Pages

لعبة الغياب



اهداء الى روح اب لصديق و اخ عزيز جدا علي
و اهداء الى كل روح وجدت الراحة و الطمأنينة في قبر و في دنيا الآخرة
واهداء اخير لصديقي
كانت ترتب الاطباق على طاولة مغشاة بمفرش من حرير، و عشرة ازواج من العيون تتلصص من ثقوب السور القصير يتنبأون بما ستفعله و يتضاحكون كلما صدقت توقعاتهم، تدمدم بأغنية ما، واذا تنتبه على الأطفال تهشهم بعصا غليظة ترتكز عليها لتدرأ عن عودها السقوط، كنت أراهم و أمضي إلى رفاقي أطفالا مهذبين جدا لا يسترقون النظر لبيوت الآخرين، ذات يوم ضربني أبي لشيء لم أفعله أبدا لكنه يؤمن أني قمت به، وحرمني من الطعام، وحين ضبطني متلبسا بمحاولة سرقة تفاحة من الثلاجة قام بصفعي من جديد ثم ركلني حتى سقطت على عتبة البيت،  و بجنون غريب لمعت عيناه ثم هدر بي طردا خارج البيت، الشمس حمراء و الشوارع تستعد للعتمة، وأنا تائه جائع ومنفي، وجدت طفلين يراقبان بيت العجوز، و بتلقائية انضممت لهما متناسيا كل قواعد الممنوعات و الأخلاق التي يستدعي كسرها (طريحة زرقااا) قال لي أطولهما انها مجنونة، وجادله الآخر بأنها تكلم أصدقاءها من الجن، مبهوتا بما قالوا أخذت أتأمل الطاولة المعدة لأربعة أشخاص و حرير المفرش يهفهف مع مداعبات الريح، ورأيتها تتقدم من السور تتحامل على عكازها الغليظ، مبهورا بالخطوط الجاحدة على وجهها أخذت أتأملها دون أن أهرب، وصلت و رفعت عصاها عاليا تهددني وأنا واقف أمامها بلا خوف أرصد الأعمق في ثنيات وجهها و أفكر كم توحي ملامحها بجمال رحل مخلفا نقاوة في بياض بشرتها، وبدأت أحدد في رأسي كيف سأرسم وجهها، انتبهت على ضربة عكازها على طرف الحائط وبدأت أعي أنها تسألني سؤالا كررته من جديد: ماذا تريد؟ لماذا لم تهرب مع أصدقائك؟
ثماني سنوات كان عمري وقتها، و ربما عشرة سنوات مضت منذ أن طردني أبي لأجل تفاحة، استضافتني لديها، وضعت لي طبقا خامسا وسعدت يومها لأني عرفت أنها لم تكن مجنونة، ولم تكن تجالس جنيا، كانت تجالس خيالات أولادها الذين رحلوا، ابتلعتهم الغربة بشراسة، وبقيت هي تنتظر أن يأتوا، تعد لكل واحد منهم طعامه المفضل، وتعد طعامها الصحي الذي يوصي به الطبيب، تأكل من طبقها و تسكب في طبق كل واحد منهم ما يحب، تنتقل على الكراسي الأربعة و تأكل من أطباقهم، تتذكر حكاياهم، ونكاتهم، ترفع قطع اللحم من طبق ابنها البكر وتضعه في طبق الصغير فيهم، فالأول لا يأكل اللحم و الأخير يعشقه، تزيد الطعام في طبق الصغير بأمل أن يزيد ذلك في وزنه الخفيف شيئا، تحكي نكاتا كانوا يطلقونها تضحك عليها، و تكشر كلما قام أحدهم بإزعاج أخيه بلقب يكرهه، ذات يوم سقطت مغشيا عليها وفي المشفى علمت أنه لا ينبغي لها أن تأكل البطاطا المقلية أبدا، تلك التي تتناولها حين تجلس في مكان ابنها الأصغر، وعقدت معها اتفاقا بأن نغير اللعبة، كنت اتخذ مكان كل واحد منهم وتحكي لي عنهم، ومرة بعد مرة اخذت بتقليدهم، وبدأنا نخترع ألعابا أخرى كأن تعصب عيني قبل أن تسكب الطعام ثم أجلس بجوارها تطعمني لقمة من طبق أحدهم و أنا أخمن من صاحب الطبق من أبنائها ثم أيدأ الحديث كأنما أنا هو، وتضحك هي كثيرا وتبدو أكثر صحة وجمالا.
لم تعد بحاجة لتتناول الأدوية، وأصبحت تهتم برسوماتي أكثر مما تذكر ذكريات أولادها الغائبين، تشتري لي الألوان وأدوات الرسم المختلفة كلما استلمت راتبها التقاعدي، وتأخذني لنزهات جميلة حيثما أريد، صرت ضيفها اليومي عصرا، هذا المستء جلست أرسمها، أغمضت عينيها بهدوء وتركتني أنقل ملامحها بدقة، لم تتحرك لثلاث ساعات كاملة، حينها نهضت وهززتها كي أغادر كان جسدها قد أصبح باردا تماما.

MIB

مدونة لبعض الخربشات التي إحتلت عقلي فأردت لها أن تكون في صفحات هذه المدونة انشر هنا آرائي الخاصة وروابط لمقالاتي، يمكنك مراسلتي للتواصل لأي سبب كان أهوى الرسم و كذلك كل ما يتعلق بالأدب و الفنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق