حينما تشرق الشمس من وراء الغيم الكثيف تود لو تمزق سهامها الفضية كابوس التوتر و التمزق .. وحينما تحس بموجات من القلق الخانق, يغمرك إحساس غامض إحساس مفجع كهذه النقطة السوداء بأنك لست هنا.. ربما تكون هنا بدمك و لحمك ولكن الهذيان الأحمق يرحل بك إلى بعيد .. إلى تلك التخوم النائية التي تفتح فيها الأزرار و تتنكر فيها أنت لشيء مجهول كان يعبث بك .. و ربما تصادره لأنه خدعك ...
قد تكون ملابسك وردية و أحلامك سابحة في يم الفجر الخالد تعانق تباشيره و ترسم لوحات سندسية بخيوط براقة جميلة.. ولكن أن تحس بالدوار يصرخ في تجاويف رأسك و يصرخ بعمق في ثنايا دواخلك و ينفيك من موطنك فهذا شيء أخرس .. و ساعتها أراك تحضر ورقة و تكتب عليها بعمق نافذ: "تحركات شفتي تستحيل إلى صراخ.." ما هذا دعك من هذه الورقة تخلص منها و كن إنسانا طبيعيا واصرخ في الناس أصرخ في هذه الأبنية و هذا الفضاء الفسيح من سيمنعك؟
تأفف أو تذمر.. هل يعني أنك خسرت المعركة؟؟ و هل يعني ذلك أنك خائف من العتمة؟؟.. كلاّ فهذا الإنفعال المتصلب ينسكب دما فولاذيا يرمي التقزز و السكون و يتدثر معطف الألم السرمدي حتى الوصول إلى ذلك العالم السحري الخالي من الأدران و الشوائب ... الآن أصبحت جسورا لأن هذا النصر سيعطيك جواز سفر إلى مدينة أحلامك.. ستستقبل الآخر و ستكون مجنونا حينئذ بحبه.. ربما ستغوص فيه و تسبح في أرجائه كثيرا.. و تنام بين رموشه كثيرا.. وتلبث بين كلماته كثيرا.. لأنك ستحس أنك تحولت إلى حلم بعد ما كنت جثة فقط على عتبة كوخ متداع كثيرا ما هددته الغيوم ... ولكن ذات صباح حدث المكروه فقاومت اليم الهادر...
كنت ذات يوم صغيرا و رأسك هو الآخر صغيرا.. كنت تؤمن بأنك واحد تظهر في النافذة.. تقفز و تجري.. لك شيء من الشراسة في أن تأكل قطعة جبن باردة.. أمام الباب تجد نفسك كما كنت أمس و كما ستكون غدا.. قطعة الجبن داخل الثلاجة و إن دخلت إلى تلك المأساة.. أو دلفت الحدود فإنك ستنهار حتما.. هل لأنك ضعيف إلى هذه الدرجة؟.. و ﻷن وجهك شاحب حد الهذيان؟؟.. و لأن قميصك مرتق بخيوط بالية؟؟.. ربما لأن السفر في هذه الصحراء شاق.. إن إمتدادها بحجم الحلم الذي كثيرا ما دلف أعماقك وهو كذلك بحجم الرحلة التي منّيت نفسك فيما بعد أن تنسجها في أيامك.. ستصرخ الخادمة بأعلى صوتها و تقول لك:" مالك و قطعة الجبن؟".. الدم يتجمد في عروقك و شعرات رأسك تقف مذعورة لأن الشرطة كثيرا ما تطارد الصبية الصغار و يرفضون الحوار معهم لأنهم صبية لا يعرفوا معنى الحياة.. و لا يفقهون معنى المأساة الدرامية.. هم يغدون و يروحون و كأن شيئا لم يحدث.. وكأن الأرض ملساء كما الحقيقة التي يراها الجميع في عيونهم.. بيدك الثانية تحمل قلبك و تهرب.. تفر من الساحة.. ربما لأن المقصلة كثيرا ما تظهر آلة خياطة و عندما تقترب.. تظهر الغرفة بلا نوافذ كروية الشكل كما الفوضى تتجمل بأظافر و لكنها معقوفة كالرعب الذي يمزقك عندما تهم بالسير في غاية ليلية.. و ربما يتدفق فيك حلمك الجبار العنيد في تلك اللحظة و لكنك ستتوارى وراء وجهك المقنع بالخيبة...
ستدق الباب في لحظة مجنونة و ستنزع الجدار الأملس عن نفسك.. حتى تستطيع أن تستوعب أكثر حجم هذا الموقف.. لأن هذه اللحظات بدأت تتناثر كالغاز المخنق في كل الأفاق.. و أنت تخشى أن تكون واحدا مشدودا بسلك كبير من يديك و رجليك.. و محاطا بنظرات تؤلم أكثر من السلك , تسيل الرعب في باطنك و تحيلك إلى صنم أخرس.. كنت تود لو تقضم جزء صغيرا من قطعة الجبن و تفاخر بها صبية الحي و هم يلتهمون قطع الحلوى في أعياد كثيرة.. تريد أن تكون الإختلاف الذي ستنسج منه أسطورة من أساطير الجدات تصور فيها حلمك و تذيعه على موجات قصيرة و طويلة حتى يسمعه كل العالم.. و لكن شرخ المأساة يكبر فيك حتى ترى نفسك ستسقط فيه, فتقف مذعورا و تجري على أرضك العتيقة تحفرها بفأسك, و تزرعها آسا و أحلاما كبيرة فقط.. تحصدها عندما ترى نفسك أصبحت قادرا على استيعاب القضية...
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق