لم يحدث شيء..بلى..لم يحدث أي شيء فظيع ... إن جمجمتي تكاد تنفك من عقدها.. ليس من الخمر أو أي مادة من المسكرات رغم أني أعلم أنها من مذهبات العقل لكني أعي ما حولي .. لم يحدث شيء.. يبدو أنك أنت مخمور فكل هذا و أنت ما زلت تردد هذه التخريفات..
فتونس لم تعد كما هي.. لم أعد أعرف أي لون صبغ تونس.. فطريقنا الآن تلوح غائرة في الظلمة طريق تطل على جرف موحل طريقه وعرة لم أسمع له بنهاية...
إن تونس تكنى بالخضراء.. لكن يبدوا أن هذه الخضراء قد أصابها القحط من أهلها الذين حصدوا كل خيراتها.. يبدو أن الناس تعلموا الجشع.. أو ربما ورثوه...
لقد قررت أني سأرحل إلى عالم البراءة.. لذا فأنا الآن متأهب لتقلبات الطقس.. فأنا دائم الحركة أسعى يوميا لإقتلاع الأشواك من طريقي.. و طريقك.. فهل أنت معي.. لقد حملت كلاكل ظلمات الدنيا.. و تحملت آلام الصخور الجافة و نظرات الناس الحاقدة لأيام و شهور فكيف لي أن لا أتحمل طريقا نهايته فوز و جائزته قمة الراحة.. إحساس لا تعرفه إلا عندما تعانق تلك الزجاجة..
إن نهر حياتنا لن يجف.. و طريق مدينتنا لن يغشاه الضباب و لن يلفه السراب.. سأرفع لواءنا عاليا.. و سأجعله في أعلى هضاب الأرض حتى يراه الجميع.. و لكن ليس الآن.. لأني أخشى الإنزلاق.. أخشى التعثر.. فطريقي لحد اليوم مازالت تلفها الأوحال و تتخللها الحفر.. سأحصل على معول و رفش لأرد التراب لهذه الحفر.. ربيعنا مازال لا تفصله عنا إلا أيام.. و زهور حديقتي ستفتح براعمها في وجه الطيور المغردة.. و سنجني ثمار حديقتنا التي سعينا لحرث شجيراتها و ريها أيام الجفاف و الشدائد و القحط...
لا وجود لأحلام سهلة.. و لا وجود لأهداف دون بذل و عطاء.. إن الدروب مليئة بالحفر.. فالمنعرجات خطرة.. و الغابة مليئة بالحيوانات المفترسة.. و لكن لن تجدّ طريقها إليك... بل سر بأمان.. سر في طريقك و لا تخشى العوادي.. فدرب الأمل قريب.. و مدينة الضياء وراء تلك الربى.. هناك تستقر طيور الحمام, هناك تغرد البلابل أهازيج أعياد الميلاد..
على بساط الأعشاب السندسية.. و على نغمات خرير المياه وسط الجداول سنبني قصورا لنا.. و سنعرف يومها كنه الحياة و كنه درجات العمر.. يومها سأحس بكابوس ثقيل ينزاح من على صدري و سيسقط الجدار الذي سجننا سنوات.. و يتمرد السيل ليكسر السدود و يشنق الصمت.. الصمت الرهيب الذي غشي حياتنا و أبى إلا أن ينتقم لدمه المهدور و رايته المكسورة...
سأنطلق الآن سأسير على قدمي سير الرحالة القدامى.. سأعلن لكم أن العوائق مهما كانت فه كسحابة صيف.. فه لن تثنيني عن عزمي.. و لن تعطل رحلتي إلى هدفي.. ستسير عربتي لتتخطى الثلوج و العوائق المتراكمة فوق الطريق.. و ستعلن سخريتها منها.. و تعلمها بأن موسم الحج لعالم البراءة لن تعرقله كتل متراصة فوق الطرق...
ستصلك رسالتي مهما كانت الضروف.. و مهما أجتمعت الصعاب لتتحد في طريقي.. فالعزيمة لا تقهرها الصعاب و العزيمة هي البلسم لجراح أيامنا...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق