لسنا دون أحد حرصا على رخاء بلادنا و بناء مستقبلنا و استقرار النظام و العدالة فينا.
و لكننا نختلف مع الآخرين في السبيل المفضية لهذه الغاية. فنحن نرى الحرية أفضل الطرق و أزكاها. إن لم تكن أوحدها.
و
لقد أفاء التاريخ علينا كثيرا من تجاريبه فإذا هي تؤكد أن الهدوء الذي
يلهمه الخوف ليس نظاما. بل تربصا. و أن الإستقامة التي يولدها الإكراه ليست
فضيلة بل كبتا ...
و أن الوثبات التي تنتهي إلى حكم مطلق لا تخلق نهضة. إنما تفضي إلى خيبة جديدة. و يأس جديد ..!!
و
الشعوب التي تدخل مع حاكميها أو مستعمريها في مساومة على حريتها توقع في
ذات الوقت وثيقة عبوديتها و تقيم البرهان الأكيا على أنها لا تزال في مهد
الوجود. و لا تزال عاجزة عن أن ترى بعينيها .. و تسمع بأذنيها .. و تسعى
على رجليها ...
و جدير بنا أن نعلم أن
المساومة على الحرية لا تفلح في ظل نظام بغيض بل في ظل الأنظمة المرغوبة
المحبوبة. إذ يسهل في غمرة من الثقة المتبادلة بين الشعب و الحكومة. أن
تجرع الجماهير من الفاشية أكوابا و أباريق ثم لا تحس بسمومها القاتلة إلا
بعد حين ...
و إنا لنرسل أبصارنا نحو هذه
الرقعة الفسيحة من الأرض. فنرى الشرق الأوسط يتململ تحت أشعة فجر جديد و
تقوم في كثير من بلاده حكومات تحمل من إمكانات التوفيق أكثر مما تحمل دواعي
الفشل. و يتوفر لها من ثقة الناس مثلما كان متوفرا لغيرها من ريبهم و
نقمتهم. و لها عند الجماهير حظوة لم تظفر بها تلك العهود التي سقطت في
هاوية خطاياه.
من أجل ذلك تكون أنفس الحاكمين أسرع استجابة لإغراء السلطة المطلقة و أكثر تلبية لهواتف الهوى ...
و
من أجل ذلك أيضا يصبح من شعائر الله و الإنسانية أن نقرع نواقيس الحرية في
فجاج هذه البلاد جميعا و نعمق في ضمائر أهلها الإحساس بقدسيتها و الإيمان
بحتميتها إذا كنا مصممين على توقي الانتكاسات المبيدة و الإنحرافات
المهلكة.
و إن دواعي الموقف لتهيب بأولئك الذين صمدو مع الحرية في أيام محنتها و عسرتها دون أن يفتنهم عنها إغراء أو يثنيهم إرهاب ...
هؤلاء الذين كسبوا بزمالتهم الصادقة لموكب الحق ولاء عميقا له كما كسبو أيضا ثقة الناس بهم و رجاء المستقبل فيهم.
و
علينا في كل مكان في مصر و سورية و لبنان و العراق و في إيران علينا أن
نفهم جيدا. أن استحقاقنا للحرية لا يتقرر بما أخذناه منها بل بحرصنا على ما
لم ننله بعد و تشبثنا بالطريق الذي سنحقق عليه بقية انتصاراتنا.
إنه من العجز الوبيل أن نتعزى بنقائض غيرنا و نجعل من مثالب الطغاة البائدين مقياسا لفضائلنا ..!!
و لقد أصبح واضحا للشعوب أن الذي يعطيها بعض حريتها كالذي يسلبها بعض حريتها.
و أورث حسن الحظ مقاليد الأمور أناسا لا يكنون للحريات مثلما كان يكنه الآخرون من مقت و تحد و امتهان.
و هذه فرصة تتطلب من مزيدا من الإيمان بالحرية و الاعتماد عليها.
إن الخطأ الجسيم الذي يتورط فيه بعض المؤمنين بالحرية أو بعض المستعدين للإيمان بها هو توسلهم بالقوة لحماية الحرية.
و
هذا الخطأ ناجم عن عدم وضع الحرية في مكانها الطبيعي. فهم يحسبونها غاية
الأفراد و غاية الجماعات و غاية البشر .. و هو بلا ريب وهم عريض فالحرية
وسيلة لا غاية. إن غاية البشرية هي الكمال المطلق ماديا و أدبيا ...
فالحرية
هي أثمن و أجدى وسائلها لذلك الكمال فاذا أنت حرمت أمة من الحرية حينا من
الزمن فقد عطلت رحلة البشرية كلها إلى الكمال بمقدار ذلك الحين.
و
إن التاريخ ليلوح لنا بكلتا يديه. و في يمينه تجربة و في يساره تجربة. و
كلتاهما تؤكد أن الأمم التي لا تندفع في موكب الحياة و روح الحرية بين
جنبيها و ملء كيانها فإنها تنقرض و تبيد ..
عندما
كانت الولايات المتحدة تقاتل بريطانيا على حريتها ذهب واحد من دعاة الثورة
و محرضيها إلى أهالي فرجينيا ليستنفرهم و ما إن شرع يبدأ خطابه حتى لوحو
له ببنادقهم و صاحوا : "ليس عليك أن تحدثنا عن الحرية فهي عندنا و نحن
مصممون على الاحتفاظ بها." ..
إن هاتين الكلمتين "هي عندنا" تضع قلوبنا و عقولنا على الأساس الحي لكل نهضة و كل إستقلال.
و
لست أعرف بين ما قرأته لرواد الحرية و أنبيائها عبارة تفوق في روعتها
الأخاذة و صدقها المبين هذه العبارة التي أطلقتها البديهية الإنسانية من
أفئدة أهل "فرجينيا" الأقدمين. "ليس عليك أن تحدثنا عن الحرية فهي عندنا".
ترى ماذا كان عندهم من الحرية يومئذ حتى يؤمنو به هذا الإيمان المستبسل. و
يعبرو عنه هذا التعبير الحار الجميل..؟؟
لقد
كان شيئا غير كثير. كان تجربة ناشئة لحياة نيابية حرة. ولكن مجرد اشتراك
الفرد في انتخاب "مجلس الهيئة العامة" لولايته كان يفعمه بالحياة و بالحرية
و بالسعادة و كان يرسم أمام ناظريه مستقبلا أحسن و يستجيشه نحو غد عزيز ..
و
لا شيء يثير عزة الناس. و يشد فيهم زناد الإقدام و المخاطرة مثل التحامهم
بمقومات حياتهم و إحساسهم بأنهم عنصر فعال في بنائها. سواء كانت حياة سياسة
أو إجتماعية أو إقتصادية. و لقد ندرك هذه الحقيقة و نهب للعمل بمقتضاها لو
تركت أمورنا لنا.
و لنكن أكثر وضوحا و صراحة فنقول:
إن الطليعة المتواثبة في موكب الشرق الأوسط اليوم و التي تبلورت فيها مسئوليات عهود جديدة في إيران و مصر و سورية و لبنان.
هذه
الطليعة تستطيع إذا حصنت نفسها من الاستعمار أن تسمع شعوبها وهي تصيح حين
تدعي لحماية حريتها: "لا تحدثونا عن الحرية فهي عندنا". و لكن الاستعمار
بطبيعته لا يريد الحرية للأمم التي وضعها في قائمة البقر الحلوب.
و
إنه ليحاول دائما. و جاهدا. ليحول كافة الحركات الانتهاضية في العالم كله و
في الشرق الأوسط بصفة خاصة لحسابه وهو بهذا يخدم هدفين من أعز أهدافه
عليه:
-مصالحة الاستراتيجية..
-مصالحه الاقتصادية..
وهو يعلم أن الأمة التي تستطيع أن تقول عن الحرية: "هي عندنا" لأنها عندها فعلا ... أمة لا سبيل إلى استغلالها أو احتلالها.
هو يعلم أن الحرية ريح تهب على المستعبدين فتؤجج فيهم النار المباركة التي ترد البغي المتشامخ ترابا في تراب ..
و
يعلم أن الأمة الضامرة المهزولة حين تمتلئ رئتاها بنسيم الحرية تنقلب من
فورها إلى مارد لا يقهر و عملاق لا ينال .. فأولى خطواته اذن أن يجعل
للشعوب التي يريد احتكارها كاظما و كابحا حتى لا تتمكن من ذلك العقار
السحري الذي سيحرضها عليه و يغريها به.
و
لقد آمن الاستعمار أخيرا بجدوى التنكر . فهو لا يسعى لمواجهة الموقف . و
إنما يبذل قصارى جهده ليستميل اليه الحكومات الصالحة و الزعماء الصالحين في
الأمة التي يريد احتواشها ليجعل منهم الكابح الذي يعصمه من عدوه اللدود
الحرية. ثم يقنع هؤلاء و أولئك بخرافة المستبد العادل ...!! و لقد ناقشنا
هذه الخرافة في كتابنا السابق "مواطنون: لا رعايا" مناقشة تغنينا عن العودة
إلى تفنيدها. و حسبنا الآن أن نؤكد أن الاستعمار يطيب نفسا حين يبصر
الديمقراطية الشعبية و الإنتفاضات الحرة تتحول بقدرته إلى هذا الوثن العجيب
الذي يسمونه "المستبد العادل" لماذا ..؟؟
لأن
الأمة التي ترزح تحت بركات هذا المستبد العادل ستفقد ضميرها و تفقد وعيها
فالضمير و الوعي إنما تكونهما الحرية و الإحساس الأكيد بالكرامة و بالعزة و
هذه كلها محظورات لا يسمح بها الاستبداد و لو كان عادلا.
و للاستعمار اليوم وسائله المستحدثة التي نمتها خبرته و طول بلائه في السطو و الإستغلال.
فهو
لم يعد يترك البقرة الحلوب دون رعاية و اهتمام. بل يستنبت لهى المراعي
الخضر و يضع في مشفريها خطاما ناعما من الهواء المنسوج. وهو إذا كان يضيق
ذرعا بأحد من رعاة هذا البقر فباللصوص الذين ينهبون المراعي و يبيعون
الخطام ... و إذا كان يحب أحدا فهو المستبد العادل ..! إنه ينتفع باستبداده
في حراسة البقرة. و ينتفع بعدله في تنميتها. لأنه طبعا لن يعتدي طعامها و
لن يسرق مرعاها..
و هذا هو العدل كما يفهمه
الاستعمار خارج بلاده. حراسة حازمة نزيهة تقام حول البقرة الحلوب. حول شعوب
البترول الدافق و الاستراتيجية الحاسمة. و إذن فالمستبد العادل في نظرها
ليس أكثر من كلب حراسة.!!.؟
فهل في حكامنا من يقبل أن يكون ذلك الكلب الأمين..؟؟
و هل في شعوبنا من يرضى أن يظل بقرة تدر للشياطين لبنا سائغا..؟
إن هناك ضمانات مغرية للحكام الذين في وسعهم أن يقومو بدور المستبد العادل..
و هناك عطاءات سخية للشعوب التي تتخلى عن بشريتها و تأخذ مكانها مع القطيع الحلوب..!!
و
لكن هذه العطاءات و تلك الضمانات على حسابنا. على حساب وجودنا و على حساب
مستقبلنا. وهي لذة عابرة تورث ذلا طويلا.. فليكن واجبنا أن نستعصي على كل
إغراء. و نرفض المساومة على حريتنا. إن رفض الحاكم لهذه المساومة يعني
ترفعه عن أن يكون كلب حراسة.. و إن رفض الشعب لها يعني عزوفه عن أن يكون
بقرة حلوبا.
إننا لا نريد بهذا الحديث أن
نلمز الحركات الجديدة التي نشأت في بلادنا فهذه الحركات على الرغم من
انفراديتها جديرة بالمثابرة على تشجيعها و مساندتها. و إنه لسخف من القول و
زور أن ننعت الحركة القائمة في مصر أو القائمة في سوريا و إيران و لبنان.
بأنها من صنع أمريكا أو من صنع روسيا أو الفلبين..!!
إننا
نحقر أنفسنا بهذا التوهم الباطل. و ندور في حلقة مفرغة من الضلال و الجهل.
إن هذه الحركات جميعها صنعت محليا و كانت طبائع الأشياء تقتضي وجود أحداث
أكثر منها و أروع.. فقد أتى على بلادنا حين طويل من الدهر وهي ترسف في
أغلال التبعية. و جثم فوق صدرها استعمار الخليفة العثماني الذي أرسلها
بدوره للاستعمار البريطاني حيث طوقت بذراعين من حديد: الظلم الاجتماعي و
الاستبداد السياسي.. و كنا كلما حاولنا أن نرفع عقيرتنا ضغط علينا الإقطاع و
الاستبداد فتتحشرج أنفاسنا و تتحول الصيحة المرجفة إللا بحة مكظومة و شهقة
مكتومة.. كان الظلم الاجتماعي متمثلا في الاقطاع.. و كان الاستبداد
السياسي متمثلا في العروش و التيجان.. أكان من الممكن أن تظل الأوضاع على
هذه الحال..؟
كلا و لقد كان التطور يقودنا
سراعا إلى اليوم الموعود و ينسج من محاولاتنا الفاشلة خطة ناجحة و عملا
حاسما. و لم نكن وحدنا بل كان معنا جميع الأمم المتخلفة. و الشعوب
المستضعفة حتى جاءت الحرب العالمية الأخيرة. و كانت هي القبضة العارمة التي
قرر التطور أن يحطم بها جميع الحواجز و السدود التي تعطل سير البشرية و
تعتاق رحلتها. و هكذا هبت رياح الحرية في كل مكان. فاقتلعت الاقطاع في
الصين و في الهند و اليابان ثم في مصر و سورية و إيران. و استدارت إلى
التيجان التي كانت تصدع الأرض بغرورها و ضلالها فطوحت بأكثرها ضلالا على
الأرض. حدث كل هذا لأنه كان لابد أن يحدث. و جاء ذلك المد التطوري وليد
ذاته ينتظم أحداثا واعية متساويقة تعرف طريقها و تدرك الغرض من وجودها و
تمضي في وعي إلى هدفها المرسوم. و يكشف لنا عن ضدق هذا التصوير ما حدث في
اليابان. إن الأداة التي توسل بها التطور هناك هي أمريكا و على الرغم من
أنها "و نعني بها أمريكا" رأسمالية عريقة فقد فتت الإقطاع اليابان. و أتاحت
للكادحين طائعة أو كارهة أن ينالو بعض كدحهم و يجنو ثمار شقائهم. و إذا
كان الميكادو يمثل رمزا دينيا مقدسا يستبقي به الاقطاع دوامه. فقد جردته
أمريكا من قدسيته الكاذبة. و حلت عرى ربوبيته الزائفة..
إن
إدراك هذه الأشياء ضروري لنا حتى لا نسترب في تطورنا الزاحف. و حتى لا
نتهم الحركات التحررية التي تقرع أبواب المستقبل للشرق الجديد بأنهامن صنع
أمريكا تارة و من صنع روسيا تارة أخرى ..
إنها من صنع التطور ...
و
التطور دون إغراق في المصطلحات الفنية هو إرادة الله في تسير البشرية
دائما إلى الأمام. و ترتفع إلى أعلى ... و إن التجارب لتدعونا دعوة صادقة
للإيمان به فلطالما خاض أهوالا و معارك:
* مع أمراء الاقطاع الذين اعتصرو دماء الناس ليرعرعوا بها حياتهم ...
* و مع الذين حكموا باسم التفويض الالهي. و افتعلوا بينهم و بين الله نسبا كاذبا. و استلبو من الإنسانية كرامتها و عطلو عقلها ...
* و مع الملوك المستبدين. و الغزاة المدمرين الذين تبختروا في مناكبها بالإثم و البطش ...
و
إذا هو آخر الأمر يظفر و يمضي مخلفا وراء كل أولئك نثارات تحفظ معالم
الطريق .. و أحاديث تروي قصة البائدين و تلخص النبأ جميعه في هذه الكلمات:
"إرادة الله مرت من هنا" .. و إرادة الله هذه في طريقها اليوم إلى
الاستعمار . نعم إن التطور يحشد إمكاناته ليلاقي في معركة فاصلة آخر أعداء
الإنسانية و الرقي. و يبدو أن الاستعمار أفاد من تجارب الذين سبقوه فهو
يحاول أن يتخذ لنفسه مواقف جانبية أو يتنكر في صور معاهدات و اتفاقيات يزعم
أنها تنهي وجوده و تفض سامره ... لكن التطور واع رشيد و إن الاستعمار
ليدرك هذا جيدا. و يعلم أنه يقاتل في معركة خاسرة. و يرى مكانه بين
العاديات القديمة و الحيوانات
البائدة يناديه. و يبصر مرقده الأبدي وهو يتهيأ لاستقبال رفاته. و إذن فلم يتشبث بالبقاء و يحاول محاولته الضالة؟؟
الحق أن الاجابة على هذا السؤال لا تعنينا كما تعنينا الاجابة على سؤال آخر هو:
لماذا نسمح للاستعمار أن يتخذنا علفا لهذه المحاولة الضالة؟
إن
وقفة جريئة منا نقفها مع الحرية مع قوى التقدم و الخير ستجعل الاستعمار
يجثو على ركبتيه دون قتال. و الحرية ليست كائنا فرضيا. و لا تعبيرا نظريا.
إنها نظام و سلوك و خلق ...
إنها الديمقراطية ...
و
الاستعمار لا يؤمن بالديمقراطية إلا داخل حدوده. أما خارج الحدود و حيث
الشعوب التي يقرر بضمير شجاع أن يتخذها حظائر فإنه يحارب الديمقراطية
بإلغاء مظاهرها تارة و تزييفها تارة أخرى ... و لقد عبر عن هذه الحقيقة
تعبيرا صادقا قطب عظيم من أقطاب الاستعمار البريطاني هو دزرائيلي حين أطلق
قولته الشهيرة: "أفضل الحرية التي نتمتع بها على مبادئ الأحرار التي
يعدوننا إياها ... و أفضل على حقوق الانسان حقوق الإنجليز"..؟
و إذا كانت الديموقراطية في تبلورها الأخير هي المعتصم الأوحد لحقوق الانسان فإن الاستعمار يتربص بها الدوائر دوما.
و
نحن في مصر نذكر كيف حاربت السياسة الأوروبية محاولاتنا لإقامة حياة
دستورية و كيف احتكرت فرنسا و بريطانيا الرقابة المالية بحجة الديون و
حالت بيننا و بينها ... كما نذكر يوم زار الأسطول البريطاني مياه
الاسكندرية عام 1927 ليهدد الحكومة القائمة يومئذ لأنها أرادت إصدار بعض
التشريعات الديمقراطية و أرادت أن تبيح حمل السلاح و تلغي القوانين الرجعية
التي تحرم على المصريين الاجتماعات ..؟
و إن الصراع بين حقوق الانسان و حقوق الاستعمار ليكاد يكون أزليا. إنه قائم منذ وجد على هذه الأرض جماعة يحترمون الحق.
و
عى طول الطريق الذي سارت عليه الانسانية تطالعنا هذه الحقيقة لتؤكد لضحايا
الاستعمار في كل زمان و مكان أن في الديمقراطية وحدها خلاصهم و محياهم و
أن الاستعمار لا يرحب بشيء مثل ترحيبه بالدكتاتور..
إنه ضالته المنشودة أنى وجدها أخذها.
و
إن موقف الاستعمار من الثورة الفرنسية قديما لينبيء بمدى كراهيته لحقوق
الإنسان. فلقد قامت ثورات أخرى قبل الثورة الفرنسية لم يحرك الاستعمار من
أجلها ساكنا. قامت ثورة الأراضي المنخفضة ضد أسبانيا و كانت خطيرة النتائج
لأنها نادت لأول مرة بتحطيم الحق الإلهي للملوك. و قامت ثورة كرومويل في
بريطانيا. و ثورة عام 1618 ببريطانيا كذلك. وكانتا ضد الحكم المطلق. و ضد
الكثلكة. ثم نشبت ثورة الاستقلال الأمريكية فهل تحالفت الدول الاستعمارية
الكبرى يومئذ ضد إحدى هذه الثورات.؟ كلا. سبب ذلك أنها ثورات محلية تستهدف
أغراضا خاصة بالأمة الثائرة وليست نزعة عالمية. و امتدادا ثويريا. كما كانت
الثورة الفرنسية. صحيح أن إعلان الاستقلال الأمريكي يقرر "أن الناس جميعا
خلقو متساوين و أن الخالق سبحانه قد منحهم حقوقا خاصة لا تنتزع. منها
الحياة و الحرية و السعي لنيل السعادة... ولتأمين هذه الحقوق تكونت من
الناس حكومات تستمد سلطانها العادل من رضى الشعب المحكوم".
إلا أن الولايات المتحدة لم تصنع يومئذ شيءا لنشر هذه الدعوة و تحريض المقهورين على الانتقاض...
و كذلك فعلت الثورات المحلية الأخرى.
فلما
جاءت الثورة الفرنسية نادى الاستعمار بعضه بعضا و قررت دوله الكبيرة أن
تطفئ هذه الثورة. فاذا عجزت. كانت خطتها التالية أن تحصرها داخل فرنسا:
فاذا أخفقت أفسدت رواءها و جلالها و ذلك بتحويلها من ثورة إنسانية حرة إلى
ثورة عدوانية تعتمد على الغزو و تريد الاستعمار.
إن وعي هذه الظاهرة سيفيدنا مستقبلا حين نبلغ مرحلة آتية من مراحل هذا البحث.
و
الآن ماذا كان موضوع الثورة الفرنسية و مبادئها التي صمم الثوار على أن
يلقحو بها ضمائر البشر جميعا و التي صمم الاستعمار على وأدها في المهد
الصغير...؟
هاهي ذي:
*
إن نواب الشعب الفرنسي المجتمعين في جمعية وطنية لما رأوا أن ما نزل
بالمجتمع الانساني من المصائب و الشقاء و إفساد الحكومات يرجع إلى سبب
واحد. هو جهل حقوق الإنسان أو تجاهلها أو العبث بها.
* قد قرروا أن يصدروا إعلانا عاما ببيان حقوق الانسان الطبيعية المقدسة التي لا يصح أن تمتد إليها يد العبث و المساومة.
*
وذلك ليكون هذا الإعلان راسخا في أذهان بني الانسان يذكرهم على الدوام
بحقوقهم وواجباتهم. ولتحترم أعمال السلطة التنفيذية المنطبقة على الأغراض
التي يصبو إليها المجتمع الإنساني. ولتكون مطالبة الناس بحقوقهم مؤسسة من
الآن على مبادئ واضحة لا نزاع فيها و لا جدال.
* فيكون قوام هذه الحقوق صيانة الدستور و صيانة سعادة المجموع.
* لذلك تعلن الجمعية الوطنية بعناية الله العلي الأعلى. الحقوق الآتية للإنسان:
1- يولد الناس ويعيشون أحرارا متساوين في الحقوق لا تمييز ولا تفاضل بينهم إلا فيما تقتضيه المصلحة العامة.
2- كل سلطة يصدرها الشعب وحده. ولا يحق لأي قوم أو أية جماعة أن يأمروا أو ينهو إلا إذا استمدو السلطة من الشعب.
3-
القانون هو مظهر الإرادة العامة للأمة. ولأهل البلاد جميعا الحق في ان
يشتركوا في وضعه بأنفسهم أو بواسطة نوابهم. و القانون واحد بالنسبة للجميع.
4-
لا يصح اتهام انسان أو حبسه أو القبض عليه إلا في الأحوال المبنية في
القانون بشرط اتباع اجراءاته و كل من ينفذ أمرا استبداديا مخالفا للقوانين
أو يأمر به أو يوعز بتنفيذه يستحق العقاب.
5-
حرية الجهر بالآراء و الأفكار من حقوق الانسان المقدسة فلكل امرئ أن يتكلم
و يكتب و يطبع بملء الحرية بشرط ألا يسيء استعمال هذه الحرية في الأحوال
التي بينها القانون.
هذه بعض
المبادئ التي طوحت بها ثورة فرنسا قديما في الآفاق وهي كما نلاحظ من
كلماتها عالمية الاهداف إنها تحريض عام للشعوب كي تحكم نفسها. و إعلان باسل
لحقوق الإنسان في كل مكان. ولما كان في هذه الصيحات الجريئة تصفية
للاستعمار الذي لا يعترف إلا بحقوقه هو. ويعتمد في البلاد المغلوبة على
قوانين استبدادية جائرة كتلك التي وضعها الاستعمار البريطاني لمصر. إذ كان
ذلك كذلك. فقد هبت كبريات الدول الاستعمارية يومئذ : روسيا, النمسا,
اسبانيا بزعامة بريطانيا لتسلك بالثورة مسالك البوار.
و مرة أخرى لماذا فعل الاستعمار ذلك؟
لأن
حقوق الإنسان كانت تزحف نحوه في إصرر عجيب.. لقد جن جنون بريطانيا العضمى
عندما لمحت جنود الثورة تنتصر على أعدائها في فالمي و بلجيكا. و عندما اصدر
الثوار في 1793 قرار بمساعدة الشعوب ضد الاستعمار و الملوك المستبدين.
وحرضوا أيرلندا على العصيان جهارا علنا. لقد يئست إنجلترا من تصفية الثورة
أولا .. ثم من حصر أثارها داخل فرنسا ثانيا .. و الآن تسعى لهدفها الأخير
فمضت تقيم تكتلات عسكرية و أحلافا عدوانية لتستثير بها ضغائن الثوار. و
تحملهم على الحياة في ضباب الفزع الذي يقتضي بدوره إقامة حكومات عسكرية أو
بوليسية في فرنسا. وبذلك يحرم من الحرية البلد الذي دق طبولها ..
لسنا
بصدد عرض تاريخي للثورة الفرنسية ولذلك نكتفي بهذا القدر. ذاكرين العبرة
المتبدية من خلاله. وهي أن الاستعمار حارب الثورة الفرنسية لأنها جاءت تقول
للبقر الحلوب: ويحك. أنت إنسان وهذه حقوقك..
جاءت
تبشر بدين جديد عنوانه و موضوعه: "حقوق الإنسان" ولقد سرى هذا الروح
الجديد في كيان الأمم المقرورة مبتدئا ببلجيكا التي كانت مستعمرة للنمسا...
لذلك
لم يكن للإستعمار بد من أن يحمل عصاه على كاهله و يرحل .. أو يقاتل حتى
الموت دفاعا عن وجوده و صلفه ومصالحه ولقد اختار الثانية. وأعلن الحرب على
هذا المذهب الهدام الذي هو: حقوق الإنسان..
هذا أوضح دليل على النوايا الحسنة التي يضمرها الاستعمار للحرية و خاصة في البلاد التي يريدها أسواقا ورقيقا..
كتاب: الديمقراطية أبدا لخالد محمد خالد


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق