Pages

هل نحن في ديموقراطية؟




كان من العبث أن نموت من أجل دانزيغ و سيكون من المنطقي أن نموت من أجل الديمقراطية هذا على الأقل ما يكررونه على مسامعنا يوميا. إنني لا أناقش المبدأ فالمرء إذا ما وهب حياته من أجل شيء ما فسينتهي به الأمر إلى أن يهبها من أجل لا شيء. لكن بودي قبل أن أموت من أجل الديموقراطية أن أتأكد من أنني أعيش فيها. يبدو أن الديمقراطية هي نظام بلادي: بودي ذلك لكني حين أبحث عن أدلة أتبن أنها تستند إلى شهادة الغير.

لقد قرأت فوق طوابع بريدية و على واجهات دور المحافظة أن الدولة الفرنسية تسمى جمهورية. و أستطيع أن أقرأ الدستور و القوانين التنظيمية و التشريعات. لكن المؤرخين يعرفون منذ زمن طويل أن دراسة القوانين المكتوبة لا تعطي فكرة دقيقة عن عمل المؤسسات الواقعي. لقد لقنت في حداثتي نظرة متفائلة إلى التاريخ تقوم على أسطورة التقدم. و إذا ما صدقنا هذا التصور الرسمي للغاية فإن آلام أسلافنا و أتعابهم من كرومانيون إلى فالمي قد قادت الجنس البشري نحو اللحظة المقدسة التي تسلمت فيها البورجوازية أخيرا السلطة إنني لم أتحرر نهائيا من التفاؤل و لما كانوا قد أقنعوني بأن كل مرحلة تاريخية تحقق تقدما على المرحلة السابقة و تنطوي على بذور التقدم اللاحق فإنني ما أزال أميل إلى الاعتقاد بأن الجمهورية الرابعة أكثر ديمقراطية من الثالثة و أن هذه الأخيرة أكثر ديمقراطية من الثانية. و من سوء حظنا أن هذا المفتاح ما عاد يفتح أي باب: فقد كان التقدم أثناء صعود البورجوازية هو التفسير الشمولي لكن جميع الأقفال قد جرى تبديلها اليوم بعد أن أخذت البورجوازية بالأفول و قد بلغت بلبلة العقول حدا باتت معه البورجوازية تسمي رجعية الحكومات الفاشية التي خرجت بالأساس من حظيرتها و تطلق صفة التقدمية على الأحزاب الشعبية التي تستبدل أسطورة التطور المتفائلة بالإيمان التراجيدي و المأساوي بالثورات. لكني إذا ما عدت أؤمن بالتقدم فمن يثبت لي عندها أن الديمقراطية ليست انحطاط؟ و هل أعرف كيف يجري تطبيقها في الجزائر في غاو بل حتى في كروزو؟ و باختصار إنني أعرف نظام فرنسا الذي أعيش فيه عن طريق القال و القيل شأن معرفتي بتضاريس أفغانستان التي لم تطأها قدماي قط.

بيد أن الكثير من الناس يزعمون أن لهم معرفة حدسية مستمرة و عملية بمؤسساتنا. إن الديمقراطية بالنسبة إليهم بديهية. و هم يعونها يوميا من خلال ممارسة وظائفهم بالذات حين يفرضون الاحترام لحقوقهم بل حتى عندما يؤدون واجباتهم فأنتم تستطيعون أن تذهبوا و تجيئوا ان تفكروا و تقولوا ما تفكرون به و أنتم تتخيلون تطلعون على الأحداث عن طريق صحافة مستقلة و لكم حصانتكم ضد تعسف الدولة و الأفراد: ما الديمقراطية إلا هذا.

لكن الأمور ليست واضحة إلى هذا الحد بالنسبة إلي. إنني مدرك بالفعل إننا متمتعون ببعض الحقوق و مطالبون ببعض الواجبات شأننا شأن أي عضو في أي مجتمع قومي. لكن من اللحظة التي أرغب فيها أن أتأكد بأن لي فعلا حقوقا معترفا بهما يغيم كل شيء و يتشوش. فمن المؤكد أن لي حق الانتخاب. لكن هل أنا واثق من أن صوت لن يضيع؟ لنفترض أن الأمة التي أنتمي إليها مرغمة على إلحاق سياستها الخارجية بسياسة بلد أقوى يحميها: فأي أهمية في مثل هذه الحال إن كان صوتي يساهم في تمكين هذا الحزب أو ذاك من تسلم السلطة؟ أي أهمية لذلك ما دامت السلطة نفسها لم تعد موجودة و ما دامت جميع الحكومات ستنتهج نفس السياسة؟ فحتى أعرف أن لي فعلا حق الانتخاب فمن الضروري أن أحدد أولا اذا كانت فرنسا قد احتفظت بسيادتها أم أضاعتها. و هذا مثال آخر: انني افتح صحيفة من الصحف كل صباح لأبحث فيها عن معلومات حقيقية عما جرى البارحة. وأنا أثق بالصحافة لأنني أعرف أنها حرة. و هذا يعني أنها غير خاضعة للرقابة و ان حكومة بلادي لا تملك الوسيلة للضغط عليها مباشرة. و لكن لنفترض ان وضع فرنسا و العالم لا يسمح لهذه الصحافة بأن تستوفي الشروط الإقتصادية و الاجتماعية التي تكفل لها حريتها العينية. لنفترض أن الصحف اليومية الكبيرة مكرهة من قبل الظرف التاريخي و حتى من غير أن تبيع نفسها على التخلي عن استقلالها من تلقاء نفسها. لنفترض أن مفاهيم الحرية و الموضوعية بالذات فقدت معناها في مجتمع يمزقه الصراع الطبقي و في عالم منقسم إلى كتلتين متناحرتين. إن ثقتي الجميلة هذه ستتبخر دفعة واحدة إذا أدركت ذلك: و آنذاك سأجد نفسي على حين غرة محاطا بسور من الكذب. و في مثل هذه الحال سيكون المثل الأعلى للصحافة هو الموضوعية و سيكون واقعها التضليل الدائم. و إذا كنا نستمر في شراء الصحيفة كل صباح فهذا لأننا نرفض من حيث المبدأ أن نطرح السؤال. و باختصار إنه ليخيل إلينا أننا نشعر في كل لحظة بحرياتنا و بحقوقنا لأنهم اقنعونا في البداية بأننا نعيش في نظام ديمقراطي. لكني اذا لم أكن أفعل شيئا سوى أنني أساهم في طقس الاقتراع و الغرفة السرية التافه بدلا من أن أمارس فعلا حقي الانتخابي و باختصار إذا كانت أفعالي كمواطن تمسخ سرا إلى حركات ظاهرية فهذا لأنهم كيفوني مذهبيا بصورة يستحيل معها على أن أدرك حقيقة الواقع. و إذا ما شعرت مع ذلك نتيجة لاستياء مبهم بأن كل شيء لا يسير  على ما يرام فإنني سأتهم الانسان بدلا من أن أتهم النظام.

صحيح أن بعض سلطات واقعية. لكن كيف السبيل إلى الجزم بأنها تأتيني من  الدستور لا من كوني منتميا إلى الطبقة صاحبة الامتيازات؟ أنني حر على سبيل المثال في السفر إلى الخارج و العمال السوفياتيون لا يملكون مثل هذه الحرية حسنا. لكن العمال الفرنسين هم أيضا لا يملكونها. إنهم يملكون الحق المجرد في اجتياز الحدود: لكن هل ثمة منا من يتصورهم سواحا؟ و أذا ما أرادو أن يهاجروا فإن منظمات قومية و دولية أعقبت في أمرهم. و الخلاصة أن لجميع الناس حقوقا متماثلة لكن ليس لجميع الناس حق التمتع بهذه الحقوق. إن النظام الذي أعيش فيه أكثر ديمقراطية بكثير بالنسبة إلي منه إلى عامل . أليس هذا مظهرا جديدا من التقسيم القديم للمواطنين الأحرار إلى سالمين و مقاتلين؟ و بالفعل إننا نميل إلى الحكم على القوانين حسب قناعاتنا المسبقة.
إن وجهة نظرنا لا يمثلها أي من وجهات النظر هذه و بالأصل نحن لا نبالي هنا بأن نتفلسف حول التاريخ. إن الديمقراطية في نظام بورجوازي و التناقضات التي قد نكشفها فيها متلاحمة داخليا بالمجتمع البورجوازي. ولا وجود لديموقراطية مثالية إنما هناك نظام ليبيرالي يولد تناقضات من نقطة المبدأ بالذات لأنه يفترض المشكلة محلولة: إنه ينفي بالفعل -على الورق- واقع الطبقات و صراع الطبقات و يزعم أنه لا ينظر إلا الى المواطن المعزول و المجرد في علاقته بالدولة أو بسائر المواطنين المعزولين و إذا كان وجد عصر ذهبي للمذهب الليبيرالي السياسي و إذا كان بعض السذج يعتقدون أنهم يستطيعون الرجوع إلى ذلك العصر ليدينوا تعفن مؤسساتنا فهذا لأن النظام الذي كان يقيد حق الإنتخاب بأداء ضريبة معينة أو لأن سحق البروليتاريا التي كانت سيئة التنظيم من قبل جيوش البورجوازية قد حذفا لفترة من الزمن التضاهرات المنظورة لصراع الطبقات و البروليتاريا الصامتة أو المحتارة لم تكن تبدو آنذاك كعامل تاريخي بحيث أن الحكومة و البرلمان و أجهزة السلطة القضائية كانت تبدو بالفعل و كأنها انبثاقات لمجتمع لا طبقي: كانت الطبقة البورجوازية هي وحدها التي تنتجها و تراقبها و تستخدمها لمصلحتها. و على هذا لم يكن بوسع تلك الأجهزة أن تعكس تناقضات مجتمع لا تعبر عنه بتمامه. و نحن نرى أن الطلاق المتعاظم باستمرار في بعض المجالات بين الوقائع و المبادئ يظهر على العكس مقاومة الواقعي أي انزلاق أوروبا و بورجوازيتها و ظهور طبقة عاملة منظمة وواعية لنفسها في إطار الأمة في آن واحد معا. أن عدم استقرار الحكومة و البحث الدائم و الباطل عن غالبية برلمانية ليس سببه كما تؤكد أوساط لليمين قلة أخلاق نوابنا: كل ما هنالك أن الصراع الطبقي بانعكاسه على الصعيد البرلماني قد عطب آلة لم تخلق إلا لتعكس انسجام البيئات الإجتماعية و لتسمح لها بالتوفيق بين مصالحها. و سوف نلاحظ في الوقت نفسه أن المنجزات الديموقراطية في قطاعات أخرى تسجل تقدما بالنسبة إلى فترة ما قبل الحرب. لكننا سنرى أيضا أن هذا التقدم بالذات يساهم بما يولده من نتائج في تدمير النظام الذي حققه. فكأن التحقيق الكامل للديموقراطية البورجوازية سيتطابق ولابد مع دمارها الشامل. وليس في هذا ما يدعو إلى العجب: فبقدر ما كان الفكر الليبيرالي ينفي وجود الطبقات بنيته شبه الصريحة لإخفاء المشكلة الحقيقية كان لابد أن يولد فكرة واضحة عن مجتمع بلا طبقات سيكون حقيقة الديموقراطية البورجوازية و سيساهم في هلاكها.



جان بول سارتر..قضايا الماركسية

MIB

مدونة لبعض الخربشات التي إحتلت عقلي فأردت لها أن تكون في صفحات هذه المدونة انشر هنا آرائي الخاصة وروابط لمقالاتي، يمكنك مراسلتي للتواصل لأي سبب كان أهوى الرسم و كذلك كل ما يتعلق بالأدب و الفنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق