Pages

هلوسات فتى مجنون





أتحسس المعبر المؤدي إلى المقهى و الذاكرة تطفح بالأحلام.. و القلب أراه يطغى بالتمزق.. تغوص في ذاتي مدى كما الوهم يمزق السكون.. و عقلي يمارس هواية الجنون.. في حلقي تتجمع عبرات شتى و أنا أمتص رحيق العزيمة في فيحاء حلمي المتورم.. في شيء من الحماقة أصيح كطفل فقد بسمته.. و لكن أرتجف عندما أتذكر أنني مسربل بالثورة.. و يمر كابوس الرعب أمامي فأحس أنني صادرت كل تردد و كل خوف و سكون.. و أجلس على مقعد متورم هو الآخر.. شاركني بعض آلامي.. و بعضا من أحلامي الباهتة.. و بعضا من طموحاتي المترنحة في فجوة لا متناهية.. و أجدني ألعن هذا الجمود فجأة.. و أقبض على ذقني في شراسة و أنزع بعض الشرود الذي دلف ذاتي و استكان داخل رأسي الضيق من كل شيء.. إلا من هذا الكابوس الكبير.. هذا الكابوس الثوري المسكون بالحلم.. بالتغيير...

استيقضت لكن لم أجد الكثير من التغيير في العالم فلا فرق بينه و بين عقلي المختل.. يبدو أن صيف السنة قد أعلن جنونه.. إنني أعذره فلم يبقى عاقل فوق هذه الأرض و الجنون مرض معدي و هاهي عدواه وصلت إلى الطقس... إنه فصل موشح بالسواد.. فلا وجود لعصافير تزقزق ولا بلابل تغرد و لاأزهار لتفتح.. إنه زمن الجنون و مكان اللامعقول.. يبدو أن قهوة اليوم فيها نفح التغيير.. قهوة سوداء كمصير كل من هم أمامي.. و أرحل إلى ذاتي فأجدني أشد قساوة.. قساوة تعبث بدواخلي.. و تصر على أن أشعل الفتيل في هذا التردي المحيط بي.. في هذا الحاجز الكبير الذي يعترضني في كل خطوة من طريقي الطويل.. و هذا شبح الثورة بدأ ينفث في داخلي ومضات عنيفة و يصور طعم الملحمة الكبرى في فؤادي.. يصور نقطة مضيئة في الأفق البعيد.. هذه النقطة الحلم التي تراود مخي المتورم...
لكن لم الأحلام فها أنا فوق هذا الكرسي المحطم أمام شبح المقهى الكئيب.. مقهى لتعساء القرن 21.. و بدون مقدمات صورة تحدث أمامي تقتحم تلافيف مخي.. تتلاعب كأهواء و عواصف عبر ممراته الضيقة.. و لا أدري كيف أقف و كيف أفتح فمي و أصيح.. رجل في كامل صحته البدنية مبتسم و عقله يبدو خاليا من كل الأمراض.. خالي من الشوائب.. لا هموم تكدر قلبه و لا شواغل تعطل تفكيره.. جلس إلا جانبي و لم يكن يعلم بعواقب أفعاله.. لم يحسب لي و لجميع الكائنات حسابا و لا بالا.. أردت أن أنهره.. أردت أن أطرده.. أردت أن أضربه.. لكن صوت في داخلي أوقفني و صاح ينبهني:"الملوك لا تعامل هكذا!!...
عندها إلتفت إلي و نظر يتفحصني.. فتصلبت عيناي في محجريهما و أنا أتصفح بإمعان هذا الوجه الغريب.. أردت أن أصفعه لأطرد هذه البلاهة في تقاسيم وجهه..
فهمس إلي في لهفة:
- المكان جميل...
- و السماء كذلك أجمل...
- كم أنت غبي.. هههه
- أنا؟!!!...
- نعم فأنت تود رسم وجها آخر للواقع..
و في كل سلاسة أعاد وجهه و أدار ضهره لي في كل تكبر.. فكانت كلماته تمزقني و تقذفني بسهام الشكوك و الحيرة.. فأردت المزيد من الحديث معه فدعوته على قهوة: ماذا تشرب..؟؟
فكانت الإجابة التي شلت أفكاري.. "أحلاما لذيذة كل يوم .. و كل لحظة.."
كانت كلماته تغوص في ذاتي المتورمة كمدي تنغرس في الفؤاد و تمزق شبح الصمت داخله.. كانت جريئة.. في جرءتها يتردى وقع السكون لا يلوي على شيء.. و أمطرت الأرجاء في وجهي تفاهات كثيرة.. و ترددت أسئلة محرجة كثيرة في دواخلي.. و لكن قررت أن أصمت هذه اللحظة.. حتى أعرف بعض الحقيقة.. و ساعتها سأعلن عن أسئلتي.. و هذا أنا الساعي آلاف الأميال وراء وهم كنت أرسم فيه حلمي الكبير.. و أرى فيه نقطة ضوء كبيرة.. و فيه يسبح الدفء.. و ينساب الشوق في مراكب موردة.. أبقى صامتا عندما أسمع كلمات محرجة كهذه...
هذه أنامل رقيقة تقترب من كتفي المندس في أوهامه و تربت عليه.. فأحس بأنني كنت أهذي و ربما مس من الجنون أصابني.. و ألتفت فإذا بالرجل قد تلاشى من مكانه.. لا وجود له على مرمى البصر.. لا شيء أمامي إلا صديقيّ أماني و خليل يطلبان الجلوس من أجل إكمال القهوة معي.. فوافقت على الفور لكن عقلي لم يكن معهم بتاتا.. لقد كان الرجل شبحه يرن في تجاويف رأسي.. لقد فجرني و حطمني إلى فتات.. كل الأحلام الكبيرة التي رسمتها.. ذابت كقطعة السكر في فنجان قهوتي.. و رسمها إنتهى.. لم يبقى منها إلا بقايا أسس رسمت عليها بقية الطريق.. طريقي المتشعب الطويل.. الطريق الذي زاد حفرا و عوائق بعد رصاص ذلك المجنون.. نعم لم يكن سوا مجرد إسم من قائمة المستمتعين بالدنيا.. نعم هذه النتيجة التي وصلت إليها.. لا يحفل بجديد العالم.. صنع لنفسه قارة يحكمها.. دنيا ليست من تصميم أحد.. فقط إرادتهم و بقايا تفكيرهم هي المتحكم الوحيد في دفة سير الحياة...
كنت أعرف أنني كشجرة قميئة.. لا بلسم لي إلا حلمي المتوثب في هذه الفيحاء الممتدة.. و لكن كلماته أرادت أن تدخل نافذة هوسي من ركنها الكبير.. وفي اللحظة المناسبة.. كنت كذلك أحس أنني سأنفجر بعدما لامس الشرود وجهي.. و بعد أن تكاثفت الغيوم في سمائي و احلولكت بي الطرق فكدت أتيه في هذه المتاهة المتشعبة.. و هذه الكلمات كانت نقطة الضوء التي تثير مجاهل مدينة الشمال أمامي...
و تصبغ على فؤادي بعض الأمل...
و يتدفق سيل التأوه في ذاتي من جديد.. ألعن هذا التيه.. و هذا التردي في موكب الأسى.. و هذا التشنج يستبيح كل شبر داخلي.. و أهمس في شرود.. و كلمات مبهمة تخرج من بين شفتي المتورمة هي الأخرى.. و أعلن أنني مصر على الصبر.. و الوطء على الجمر أخف من تحطيم الذات الحالمة.. الذات التائقة للنور...
في قرارة نفسي أود لو يكون كل شيء على ما يرام.. و أود أن أدلف هذه المدينة و أخوض غمارها دون إعياء.. دون مشاكل تقف في وجهي.. فيكفيني أنني خضت غمار مشاكل و صعاب كثيرة.. يكفيني أنني احترقت بنار الألم عبر شعاب رحلتي الطويلة.. يكفيني أنني وقفت في وجه الطاغوت أكثر من مرة.. وقفت بشموخ و تحديت الحواجز و العراقيل مئات المرات.. يكفيني.. يكفيني هذا...
ولكن لا يكفيني أن أقف حيث أنا.. يجب أن أغوص في لجة الفوز و أرشف من رحيقه العذب أشهى و أبهى قطراته التي سعيت لها لآلاف الأميال و آلاف اللحظات الحرجة...
و دون أي كلمات.. أجد نفسي أغادر بهو المقهى.. هناك إحساس داخلي يدفعني إلى مزيد التذوق.. إلى أن أعرف بعض الأشياء عن هذه الأحلام التي بدأت تدغدغني منذ آماد بعيدة.. أن أعرف جنبات هذه المدينة المترعة بالشوق.. المخضلة بأبهى حلل الدمار.. و الموشحة بأجمل أوشحة الألم.. كانت قدماي تسير بي إلى مقر التعبير.. رفقة إخوتي.. و كان كل شيء يوحي بأن هذا اليوم هو أغلى يوم في حياتي.. فهذا أنا أتجاوز بعض العوائق التي لطالما صدتني.. تجاوزتها إلى حلمي الكبير.. رغم العدا.. رغم العراقيل.. و طريق الأمل محفوف بالمكاره.. محفوف بالصعاب.. و موشى بالأشواك و الأدران.. فلعل الحل هو التسلح و تطوير النفس للدفاع ضد الأعداء.. أو أن تكون رقم جديدا في قائمة الجنون لكي لا تكون فردا من القطيع.. و ربما ذلك الحل الأسهل للخائفين من الصراع...

MIB

مدونة لبعض الخربشات التي إحتلت عقلي فأردت لها أن تكون في صفحات هذه المدونة انشر هنا آرائي الخاصة وروابط لمقالاتي، يمكنك مراسلتي للتواصل لأي سبب كان أهوى الرسم و كذلك كل ما يتعلق بالأدب و الفنون.

هناك تعليق واحد:

  1. الجنون هو الحل و المهرب من مجتمع و شعب الماذافاكرز الذي يعيش طاوبع سكر الكلهم نسخة وحدة و ينبذون جميع أنواع التغير و الكذا و الشيء ....
    و كما قال العلامة عبد السلام فينكس " تي شوف المجانين في روس بعضهم عيشين " ...

    ردحذف