Pages

رحيل مع الغيم



جسدي المتلف يسير .. يسير على الرصيف فيندمج الجزء في الكل ... فيظهر من بعيد كاللاشيء .. كما النجم البعيد انفلت عن الأنظار و اصبح بلا وجه و لا معنى ... ذلك هو أنا .. و كما تقول أنت:"أنت ..." .. تبحث في وجهي عن وجهي فلا تجد إلا الفضاعة تستحم في ركن آوته الجراح في جسدي...
قد تقول:"لماذا لا تورق الأشجار؟.." و قد تقول أيضا"هل السماء داكنة إلى هذا الهزيع الأخير؟؟"...
تحس أنني جزء محفور في الأعماق.. وتحس أنني من طينة غريبة قد أكون أوغلت في متاهات مجهولة هي الأخرى و غريبة عن شجيرات الزيتون المتناثرة في كل الأرجاء .. شجيرات الزيتون التي تصافح وجهي كل صباح و مساء ... تهمس في أذني كل ليلة:"مدن الأوحال رديئة.. رديئة حد الجنون... وهذا الظلام يبدو فضيعا كما النار تلتهم كل شيء بشراهة جنونية..."
أحس أن وجهي غريب عني.. بلا ميزة.. ولكن خيوط الثورة الدافقة تقلقني كهذا الباب الذي يعبث به التيار الهوائي.. هو الآخر يقلقني ولكن الإرهاق يكبلني... أنا أتوق لأن أتحدى هذا العجز الصارخ في أعماقي .. أهمس في داخلي أن أدفع بنفسي في اليم .. أن أجرب حظي في  فن العوم.. أن أغوص أكثر فأكثر.. فاسعى و أفشل و أعيد الكرة مرة ثانية.. و خامسة... لكن الغيوم البيضاء تتلاشى تدريجيا في الفضاء الرحب... أظنها تبعث في نفسي الأمل.. تريد أن تمحو هذا السكون القابع...بعنف تصر على أن أستحم داخل الضوء..ولكن يظهر أن هذه الدائرة مغلقة في وجهي..تتحداني و تبعث في أعماقي شيئا من الخوف..و بعض التقزز الذي لون وجهي و شكل فيه قناعا يبدو ثائرا..وربما معربدا...أمد يدي إلى هذه النقطة المضيئة ..فتعود كئيبة حزينة.. يغلفها وشاح التردي.. ولكن لكل جواد كبوة..
ذات يوم وجدتها تترقبني على هذا الرصيف الممتد..قررت أن أمر في شيء من اللامبالات..ولكن حدث عكس ما نويت..فجأة شيء يجذبني..يظهر أنها تعطرت بأبهى العطور..وتجملت بأبهى الفساتين..ربما تكون البسمة لم تستقر بعد على تضاريس وجهها الذي يسطنع الفرحة...تصفحت هذه الخريطة الماثلة أمامي و تمتمت:"هنا تكمن مدن العطش.. هنا يستقر التيه.. وفي هذا المكان لا وجود لدفق الضباب.."!!
أدرت وجهي ثم انطلقت بسرعة تاركا إياها في شحوبها الانهزامي..
كل الوجوه ليست كوجهي..بعضها يبدو حالما..وبعضها الآخر يبدو كأنه يعانق الرحيل دوما.. القناع الذي يحلي هذه الصفائح يبدو أنه يزور بين الفينة و الأخرى مدينة الصفاء.. هو يزورها و يتحدى عيدان الكبريت... يريد أن يرسم نقطة مضيئة على أعلى قمة في الكون..قد تكون هملايا أعلى قمة في الأرض و قد تكون أشياء أخرى في غاية السرية.. أشياء ترفض البوح.. كهذه النوارس الحالمة التي ترحل نحو الشمال.. كانت ترحل عشقا ثم تعود عشقا.. و أنا الآخر أتسرب عبر الثقب الموجود في هذا الفراغ أتحسس المنافذ فأجد خطايا مثقلة ببعض التأوه كالهزيمة و كالنفور...
جاءتني ذات صباح باكر إلى المنزل و همست في داخلي بإطراء:"أنت كما السماء..قد تمطر السحب التي يبدو شبحها في هذا الإمتداد..ولكن ماذنب شجيرات حديقتنا حتى نمنع عنها الماء كل هذا الزمن..ربما تكون جافة.. وقد تكون أكثر من ذلك.. وهذا الخصب نقيض العقم.."
قد أكون في نظري بلا وجه.. ولكن هذا القناع التشاؤمي اندثر هذه اللحظة..قد يكون تلاشى منذ زمن.. ولكن الذي أعلمه أنه ذاب و انتهى.. أنا منذ قليل كنت أحس به.. ولكن الصيف رغم حرارته فهو يصفع قتامة الثلوج و يعبث ببعض البرد الذي يسعى لتطويقنا ...
         ما أروع أن يتحول الغيم إلى حلم...
         ما أروع أن يتشكل السيف قلم حياة يبتسم
         و ما أروع أن يشرق البلبل في جوف الليل
         و قد توشحه النغم ...

يعانقني الفضاء فيتدفق في أعماق سيل من التوهج يدغدغني..يحركني..فيبعث في نفسي حلم البعث.. الدمعة التي استقرت في منطقة الأمل.. آن لها أن تتبختر و تتبدد.. ستورق الأشجار من جديد.. فلا بد من حياة هانئة للجميع.. حتى يتحركوا بلا قيد..كما البرعم يتخطى جبروت السكون...
قلت لها:" أنا أبحث عن فضاء استحم فيه.. أتشكل فيه.. أفقد فيه كل شيء حد الغيبوبة فأجد نفسي في منطقة بعيدة عن الرياح..بعيدة عن وهج السموم..يكفي شجيرات الكلتوس و الصبار ما تعانيه..ويكفي هذه التلال شبح الجفاف الذي عانقها سنوات..إنها تتوق لعالم ممتع..عالم باسم..فالبسمة هي البلسم لهذا الداء الذي دخل بيوتنا بدون استئذان..قد يكون يحمل تذكرة أو جواز سفر إلى مدن الملح... و لكن الأكيد أنها ممنوعة في ساحاتنا.. فنحن تستهوينا الطيور الحالمة و نبحث في ذواتنا عن شيء اسمه "الحركية" .. لأن الأمل ينتهي إذا لم يجر الهواء.. و شجيرات حديقتنا تموت إذا لم تتحرك البسمة.."
و أتاني همس تحرك من بعيد:
"زمان مضى في غياهب الرماد
 مكان انتفى
         خلف تلك البعاد
 وفوق هذا الرصيف
         كان يقبع غيم
                    و ثلج
                       و جرح الخريف
 سوف أخرج من مساحات الخطر..
 فبرج الصمت مات
               و انتهى..
                     و انمحى..
 وانتفى عهد الضجر...
 وانتهى زمن الخطر..."

كنت أحس أنني أرحل .. وكنت أرى بعض الطيور تتصفح أحلامها

MIB

مدونة لبعض الخربشات التي إحتلت عقلي فأردت لها أن تكون في صفحات هذه المدونة انشر هنا آرائي الخاصة وروابط لمقالاتي، يمكنك مراسلتي للتواصل لأي سبب كان أهوى الرسم و كذلك كل ما يتعلق بالأدب و الفنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق