أو إلى دمى من الحديد تتشبث بأيد كأيدي الجبابرة برقاب الواقفين و الجالسين و رؤوسهم و تمد اصابعها الى سراويلهم و ملابسهم الداخلية و اعضائهم، و في ظلمة افترضها هو حلقت خفافيش بيض من هشيم الاوراق المتساقطة حلقت مسرعة و غرست انيابها في كل اطراف الحافلة و حلقت تجول و تبحث عن فرائس محتملة و اخذت تتحرش بكل فتاة و امرأة دون مراعات لأي حرمة ثم تبعثرت اسفل المقاعد بعد ان اشبعت كل رغبة لتصطدم بها القنافذ أو تدوسها حوافر خيول صغيرة تسللت من الباب الخلفي بعد ان قامت بنشل كل جثة غافلة لكن تم ركلهم من بغال سود ذات اجنحة اقتحمت المشهد من فتحة التهوية في سقف الحافلة ثم رفعته فجأة من ياقة قميصه الممزقة و البالية واحدة من الأيدي الشبيهة بأيدي الجبابرةو ألقته من الباب المفتوح و خلال انتقاله من ظلمات العالم السفلي الى ارض الواقع رأى الصبي سلسلة متعاقبة من الوجوه تصرخ به و تقهقه و تهمهم و تزفر و تتنهد و تتثاءب او تمد السنتها لتلعق ما يمر امامها من اجزاء جسده.
وقف على الرصيف وحيدا و بدأ الركاب يقذفون بالكتب اليه وكان أحدهم يصرخ بعنوان كل كتاب يسقط على الرصيف إلى جانبه وسط ضجة الاصوات التي تطالب نوح المعاصر بمواصلة الرحلة إلى غايتها: الأبله، البخلاء، تهافت التهافت، البؤساء، ديوان البحتري، ملحمة كلكامش، الإليذة، مسخ الكائنات، انا كارنينا، دون كيخوته، المأدبة، المسرات و الاوجاع، رسالة الغفران، انشودة المطر، هكذا تكلم زرادشت، بينما ذهبت العناوين الاخرى ادراج الرياح، ثم القيت اليه بقايا الكيس وقذف احدهم ايضا بالبساط ووعاء الطعام الفارغ وودعه الرجل ذو الصوت الأجش قائلا: تحية لك أيها الزبال الصغير و مرحى لأزبالك.
حياه الطفل و صنع لنفسه تلا صغيرا من الكتب الممزقة التي تتطاير أوراقها و أغلفتها و رسومها و خطوطها وكلماتها وجلس إلى جانبها واستعاد بقلب حزين صورته وهو يقبع كالمتسول تحت شمس الظهيرة على رصيف ساحة الحبيب ثامر الى جانب باعة الخضراوات و اللحم والخبز والسكاكر واقفاص العصافير والثياب و الأحذية القديمة وقارئي الكف وصباغي الأحذية و تجار الدين من كتب و خزعبلات، يطرد الذباب بمروحته عن الكتب و عن وعاء الطعام الذي وضعه الى جانبه ملفوفا في جريدة، تذكر أنه لم يبع سوى كتاب واحد بعد مساومة طويلة مع شيخ طاعن فالسن و أعرج عاد لمرتين ثم انتزع الكتاب بدينار واحد، هاهو الآن يجلس إلى جانب حطام كتبه، قبعته هي وعاء الطعام و كوزه علبة صفيح وفراشه بساط ممزق، نظر إلى الأفق البعيد حيث يلعب صبيان بين الشجيرات في مثل عمره بكتب أبيه التي ظل يقول له عنها : هذه الكتب هي حياتي هي وجهي أمام الدنيا و خالقها إنها مستعملة مثلي، سبق لأشخاص آخرين عاشوها من قبل إلى أن تهرأت و امتلأت صفحاتها بخربشاتهم و شخابيطهم و بصمات أصابعهم، يصنع الصبيان من تلك الأوراق طيارات تحملها الريح و أقماعا يلقون بها وهي مملوءة بالتراب في وجوه المارة أو يصنعون منها سلاحف تدب بين أرجلهم أو تتسلق سراويلهم أو يجعدونها مثل زوارق  تتهادى في بركة ماء آسن قريبة ثم ينظر إليهم وهم يرجمون بها شيخ عابرا يتوكأ على عصا و يمضي وحيدا في ضلال النهار، ينظر إليهم وهم يضحكون و يتشاتمون و يقرؤون أشعار الأولين التي تساقطت أوراقها بين أرجلهم بأفواه مليئة بالغباء ساخرين منها ثم يمزقون الأوراق و يبولون عليها أو يدوسونها بأرجل ذات حوافر فيردد مع نفسه مطلع قصيدة البحتري الأثيرة لدى أبيه: صنت نفسي عما يدنس نفسي، ثم يكرره لمرات عديدة كما لو كان يصلي، ناظرا من خلال الدموع الى السماء فيرى  غبار الكلمات  ورمادها و سلاحفها و أسماكها و ديدانها و وسكاكينها وقنافذها و قردتها وخيولها وبغالها ، حاملتا نشيد الفقر و نشيجها الى السماء.

MIB

مدونة لبعض الخربشات التي إحتلت عقلي فأردت لها أن تكون في صفحات هذه المدونة انشر هنا آرائي الخاصة وروابط لمقالاتي، يمكنك مراسلتي للتواصل لأي سبب كان أهوى الرسم و كذلك كل ما يتعلق بالأدب و الفنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق