قد تكون الثورة المتفجرة في كيان الفجر تنساب بأجنحتها و تحطم أغلال السبات.. وقد يكون الضياء يتدفق بحيوية كبرى و يشع في كل الأرجاء و لكن من لم يتعود عن الجري على الحصى تدمى ساقيه و يسقط لا يلوي على شيء.. يسقط كقصبة نحيلة هبت عليه عاصفة هوجاء فأودت بها.. يسقط و يسقط لأنه لا يستطيع الوقوف لحظة أخرى...
و هذه صفحة الامتداد تبدو باهتة الآن كأنها ورقة صفراء تعبث بها الأهواء و يركلها العبث إلى قرار مبهم.. و يرحل بها الخوف إلى بوتقة غامضة في حلكة الليل القاتم.. هذا الشبح المتورم بذاته و القابع على الأفئدة في دناءة و حماقة كبيرة.. يزحف على نقاط الضوء كلما لاحت و يطمرها في بوتقة الذهول.. و يدلف بها عالم الكرى حتى تستحيل إلى لا شيء.. إلى نقاط عمياء في فيحاء الشحوب...
و هذا القحط يحمل كلاكله جثة للتعفن لا تعي ما يدور و لا تحمل في جنباتها أي إحساس.. إحساس بأن العالم لا بد أن يضيء.. إحساس بأن الزهر لا بد أن ينمو و يتفتح و يمتد إلى أعلى و يعانق تباشير الصباح المخضل بالفرحة...
أين هذا الحلم الكبير في أتون هذه القتامة المترنحة في تموجاتها العربيدة؟.. أين هذا الوهم الكبير الذي كان يملأ فراغ رأسي الأجوف و يطعمه بباقات مخضلة بالأحلام المترعة بالنشوة و الشوق السرمدي؟.. و هذه القصيدة الكبيرة ترحل في لجة اليم نحو المجهول.. ترحل مكرهة و في قرارها إحساس بالرغبة في الغوص أكثر في مكامن الوهم.. فيها إصرار مورد بأن الحياة سكينة و أن الدفء هناء و أن الفشل إنتهاء...
تلك هي الحقيقة المرة التي تصادر الحلم على الوجوه المتوثبة للنور.. تصبغ عليها مسحة أخرى.. رونقا كالحافيه طعم الحنظل الذي يفوح في كل شبر و في كل هضبة أو تلة أو وهد.. هذا الحلم الذي كاد يمتد فحدث له اندحار فجئي.. فكان ما كان.. وانزاح على نفسه وهو يحس بوجع في أعماقه يمتص ذاته و يعطيها قطرات من العلقم تتجرعها في هدأتها...
إن الشوق.. هذه المساحة الفيحاء فيها تورق الأشجار بعد جفاف طويل و يعود الصبية إلى لعبهم الكبيرة التي يصورون فيها أحلامهم و آمالهم و تصوراتهم.. وفيها تعانق الفرحة و النشوة الوجوه المغلفة بالحسرة و التأوه.. وفيها يثور الطوفان على سنوات من القحط و يبعث في الوحشة بصيصا من نور يدلف بها حلكة الظلمة.. فينتهي هذا الشبح المتعفن و ينمحي من الوجود كغيمة في سماء صيفية تنثرها النسمات الرقيقة كما نفثات الدخان المترنح.. و يعود اللهو و المرح إلى الأفئدة بعد موجات من الألم و العناء الذي أدمى الأوصال وبعث فيها طعم الجراح و التأوه لفترات طويلة.. و هذه الهمسات يسقط وقعها على الآذان فتغر الشراسة و القسوة و تنغرس بأعناقها الطويلة في جفاف الرماد الآسن.. و يثور مركب الأسى في الفؤاد و يحكي له ممر العبور نحو الآت.. طريق الأمان نحو الضياء...
و هذه المدينة التي تراءت لي أدخلها و شبح الفرحة يتلألأ في عيني.. و قطرات من العرق تتفصد على جبيني من وقع الدهشة... ها أنا في مركب الفرحة بين أجنحة الأمل و التفاؤل...
كانت خيوط الضوء تتكاثف حولي.. أراها تغطي مساحة رأسي المذعور.. و شعيرات رأسي هي الأخرى تقف مصافحة لهذا العالم الجديد.. هذه المساحة أراها تكبر في عيني حجم الوهم المدفون في أعماقي منذ صبايا عندما كنت أدلف منزلنا و أنا أحمل شراهتي.. و عندما كنت أجري في شوارع قريتي المنسية في أحضان الجنوب.. عندما كنت أصافح بطحتنا العزيزة و أتسكع و صبية الحي في أحضانها و نغوص بأرجلنا الشاحبة في أتونها.. و في أتون الأوحال المتراكمة حولها و التي تزيدها الأمطار الموسمية طاقة الإجتذاب.. فنغوص أكثر و لكن الشراهة تعود لي فجأة فأقف مذعورا ثم أقفز قفزات متتالية كثيرا ما بعثت الضحك و القهقهات على أفوه المارة و حتى الكثير من رفاقي و أترابي.. فأتحسس فكي و أعود أجري بسرعة مجنونة نحو منزلنا و أداعب مخي المتورم و أصور ملحمتي الكبرى.. كانت العواصف ساعتها ترمي بشراستها على باب منزلي فأعيث في أثاث البيت فسادا.. أقلب هذه و أكسر تلك.. أبحث عن شبح الوهم الكبير و عندما لا أجده أخرج إلى الشارع من جديد أتنسم وقع النسمات الخفيفة التي تدفع لي بطاقة عبور...
و أدلف مدينتي و حجم الثورة الكامنة في ذاتي أراها تعانق الوهم بجنون.. و هذا أنا أواصل هوسي و جنوني.. و نبضات اﻷوردة تزداد وقعا و ترسم بخطاها وقع الملحمة التي أخوض غمارها منذ أمد.. و منذ إصراري على ذلك... و هذا طعم الفرحة يكبر في عيني و يدلف تلافيف مخي المشجون.. يزيح شبح الكرى عنه و يبعث فيه روح الامعان نحو الأفق و نحو هذا الآت الممزوج ببعض النشوة...
و أراني أدلف مدينتي في اليوم ألف مرة.. و أمد يدي نحو هذا الشبح الذي أراه.. إنه ماضيّ.. الذي تركته ورائي فإذا بي أجده أمامي.. و السماء كان فيها نوع من الشحوب.. و طعم المقاصل يوحي إلي أنه سينتقم مني مثلما انتقمت منه لحظة جنون و ثرت لهدفي.. هو يود أن ينتزع شبح الثورة في ذاتي -هذا ما بدا لي- .. هو يريد أن يجعلني أركع أمامه و أقبل رجليه و أستعطفه.. و هذا.. ربما سيصفح عني و ربما سيواصل تمرده عليّ.. و أجدني ألهث وراءه.. وراءه كما كنت...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق