إنه من الطبيعي أن يملأ موضوع العولمة الدنيا و يشغل الناس فهي ظاهرة جديدة في محتواها و سماتها لم يعرف تاريخ المجتمع البشري المدد مثيلا لها و إنه من الطبيعي كذلك أن تقض الظاهرة مضاجع النخبة العربية خاصة و نخبة المجتمعات النامية بصفة أعم ذلك أن آثارها السلبية بدأت تلوح في هذه المجتمعات بصفة جلية ومما يزيد الطين بلة و الأمر تعقيدا أن الفئات الواعية بخطورة الظاهرة مدركة أنه لا بديل للمجتمعات النامية من خوض غمارها و مدركة في الوقت ذاته انها ليست طرفا فاعلا فيها بل قل هي غير قادرة في بعض الحالات حتى على معرفة آلياتها و الخيوط التي تحركها وقد أدى ذلك إلى خلط كبير في محاولة فهمها والتعريف بها فبلغ الأمر بالبعض إلى القول: إن العولمة مخطط إمبريالي وضعت أسسه الولايات المتحدة الأمريكية لأمركة العالم وفرض النظام الدولي الجديد فتحولت الظاهرة الكونية الجديدة في تطور المجتمع البشري إلى خطة دبرت بليل؟؟؟ !!!؟
ولم
يدرك هؤلاء أنها جاءت نتيجة طبيعية للثورة الإلكترونية وما رافقها من تطور
سريع ومذهل لتقنيات الاتصال و البرمجيات ولا تتناقض هذه الحقيقة الموضوعية
مع محاولة القوى الدولية الكبرى الإفادة من هذا التطور لتؤدلجه وتقدم
العولمة باعتبارها أيديولوجية الليبيرالية الجديدة.
ومن
خلال هذه الثورة التكنولوجية ضهرت حرب جديدة و طريقة جديدة للإستعمار نضرا
لضعف مجتمعنا و جهله في هذا الميدان وبعده الساحق و دون الدخول في أسباب
هذا الضعف و التخلف لأنه سيطول بنا الأمر دون منفعة فكل شخص يعرف في داخله
أسباب هذا الضعف.
لذا سننضر في الأسلحة
العصرية لراكبي موجة العولمة و المستفيدين المباشرين لهذه الموجة. موجة
كانت خير أمل و أفضل دافع لمجتمعات الغرب و كانت مثل موجت تسونامي ماحقة
لكل بقايا الإنسانية في مجتمعات الشرق الأوسط و شمال إفريقيا و بعض من دول
آسيا.
و سبب وصولنا لهذه المرحلة هو أنفسنا
فالبشر الذين يصنعون ظواهرهم لا يتكونون في الفراغ. و لاهم ودونما سبب على
هذا النحو أو ذاك. و إنما هم نتاج ما يصنعونه. فيكونون بشكل أو بآخر ذوات
الظواهر و موضوعاتها في آن معا. و لتوضيح ما أعنيه أقول أن الطريقة التي
يصنع الناس وفقا لها حياتهم هي التي تتحكم في المقام الأول بتكوينهم و بنوع
العلاقات التي تقوم فيما بينهم. وكذلك في تحديد منظومة القيم الحقوقية و
الإجتماعية و السياسية و الخلقية التي يعتنقونها و يسلكون فيما بعد وفقا
لها. وهذا ما أعنيه بالعامل الموضوعي. ولكن لما كان الناس ذوات الظواهر
مثلما هم موضوعاتها فإن تأملهم لنتاج ما يصنعونه اما أن يكون عامل تحريض
يدفعهم إلى الانقلاب عليه وبالتالي تغييره أو أن يروا فيه مبعثا للرضاء و
الاستكانة فيقبلون به ويخضعون لاحكامه وهذا ما اعنيه بالعامل الذاتي. وهو
العامل الذي يتحكم فيه الارتقاء الشخصي بمستوى الوعي الذي يكون الارتقاء
الثقافي و الروحي العنصر الحاسم في تكوينه.
و
عندما أدركت القوى السياسية المتحكمة في الكرة الأرضية الآن أنه لا عاصم
اليوم من أمر العولمة في المجالات السياسية و الإقتصادية و التكنولوجية
التجأ إلى الثقافة متخذا من الخصوصية الثقافية حصان طروادة ويحمل هذا
الخطاب في طياته كثيرا من التناقضات منها فصله الثقافة عن بقية مظاهر
العولمة و كأن أمر العولمة لا يتجاوز جلب رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار
في الأقطار العربية وفتح الأسواق أمام الإنتاج الرأسمالي المعولم في الوقت
الذي تعد فيه ثقافة العولمة معولا بليغ الأثر في هدم أسوار الثقافات
الوطنية ودمج خصوصياتها في ثقافة كونية لا يضيرها الاعتراف بالتنوع و لكنه
تنوع ضمن وحدة العولمة و ما تأثير برامج وسائل الاتصال الحديثة وبخاصة ما
تمطره الأقمار الصناعية من برامج مرئية و ما توفره الشبكة العنكبوتية :
الأنترنت من سرعة الاتصال بالنص و الصورة لجميع سكان المعمورة إلا برهانا
ساطعا على أن ثقافة العولمة قد أصبحت حقيقة معيشة.
فحرب
ثقافة العولمة أشرس و أخطر من الحروب العالمية و خسائرها مقارنة بخسائر
الحربين لا قرابة بينهم فخسائر الحروب الثقافية لها أرقام فلكية فلقد أصبحت
معاول العلمانية تعمل لتحطيم متاريس ثقافتنا من كل الجهات فأصبحت أجهزة
التلفزيون و الإذاعة و السينما وصفحات المجلات و الجرائد و الأنترنت على
شيء واحد خطير هو سرقة الانسان من نفسه .. شد عينيه و أذنيه و أعصابه و
أحشائه و دماغه ككل ليجلس متسمرا كالمشدوه أمام التلفزيون أو الحاسوب أو
الهاتف المحمول و قد تخدرت أعصابه تماما كأنه أخذ بنج كلي وراح يسبح بعينيه
مع المسلسل ويكد ذهنه متسائلا من القاتل ومن الهارب .. وبين قاهر الجواسيس
وريتشارد كامبل و الأفيشات العارية في المجلات و العناوين الصارخة في
المجلات و الساعات المتواصلة من التشات في ما لا يعني و إلى أوقات متأخرة
فينتهي اليوم وينتهي بالإنسان إلى فراشه وهو في حالة خواء وفراغ و توتر
داخلي مجهول السبب وحزن دفين كأنه لم يعش أبدا ذلك اليوم.
و
الحقيقة أنه لم يعش بالفعل وأن حق الحياة سلب منه و أنه سلب من نفسه و
أخرج عنوة و ألقي به في مغامرات عجيبة مضحكة و تساؤلات لا تهمه على الاطلاق
.. من الذي قتل شهيرة هانم هل سيخرج الضائعون من الجزيرة لماذا تخون
كلوديا كاردينالي زوجها و أين الكنز في مسلسل عبيد الذهب و أين الحقيقة في
فيلم هاري بوتر.
و يمر اليوم تلو اليوم .. و
تضل هذه الأجهزة تقوم بما يشبه العادة السرية للمتفرجين و تغرقهم في نشوات
مفتعلة إلى درجة التعب ثم تلقي بهم إلى الفراش آخر الليل منهوكي الأحاسيس
لا يدري الواحد منهم ماذا به بالضبط .. لماذا يشعر بأنه مجوف تماما و أنه
لا يعيش أبدا وأنه لا يقول ما يريد ان يقوله ولا يسمع ما يريد أن يسمعه و
إنما هو يربط في أرجوحة تظل تدور به دورانا محموما حتى يغمي عليه تماما
وينسى ما كان يفكر فيه وما كان يريد أن يقوله وما كان يريد أن يسمعه وما
كان يملأ منه القلب و العقل .. و يتحول إلى حيوان أعجم مربوط العقل و
الأحاسيس إلى هذه الاجهزة الغريبة التي تفتعل له حياة كلها كذب في كذب.
وهذه الظاهرة ظاهرة عالمية بل هي من سمات هذا العصر المادي الميكانيكي الذي تحولت فيه أجهزة الإعلام إلى أدوات للقتل الجماعي.
وهو
نوع من القتل الجميل الرائع تخنق فيه العقول بحبال من حرير و تخنق
الخيالات بالعطور الفواحة و تخاط فيه الشفاه بجدائل من شعر بريجيت باردو.
وكلما زادت مقاومة المتفرج لهذا الأفيون كلما زاد المخرجون من المساحة
العارية المسموح بها من صدر الممثلة و من ساقيها وكلما سكبو كمية من الدم
أكثر في رواياتهم و أفلامهم و كمية أكثر من البترول على الأعصاب المشتعلة
للشعوب المستعمرة.
و حينما تنفجر الأعصاب في
ظواهر متشابهة مثل ظاهرة الهيب هوب والسب و الشتم و أدب الساخطين و
الإنحلال الأخلاقي العكسي فهي دائما نتائج ذلك البخار المضغوط في جماهير
الشباب التي قضي عليها بأن تعيش أسيرة عنكبوت الإعلام و الأخطبوط ذي الألف
اسم .. الأنترنت و التلفاز و الهاتف و الجرائد و السنما و الموسيقى وو و..
ذلك السجن ذي القضبان الجميلة من الأذرع العارية و الأرجل العارية لتعيش
معزولة عن معركة المصير وعن الادلاء برأي في مأساة الحياة و الموت التي
تجري على مسرح العالم كل يوم.
و حينما يدور
الكلام عن مخدر ل.س.د و الماريخوانا و الحشيش و الهيروين و الكوكايين .. و
العصابات التي تروجه فانهم ينسون دائما مخدرات أكثر انتشارا و أخطر أثرا.
مخدرات تدخل كل بيت من تحت عقب الباب و تقتحم على كل واحد غرفة نومه و
تزاحم افطار الصباح إلى معدته و فنجان الشاي إلى شفتيه تلك هي وسائل
الإعلام و معاول الإستعمار التي تكاتفت فيما بينها و كأنما بتعاقد غير
مكتوب على أن تقتل الناس بقتل وقتهم و تميتهم بالضحك و الإثارة و النكتة
البذيئة و تلك الكلمة الغامضة اللذيذة التي اسمها التسلية. و تحت شعار قتل
الوقت يقتل الانسان و يراق دم اللحظات و يسفك العمر فما العمر في النهاية
إلا وقت محدود وما الانسان إلا فسحة زمنية عابرة إذا قتلت لم يبق من
الانسان أي شيء.
لذلك علينا تحصين متاريسنا و
هذا التحصين يأتي بالتغيير و الفهم للوضع فالفهم السليم هو الخطوة الأولى
نحو التغيير فالمهم بالنسبة للمجتمعات النامية في خوضها غمار العولمة فهم
العالم لتغيير أوضاعها إن مقولة ماركس "ليس المهم فهم العالم بل تغييره" هي
مقولة سياسية تضمنها بيان ذو طابع تعبوي و من الثابت أنه كان من أكثر
الناس فهما لعالمه.
إن التاريخ لا يفيد في
مثل هذه الحالات فالمهم الوعي بالتاريخ و البون شاسع بينهما فلابد أن تعي
الأطراف أنه لا عاصم اليوم من أمر العولمة ولا مناص لها من ركوب قطارها إذا
أرادت ألا تهمش ويتركها القطار واقفة في محطة نمو التخلف وينبغي علينا
الاعتراف بأن المركز هو الذي يحدد اليوم اتجاه القطار و سرعته و المحطات
التي يقف فيها وليس في الأمر سر أو خديعة و إنما قيادة اليوم هي نتيجة
طبيعية لمشروع مر عليه أكثر من قرنين فمشروع الغرب الحديث هو مشروع معرفي
منذ ديكارت و الموسوعيين حتى فوكو و هابرماس بعد أن قام بقطيعة مع مصادره
المعرفية القديمة: أرسطو و الكنيسة و انتقل من التمركز حول الله و السلطان
إلى التمركز حول الإنسان و الدستور.
نعم
الغرب يكتب المتن و نحن مازلنا نكتب الشروح و الحواشي. و مافتئت النخبة
العربية تفكر بمقولات المركز من مقولة الدستور و البرلمان و الحريات
السياسية وفصل الدين عن الدولة و الاشتراكية و العدالة الاجتماعية إلى
الديمقراطية و المجتمع المدني وحقوق الإنسان و حقوق المرأة وحقوق الأقليات و
النظام العالمي الجديد و العولمة ثم ما خرجت به علينا مدرسة المابعديات
الأمريكية من المجتمع ما بعد الرأسمالي و المجتمع ما بعد الصناعي و المجتمع
ما بعد الحداثي و المجتمع ما بعد التاريخي إلى آخر المعزوفة و ربما غدا
مجتمع ما بعد العولمة.
إن رواد الفكر العربي
الحديث يعيدون إذن إنتاج تيارات الفكر العالمي منذ بداية عصر النهضة عصر
الطهطاوي و خير الدين و قاسم أمين و فرح أنطون و شبلي الشميل حتى عصر
العولمة عصر سمير أمين و السيد ياسين و صادق جلال العظم و إسماعيل صبري عبد
الله و محمود أمين العالم و غيرهم. إنهم يختلفون دون ريب في مناهج إعادة
الفكر الغربي محاولين الإفادة منه في بحث قضايا المجتمع العربي ولكنهم
يبقون بصفة عامة يفكرون بمقولات المركز و أود في هذا الصدد تلوح لنا ملاحظة
مهمة وهي لماذا لم تتمكن النخبة العربية من إبداع فكر جديد رغم مرور قرن
ونصف القرن على بداية عصر النهضة العربية؟
الجواب
واضح يكاد ينحصر في مأساة التخلف فلم يعرف تاريخ المجتمعات الحديثة إبداعا
فكريا متميزا و تجديدا ثقافيا في مجتمع متخلف اقتصاديا واجتماعيا و فكريا
ويئن تحت نير الاستبداد السياسي من جهة و تأثير تراث ماضوي غثه أكثر من
سمينه من جهة أخرى و قد عجز الفكر العربي المعاصر حتى عن غربلة هذا الموروث
و التخلص من تأثير جوانبه السلبية في حياة الناس اليومية بل إن المحاولات
الجدية التي عرفها هذا البلد العربي أو ذاك لنقد هذا التراث قد شهدت ردة في
المرحلة الأخيرة وأطلت علينا قوى الشد إلى الوراء برؤوسها المرعبة.
و
تمثل المشكلة السياسية العقبة كالأداء أمام كل محاولات التحديث و التجديد
فقد برهنت الدراسات الحديثة أن النظم السلطوية كانت عائقا خطير الشأن أمام
نجاح مخططات التحديث التنموية التي تبنتها الدولة الوطنية غداة الاستقلال و
تحول اليوم دون التفاعل الحقيقي مع التحولات الدولية و الإسهام الخصب في
مجتمع العولمة و سيفضي ذلك إلى مزيد من التبعية و التهميش و ستستمر النخبة
المثقفة العربية في تصنيف الشروح و الحواشي على متن الغرب.
إن
التغيير الجذري للبنى التحتية الذي هدفت إليه المخططات التنموية بالأمس
القريب و محاولة التأقلم اليوم مع المعطيات الجديدة للمجتمع الدولي المعولم
يقتضيان فتح الأبواب و النوافذ على مصاريعها أمام قوى الإبداع و الإبتكار
في شتى المجالات وهل ذلك ممكن في ظل نظم سلطوية تلجم الأفواه و تكتم
الأنفاس؟؟
و رسالتي الآن موجهة للعلماء و
المنظرين و الكتاب و المثقفين و كل من له رسالة في مقدورها أن تطور هذا
الشعب و تنهض به من القاع أقول له مقولة نيتشه :"تريدنا الحكمة شجعانا لا
نبالي بشيء مستهزئين إنها إمرأة و لن تعشق إلا الرجل المقاتل الصلب".
فالإنسان يتميز بملكة العقل وهذا العقل ينتج ضروبا مختلفة من التفكير بغية
الوعي بالذات أولا و فهم علاقته بالأشياء و منزلته في العالم ثانيا. غير
أنه لا يكفي امتلاك العقل ليمارس الإنسان التفكير الحقيقي. لذلك يميز آلان
بين ضربين من التفكير مختلفين في القيمة: الفكر التسليمي الذي يكتفي بقول
نعم وهي علامة الإنسان العامي في خضوعه للموروث و الآراء الشائعة. فقد آثر
الموافقة المريحة و القبول السلبي لذلك يمكن أن ننعته بأنه وعي قطيعي أو
جمعي لأن الإنسان يكتفي بتتبع القطيع الذي تقبل الموروثات الثقافية وهو يدل
على عطالة الفكر و انتقاء الوعي الذاتي. لذلك يمكن تشبيهه بإنسان نائم أو
في سبات و كان من الأجدر أن نقول لا و ننفصل عن هذا القطيع فالقطيع يتبع
سيده و لا يعلم وجهة الرحلة إلا السيد أو القائد بينما البقية تتبع دون
علم.
يجب علينا رفض كل أشكال التسليم و
الخضوع لنعبر عن وعي الفكر و يقظته و قطعه مع الموافقة المريحة فالتأمل و
التفكير يقوم على النقد الجذري لكل البداهات الجاهزة و نفي ما نعتقد.
وهذا
النفي و النقد و الرفظ لكل ماهو مسلم و جاهز و مسقط علينا لإبعاده عنا و
تغييره يشترط الجرأة و الإقتدار على المعرفة فالذي لا يبدأ بعدم الفهم لا
يعرف معنى التفكير فالفهم يقتضي رفض الإيمان البسيط يجب أن نفهم و الفهم هو
قول لا دائما أن نحاسب ضميرنا و أن نقول لا لأنفسنا النائمة إن ما أعتقده
لا يكفي.
و هكذا فإن التفكير لا يكون حقيقيا
وذا قيمة مالم يعبر عن موقف الرفض و النقد و يتجلى ذلك في علامة "لا".
فالإنسان الواعي و المثقف يتوجه بالنقد للوهلة الأولى إلى المظاهر الخادعة
للعالم الخارجي ليكشف عن حقائقه الخفية و يتوجه بالنقد إلى كل أشكال التسلط
الإجتماعي و السياسي كالموروث و العبودية و الإستبداد و الإستغلال التي
تسلب الإنسان حريته فتحوله لعبد يخضع و يحترم. و تستخدم السلطة القوة
المادية لتحقيق مآربها. و لكنها تلتجئ أيضا إلى الإيديولوجيا كقول مغالط
يرمي إلى توجيه العقول لغايات نفعية. لذلك يتوجب علينا محاربة الواعظ و دحض
أقواله الزائفة. سواء أكان الواعظ ديني أم أخلاقي أم سياسي فإنه يتخفى
وراء شعارات و مبادئ يوهمنا أنها حقائق في حين أنها لا تعدو أن تكون أقنعة
تخفي رغبة أسيادهم في السيطرة و رغبتهم في الكسب و الإنسان العامي و قد
استكان للواقع السياسي فيمتثل لأوامر السلطة غير أن الخضوع للمستبد لا يكون
سبب قوته بل بسبب ضعف الإرادة لدى الرعية مثلما يقول آلان "إن ما يجعل
المستبد سيدا لي هو أنني أحترم عوض أن أتفحص" حيث يكون الإنسان في حالة ما
دون الرشد على حد عبارة كانط فالتبعية للآخرين و العجز عن استعمال عقلنا
الذات و عدم الجرأة على النقد ليس مردها إلى القوى الخارجية التي تحكم
الواقع فحسب بل تعود أيضا إلى عوامل نفسية ذاتية يختزلهما أيضا كانط بقوله"
إن الخوف و الجبن هما السببان الرئيسيان لبقاء الإنسان في حالة القصور و
العجز عن الإستخدام الذاتي للعقل".
قد
يتهمني البعض بأنني أبشر بجنة العولمة و بأني أضهرها في ثوب الملائكة التي
تحمل حلا سحريا لمشاكل مجتمعنا. بالتأكيد لااااا و سيقف القارئ على الجوانب
السلبية لو أعمل عقله وحده سيكتشف عديد العيوب المميتة لكن كتبت عليها كي
نفهمها و كي ندخل في دهاليزها و نحن نميز بين الغث و الجيد بين المفيد و
القاتل فلا حول لنا و لا قوة الآن. و من كان له مهرب من العولمة فالينيرنا
بفكرته. فإذا لم تنجح الشعوب العربية في كسب رهان الديمقراطية في هذه
الألفية ستجد نفسها بعد قرن و نصف القرن و في عصر ما بعد العولمة واقفة في
محطة نمو التخلف مطالبة بالديمقراطية كما طالب جيل الرواد بالعدل السياسي و
الحرية فالقضية الأولى في العالم العربي هي قضية سياسية بالأمس و اليوم و
غدا.
و لتفادي هذا المستقبل على الشعب أن
يكون لديه مستوى من الوعي و إعمال العقل الذي يسمح له بالعيش بين هذا
القطيع دون أن يصاب بهذا الداء المعدي و في نفس الوقت يسعى لشفاء المصابين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق